هنري تايلور.. الرسام الزنجي الأمريكي ينحاز إلى العدل والإنسانية ضد العنصرية

 

مقال الجمعة للفنان عبد الرازق عكاشة | على مسافة 90 مترًا فقط من الوجع في متحف بيكاسو، ويعلن البقاء للمشاعر الصادقة، وليس للحرفية القاتلة للفن.

بين مرسمي الجديد في باريس، عاصمة الثقافة والإبداع، وهذا المرسم القريب جدًا من متحف بيكاسو، حوالي 90 مترًا سيرًا على أقدم أعتابها الوجع، وهذا ما يحزنني بعد إصابة عيني اليمنى فجأة بمرض اسمه العصب الثالث الخطير، بلا أي سبب محدد، وبلا سابق إنذار.

حزني من عدم تمكني من عمل بث مباشر لأشرح لكم فيه أعمال الفنان القدير، رسام المشاعر والإنسانية، هنري تايلور، الذي اختارته إدارة متحف بيكاسو، والسيد المبدع الكبييييييير جدًا بابلو بيكاسو، للعرض هذا الصيف في قاعات المتحف.

المسافة بين مرسمي والمتحف تعادل ثلاث مرات لوحتي الأخيرة «غزة»، تلك اللوحة التي يبلغ طولها 30 مترًا، والتي غطت جدران قاعة الهناجر، وكان مخططًا لها العرض في عدة دول، لكن الوجع قهر الرجال، والزمن هو إعلان سفر الموقرين.

في تلك المسافة التي تعادل لوحتي «غزة» ثلاث مرات، أحلم دائمًا بإسعادكم، لكن سوف أفعلها قريبًا، رغم أنف المستشفيات وأسرتها البيضاء، التي كلما طالت رأسي وسادتها، تذكرت شريطًا طويلًا من الذكريات.

نموذجًا حين كان هنا، في ميدان إيطاليا بباريس، الدائرة الثالثة عشرة، الكاتب الكبير المبدع الأستاذ سعد الدين وهبة، مقدمًا حالة رائعة للانتصار على الوجع بالكتابة، في سلسلة مقالات رائعة باسم «مذكرات آخر العمر من ميدان إيطاليا بباريس»، وذلك كل يوم أربعاء لمدة شهرين أو ثلاثة في جريدة الأهرام المصرية، ثم غادرنا في شهر نوفمبر 1997.

حقيقي، باريس باتت محطة للثقافة والوجع والحلم والسفر والغياب والحضور منذ إنشاء متحفي بالقاهرة. حضور هنا يصاحبه الوجع في كل مرة، وترافقه العين قادمة من هناك.

سبحان الله.

فلسادس مرة، كل مرة أصعب من الأخرى، رغم حرصي على إسعادكم ومشاركة كل شيء إبداعي معكم.

المهم…

صباح الخير من متحف بيكاسو.

 

الفنان الزنجي هنري تايلور يقدم تجربة فريدة ترتكز على ثلاث أساسيات من المتناقضات الاجتماعية والجمالية والشخصية كحالة إنسانية.

ولد الفنان عام 1958 في أمريكا، معتمدًا في تجربته على تجاوز حدود «الشطارة»، هذا الوهم والخرف العربي.

فلا توجد شطارة وتفوق في العمل الإبداعي، لكن يوجد صدق المشاعر، وإنسانية المبدع أو المبدعة، والبناء الثقافي كوعي عام جماعي وفردي.

في أعماله يتجاوز التركيز على عرض جماليات مباشرة وساذجة، للغوص في أصالة المنتج الإبداعي والارتكاز على روح الصدق والتلقائية والبراءة والنقائية وصفاء البصيرة وجمال الروح، متخليًا عن التعاليم الأكاديمية الوهمية.

تتحرك فرشاته في إطار تعبيري بحثي هادئ، غير مبالٍ بالفورم (الشكل والتشريح) أكاديميًا أو لونيًا، كل ذلك لحساب التعبير.

نعم، سبقه إليها العظيم السير أوسكار كوكوشكا، سيد التعبيريين وأستاذ الإبداع في تاريخ الإنسانية، لكن تايلور مبدع يفرض علامته وخصوصيته وحكاياته الاجتماعية المهمة.

معرض «ذاكرة جماعية» لهنري تايلور

أرضية مشتركة

غالبًا ما تتمتع شخصيات هنري تايلور بجلال وحضور خيالي متجاوز للشكل الواقعي، وتبدو بعض لوحاته وكأنها خرجت مباشرة من أفران التلقائية التعبيرية في ثلاثينيات القرن العشرين.

مصورًا العمال والريفيات والفقر والبسطاء، في انحياز اجتماعي واعٍ وعادل إلى ثقافة الزنوج في أمريكا في تلك الحقبة، موثقًا ظروف معيشة هذه الطبقة، وصورهم الشخصية ومناظرهم الطبيعية في الحقول والمصانع، بطريقة تعبيرية شديدة الخصوصية والبساطة، لكنها صعبة البناء ومستحيلة النقل.

لأن مشاعره طازجة، حية، لحالة يؤمن بها الفنان كقضية مجتمع، حياة أو موت، والتي تمثل تجربته رمزًا لتلك الفترة الصعبة من تاريخ بلد يمثلها الآن رئيس متعجرف لا يفهم حدود العدل، ولا يعرف قوانين الإنسانية، ولا من بنى بلاده أصلًا.

تمثل أعمال تايلور روح التصوير الاجتماعي، وتستحضر اللوحات بطريقتها الخاصة إيماءات وأماكن وشخصيات هذه أمريكا التي لا يعرفها الآخرون.

مساحات شاسعة، ومجتمعات ريفية، وآثار المهاجرين الزنوج، وعلامات كفاحهم، في أعمال حجمها ضخم، وحضورها وألوانها حية وقوية ومباشرة، وتلقائية وصادقة، لتعانق هذه اللوحات الماضي والتاريخ والقضايا المعاصرة.

أيقونات الذاكرة الإبداعية

شخصيات في الذاكرة العامة

أقام هنري تايلور العديد من الأعمال الفنية الضخمة التي تصور شخصيات بارزة من عالم الرياضة، وحركة الحقوق المدنية، والتاريخ الأمريكي، مؤسسًا بذلك روحًا وثقافة خاصة به وحده، كصاحب لذاكرة بديلة في مجتمع مرفه لا ينحاز للعدل الإنساني.

من بين هذه الشخصيات جاكي روبنسون، أول لاعب أسود ينضم إلى دوري البيسبول الرسمي في أمريكا عام 1947، ممهدًا الطريق أمام العديد من الإنجازات للرياضيين السود.

كما صور مارتن لوثر كينغ في مشهد غير متوقع، وهو يلعب الكرة مع الأطفال الزنوج، بعيدًا عن الصور النمطية لزعيم الحقوق المدنية الذي تم اغتياله في أمريكا في 4 أبريل 1968.

ثم صور في لوحاته خطابات ومسيرات ومنصات تخالف اللوحة القواعد المعتادة في تلك المرحلة، مثل لوحة السخرية من الرجل الكنتاكي، وتتجاوز اللوحة الرسم واللون إلى التمثيل التذكاري، لتصبح عملًا فنيًا مستغلًا الكولاج والديكوباج.

حيث تضفي الشخصيات المتحركة، التي بالكاد تُرى وجوهها، حيوية على مشهد طبيعي استثنائي.

معرض مهم جدًا يستحق المشاهدة، وقريبًا لكم بث مباشر من هناك رغم الألم.

محبتي كبيرة.

باريس

عبدالرازق عكاشة
مؤسس متحف دارنا بالقاهرة

  • Related Posts

    Ladé Wosornu Students Poetry Contest debut: Pictorial Recap Series

    The Ladé Wosornu Students Poetry Contest is one of the modules of the Creative Arts Agency’s “Grow the Artist-in-Me!” project. It is designed to create a platform that encourages the…

    ليلة الفنان التشكيلي أكرم زافي في ريبيرث الجميزة

    “يبدأ أسماعيل فقيه وهو شاعر وصحافي وكاتب وناقد فني تشكيلي لبناني سلسلة من كتاباته إلى (طريق الحرير اليوم) بمتابعة حركة فنية تشكيلية هائلة تشهدها العاصمة اللبنانية يوميا. “ بيروت– اسماعيل…

    اترك تعليقاً

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *