في حلقة استثنائية حملت عنوان «رحلة الملاحم… من الأدب إلى السينما»، فتحت قناة النيل الثقافية مساء الأول من يونيو 2026 نافذة واسعة على أحد أكثر أشكال الإبداع الإنساني تأثيراً واستمراراً عبر العصور. واستضاف برنامج «كواليس» الشاعر والكاتب والرحالة الدكتور أشرف أبو اليزيد، رئيس تحرير سلسلة «إبداعات طريق الحرير»، في حوار ثري امتد بين الأدب والتاريخ والفلسفة والفن السابع، كاشفاً كيف انتقلت الملاحم الكبرى من الرواية الشفوية والقصائد الطويلة إلى الشاشة الفضية لتصبح جزءاً من الذاكرة البصرية العالمية.
وقدمت الحلقة، التي أعدتها حنان فكري وريهام رجب، ونسقتها سوزان عباس البارودي وفاطمة الزهراء حسن، وأخرجها متولي إسماعيل الديب، رحلة معرفية ممتعة بين حضارات العالم المختلفة، مؤكدة أن الملاحم، مهما اختلفت لغاتها وأزمنتها، تروي في النهاية قصة الإنسان نفسه؛ ذلك الكائن الذي لا يتوقف عن البحث عن المعنى والهوية والخلود.
بدأت الحلقة بالسؤال الجوهري: ما الملحمة؟ وكيف استطاعت أن تعيش آلاف السنين دون أن تفقد بريقها؟ وأوضح الدكتور أشرف أبو اليزيد أن الملحمة ليست مجرد قصة طويلة أو حكاية بطولية، بل هي سجل رمزي لتجربة إنسانية كاملة، يجتمع فيها التاريخ والأسطورة والفكر الجمعي للشعوب. وأضاف أن مفهوم الملحمة في الثقافة العربية يحمل دلالة خاصة، إذ إن كلمة «ملحمة» تأتي من الجذر العربي المرتبط بالتلاحم والاشتباك في المعارك، بينما يشير أصلها اللاتيني إلى الأشعار والسير التي كانت تُغنّى وتُروى شعراً. فالبطل الملحمي لا يتحرك من أجل ذاته وحدها، بل يحمل مصير جماعته أو أمته، ويخوض رحلة مليئة بالاختبارات والأسئلة الوجودية الكبرى.
وتوقف الحوار عند السمات المشتركة التي تجمع الملاحم الإنسانية رغم اختلاف البيئات والثقافات، من البحث عن الهوية والخلود إلى الصراع بين الخير والشر، ومن مواجهة القدر إلى السعي وراء الحرية والمعنى. وأكد الضيف أن هذه القضايا هي التي منحت الملاحم قدرتها على تجاوز الحدود الزمنية والجغرافية، وجعلتها مادة جذابة لصناع السينما في مختلف أنحاء العالم.
ولأن السينما فن الصورة والحركة، فقد وجدت في الملاحم كنزاً درامياً لا ينضب. فالمعارك الكبرى، والرحلات الخطرة، والشخصيات الاستثنائية، والصراعات الأخلاقية المعقدة، كلها عناصر تمنح المخرجين فرصاً هائلة لصناعة أعمال ضخمة تجمع بين المتعة البصرية والعمق الفكري.
ومن أبرز محطات الحلقة الحديث عن الملحمة الإغريقية الأشهر «الإلياذة» لهوميروس، والتي وصلت إلى الجمهور المعاصر عبر فيلم «طروادة». وأوضح أبو اليزيد أن الفيلم نجح في تقديم عالم الملحمة بلغة سينمائية حديثة، مع التركيز على شخصيات مثل أخيل وهيكتور، لكنه في الوقت نفسه أثار نقاشاً حول مدى التوازن بين إبراز البطولة الفردية وإظهار المأساة الإنسانية للحرب. كما تناولت الحلقة «الأوديسة»، ملحمة الرحلة والعودة، التي لا تزال تلهم السينمائيين بسبب ما تحمله من عناصر المغامرة والأسطورة والتأمل في معنى الوطن والوفاء والهوية.
ولم تقتصر الرحلة على التراث الإغريقي، بل امتدت إلى الهند حيث الملاحم العملاقة مثل «الماهابهاراتا» و«الرامايانا». وبيّن الضيف أن الماهابهاراتا تُعد من أغنى النصوص الإنسانية وأكثرها تعقيداً، إذ تجمع بين الحرب والفلسفة والدين والسياسة في نسيج سردي واحد، بينما تتميز الرامايانا بقيمها الإنسانية المتعلقة بالإخلاص والواجب والتضحية، وهي قيم ساعدتها على تجاوز حدود الثقافة الهندية والوصول إلى جمهور عالمي واسع.
وفي محطة أخرى من الحوار، حضرت ملحمة جلجامش، أقدم نص ملحمي معروف في تاريخ البشرية. وتوقف النقاش عند السؤال الأبدي الذي تطرحه الملحمة: هل يمكن للإنسان أن يهزم الموت؟ وأشار أبو اليزيد إلى أن رحلة جلجامش في البحث عن الخلود ما تزال تعبّر عن هواجس الإنسان المعاصر، رغم مرور آلاف السنين على تدوينها. كما تناول عرض فيلم التحريك «Gilgamesh — The Oldest Story Ever Told» بوصفه محاولة حديثة لإحياء هذه الملحمة بلغة سينمائية معاصرة.
أما الشاهنامة، درة الأدب الفارسي التي أبدعها الفردوسي، فقد حظيت بمساحة مهمة من النقاش، خاصة من خلال قصة «رستم وسهراب» التي تُعد من أكثر القصص التراجيدية تأثيراً في الأدب العالمي. وأبرزت الحلقة كيف استطاعت السينما تحويل هذه المأساة الإنسانية إلى تجربة بصرية تجمع بين البطولة والحزن وقسوة المصير. وفي هذا السياق أشار أبو اليزيد إلى أن الشاهنامة عرفت طريقها إلى القارئ العربي من خلال طبعة مهمة أصدرتها دار سعاد الصباح في دولة الكويت، وصدّرتها مقدمة موسعة تجاوزت المئة صفحة كتبها المفكر الكبير الدكتور عبد الوهاب عزام، أول أمين عام لجامعة الدول العربية، الذي أسهم بدور بارز في التعريف بالأدب الفارسي وتراثه الملحمي.
كما انتقلت الحلقة إلى الملاحم الأوروبية الشمالية والجرمانية عبر فيلم «بيوولف»، الذي أعاد تقديم الأسطورة الإنجليزية القديمة مستفيداً من التقنيات الرقمية الحديثة. وناقش الحوار الفروق بين صورة البطل في هذه الملاحم ونظيره في الملاحم الإغريقية والشرقية، حيث تتجلى مواجهة الشر في صور أكثر قتامة وتعقيداً.
ومن المحاور اللافتة كذلك، تسليط الضوء على الملاحم الأفريقية التي ما زالت أقل حضوراً في السينما العالمية رغم ثرائها الدرامي والبصري.
واختتمت الحلقة بالإشارة إلى «ملحمة أوراسيا» للشاعر الصيني تشاو شوي، بوصفها نموذجاً حديثاً يسعى إلى تجاوز الحدود القومية نحو ملحمة إنسانية جامعة تربط حضارات طريق الحرير في سردية واحدة. وأوضح الدكتور أشرف أبو اليزيد، مترجم الملحمة إلى العربية، أن هذا العمل يوثق مرحلة جديدة في تطور الشعر الملحمي؛ فهو يأتي بعد الملاحم المبكرة التي مزجت بين أقدار البشر وقدرات الآلهة، وبعد الملاحم التعليمية ذات الطابع الفكري والأخلاقي، ليجسد مرحلة الشعر الحر المعاصر القادر على استيعاب التاريخ والجغرافيا والثقافات المختلفة في نص واحد.
كما عرض البرنامج كلمة مسجلة للشاعر الصيني تشاو شوي، تحدث فيها عن حلمه القديم بالسفر من الصين إلى مصر عبر طريق الحرير، مروراً بالهند وفارس وبابل وكنعان واليونان، مؤكداً أن «ملحمة أوراسيا» وُلدت من هذه الرؤية التي تسعى إلى جمع الحضارات الكبرى في ملحمة إنسانية واحدة.
نص كلمة الشاعر الصيني تشاو شوي
“منذ شبابي، راودني حلم عزيز: أن أمتطي جوادًا من الصين، وأسافر عبر طريق الحرير حتى أصل إلى مصر. وفي الطريق، نعبر الهند وفارس وبابل وكنعان واليونان، لنعيش روعة تلك الحضارات. واليوم، حوّل الشاعر المصري الكبير د. أشرف أبو اليزيد هذا الحلم إلى حقيقة. وبعد ذلك كتبتُ «ملحمة أوراسيا» استنادًا إلى هذه الرؤية تحديدًا، لأن قارة أوراسيا كانت يومًا مهد الحضارات الإنسانية الكبرى، وما تزال وطن البشرية كلها.
يسعدني أن «ملحمة أوراسيا» قد تُرجمت إلى العربية على يد الشاعر المصري الكبير أشرف أبو اليزيد. فاللغة العربية لغة عريقة، تنحدر من اللغة الأكادية القديمة، وترث لغة «ملحمة جلجامش». وهي اللغة الرسمية لاثنتين وعشرين دولة عربية. ومنذ صدور هذا الكتاب، تُرجم إلى عشر لغات. هذه هي النسخة الصينية، وهذه النسخة الإيطالية، وهذه النسخة الإنجليزية. كما أخطط للقاء أشرف في آسيا الوسطى خلال شهر يوليو، حيث سنقيم حفل إطلاق النسخة العربية.
تقليديًا، كانت الملاحم الإنسانية ملاحم قومية. فأقدم ملحمة في بلاد الرافدين، وهي «ملحمة جلجامش»، وُلدت في المنطقة العربية، وكذلك الملاحم اليونانية والهندية. وكل هذه الملاحم التقليدية كانت ملاحم قومية. ومن خلال كتابة «ملحمة أوراسيا»، آمل أن أدمج جميع الحضارات القديمة — بدءًا من بابل، غربًا إلى كنعان ومصر واليونان، وشرقًا إلى فارس والهند والصين — لصنع ملحمة تخص الإنسانية كلها. وهذا أيضًا هو هدف «حركة الشعر العظيم» التي أسستها. فنحن نطمح إلى دمج الحضارات الشرقية والغربية، والحضارات القديمة والحديثة، والحضارات المقدسة والدنيوية، لخلق شعر عظيم.
البشرية جاءت من المكان ذاته، ولا بد أن تصل في النهاية إلى المصير ذاته. ووفقًا لكتاب «رحلة الإنسان: أوديسة جينية» لـلعالم سبنسر ويلز ، فإن جميع البشر المعاصرين ينحدرون من سلف واحد عاش قبل مئة ألف عام. لقد خرجنا من أفريقيا، وتفرقنا في كل الاتجاهات انطلاقًا من بلاد الرافدين، فتشكلت الأعراق الصفراء والبيضاء والسوداء. ومع ذلك، ما زلنا النوع نفسه، إذ نتشارك 99.99٪ من جيناتنا.
واليوم، من خلال «ملحمة أوراسيا»، أريد أن أطلق نداءً مدويًا: لقد حان الوقت لكي تتوحد البشرية. إن مستقبل الإنسانية سيكون بالتأكيد لغة واحدة، وأمة واحدة، ووطنًا واحدًا. وربما يستغرق ذلك خمسمئة عام، لكنني أؤمن إيمانًا راسخًا بأننا جئنا من المكان نفسه، وسنصل حتمًا إلى الوجهة نفسها.”
وهكذا اختتمت الحلقة رحلة امتدت من جلجامش إلى هوميروس، ومن الفردوسي إلى تشاو شوي، مؤكدة أن الملاحم، مهما اختلفت الأزمنة والثقافات التي أنجبتها، تظل مرآة كبرى تعكس أحلام الإنسان ومخاوفه وأسئلته الأبدية حول الحياة والهوية والخلود.






