من القصيدة إلى الشاشة: كيف وجدت قصيدة «قطار يعبر الصحراء» لأشرف أبو اليزيد حياة جديدة في السينما

رسم توضيحي: الذكاء الاصطناعي

نادراً ما تسافر القصيدة وحدها. فاستعاراتها وإيقاعاتها وصمتها كثيراً ما تتجاوز الصفحة المكتوبة لتجد أشكالاً غير متوقعة في الفنون الأخرى. هكذا كان الحال مع قصيدة «قطار يعبر الصحراء» للكاتب المصري د. أشرف أبو اليزيد، التي ألهمت المخرج الباكستاني راهول إعجاز لإنجاز فيلم قصير يحمل العنوان نفسه. غير أن العلاقة بين القصيدة والفيلم أكثر تعقيداً بكثير من مجرد اقتباس تقليدي؛ فبدلاً من تحويل الأبيات إلى صور، دخل إعجاز في حوار إبداعي مع النص الشعري، بحيث أضاء الأدب والسينما أحدهما الآخر.

كاتبة المقال د.آنا ستيليا

بالنسبة إلى المخرج، جاء اللقاء مع القصيدة بشكل حدسي وعميق. فبينما كان يطوّر قصة شخصية مستلهمة من ذكرى ابن عمه الراحل فاروق، كان يبحث عن عمل أدبي قادر على السكن في العالم العاطفي لشخصياته. وبعد عودته إلى مجموعة من قصائد أشرف أبو اليزيد، برزت هذه القصيدة فوراً.

كان القرار غريزياً أكثر منه تحليلياً. فالقصيدة لم تمنحه القصة، بل قدمت له مناخها الوجداني. ويصف إعجاز القصائد بأنها أشبه بسكك حديدية استطاع قطاره السينمائي أن يسير فوقها. ويؤمن أنه من دونها لما وصلت الرحلة إلى محطتها الأخيرة.

ويكشف هذا التمييز عن حقيقة أساسية في العلاقة بين الأدب والسينما. فبدلاً من توضيح القصيدة بصرياً، سمح إعجاز لصورها ورمزيتها ورنينها العاطفي بأن تضيف عمقاً إلى سرد قائم بالفعل. والنتيجة ليست اقتباساً بالمعنى التقليدي، بل محادثة فنية بين عملين مستقلين.

ومن أبرز سمات «قطار يعبر الصحراء» انفتاحه على التأويل. فمثل كثير من الشعر المعاصر، يرفض نص أشرف أبو اليزيد السرد الخطي، مفضلاً استحضار حالات المنفى والاغتراب والذاكرة والهوية والقلق الوجودي عبر المجاز.

Dr. Ashraf Aboul-Yazid

وبالنسبة إلى إعجاز، أصبحت هذه الضبابية الشعرية إحدى أعظم نقاط قوة الفيلم. فهو يقول: «أجمل ما في الشعر أنك لا تحتاج إلى ترجمته إلى صور بصرية. يكفي أن تشعر بالكلمات، فتأتي الصور من تلقاء نفسها».

ويغدو القطار نفسه رمزاً بالغ القوة. ففي القصيدة يوحي بالحركة عبر مناظر يهيمن عليها الوهم والاقتلاع والإرهاق العاطفي. أما في الفيلم فيتسع المجاز أكثر، إذ يصبح القطار هو الحياة ذاتها؛ رحلة قد يكون الاستمرار فيها مؤلماً، كما أن مغادرتها مؤلمة بالقدر نفسه.

ويكمن هذا التناقض في صميم السرد. فالفيلم يستكشف أسئلة أخلاقية عميقة تتعلق بالمعاناة والقتل الرحيم والأخوّة والاختيار، من دون أن يقدم إجابات نهائية. وكما تفعل القصيدة، فإنه يدعو إلى التأمل لا إلى التفسير.

وعلى الرغم من تجذره العميق في اللغة والثقافة السندية، فإن الفيلم لا يغفل الأبعاد الكونية للقصيدة. فالحوار يظل سندياً أصيلاً، غنياً بالتعابير الدارجة والحميمية التي لا يمكن أن توفرها سوى اللغة الأم. ومع ذلك، فإن الخصوصية الثقافية لا تحد من قابلية العمل للتلقي، بل تعزز صدقه وتتيح للمشاعر الإنسانية المشتركة أن تتجلى بصورة طبيعية.

كما أن استخدام الدفّ، بوصفه عنصراً صوتياً متكرراً في الفيلم، يشكل جسراً آخر بين التراث الإقليمي والرمزية الشعرية. فهو لا يعمل بوصفه آلة موسيقية فحسب، بل يتحول إلى صوت إضافي داخل السرد، يعكس الإيقاع العاطفي الذي أسسته القصيدة.

وربما يكون الجانب الأكثر إثارة في قراءة إعجاز للعمل هو فهمه للصمت. ففي فيلم يتمحور حول شقيقين موسيقيين، تكاد الموسيقى التصويرية التقليدية تكون غائبة. وفي فيلم يحمل عنوان «قطار يعبر الصحراء»، لا تهيمن القطارات ولا الصحارى على المشهد البصري. وتعكس هذه الغيابات المقصودة اقتصاد الشعر نفسه.

فالصمت يتحول إلى إيقاع، والتوقفات تصبح لغة، وما يبقى غير منطوق يحمل في كثير من الأحيان وزناً عاطفياً أكبر من الحوار.

ولا يرى المخرج أي تناقض في ذلك. فالشعر، في نهاية المطاف، يعتمد على فراغاته بقدر اعتماده على كلماته. وغالباً ما يتولد المعنى بين السطور، كما أن السينما كثيراً ما تتحدث من خلال السكون أكثر مما تتحدث عبر الكلام.

وتؤدي قصيدة أخرى لأشرف أبو اليزيد، هي «سجن»، دوراً محورياً داخل الفيلم. فسؤالها المؤرق: «من السجين ومن السجّان؟»، يؤطر الصراع العاطفي قبل أن يفهم الجمهور طبيعة العلاقة بين الشخصيات. ولا تتكشف أهميته الفلسفية إلا لاحقاً، ليبرهن كيف يمكن للشعر أن يستبق بهدوء البنية الدرامية بأكملها.

ومن بين جميع الأبيات التي استُحضرت في الفيلم، يعود إعجاز مراراً إلى فكرة واحدة من «قطار يعبر الصحراء»:
حتى لو استطعنا إيقاف القطار، فهل سنغادره حقاً؟

هذا السؤال، البسيط والمدمر في آن واحد، يصبح المركز الفلسفي للعملين. فلا القصيدة ولا الفيلم يحاولان الإجابة عنه، بل يدعوان الجمهور إلى مواجهة المعضلة انطلاقاً من تجاربه الخاصة.

راهول إعجاز

ولعل هذا الانفتاح يفسر سبب استجابة الجمهور في بلدان مختلفة للفيلم بهذه الكثافة. فقد عُرض في العديد من المهرجانات الدولية، وترك مشاهديه مراراً في صمت عميق، وكثيراً ما دفعهم إلى الدموع. ويرى إعجاز أن هذه الاستجابة تنبع من حقيقة أن الشعر والسينما لا يطالبان بالفهم العقلي قبل الفهم العاطفي؛ إن المرء ببساطة… يشعر.

ويذكر التعاون بين شعر أشرف أبو اليزيد ولغة راهول إعجاز السينمائية أيضاً بأن الأدب لا يزال يشكل الثقافة البصرية المعاصرة بطرق ذات مغزى. فبينما أصبحت اقتباسات الروايات أمراً شائعاً، يظل الشعر مصدراً سينمائياً نادراً نسبياً. ومع ذلك، حين يُتعامل معه بحساسية، فإنه يقدم للمخرجين ما هو أبعد من البنية السردية.

إنه يمنحهم المناخ.
ويمنحهم الغموض.
ويمنحهم عمقاً عاطفياً يقاوم التعبير الحرفي.

ويؤمن إعجاز بأن السينما نفسها شكل من أشكال الشعر البصري. وعندما يدخل الشعر الحقيقي إلى الفضاء السينمائي، تصبح النتيجة شيئاً أكبر من أي من الوسيطين منفرداً. فالأدب والسينما لا يعودان في حالة تنافس، بل يغني كل منهما الآخر من خلال بحث مشترك عن الحقيقة الإنسانية.

وفي النهاية، يبرهن «قطار يعبر الصحراء» أن القصيدة ليست مضطرة إلى البقاء حبيسة الصفحة. فاستعاراتها قادرة على مواصلة رحلتها عبر لغات فنية جديدة، مع احتفاظها بالسر الذي منحها الحياة منذ البداية. وفي قراءة راهول إعجاز الحساسة، لا تغدو قصيدة أشرف أبو اليزيد مجرد مصدر إلهام، بل رفيقاً حياً يقود المشاهدين عبر سكك وجدانية يلتقي عندها الأدب والسينما، حيث يصبح على كل متلقٍ أن يقرر في النهاية: هل سيبقى على متن القطار أم سيخطو نحو المجهول؟

Related Posts

«سلاف الثقافية» في عددها العشرين: بين مونديال المال وملاحم الذاكرة الإنسانية

صدر العدد العشرون من مجلة «سلاف الثقافية»، المجلة الشهرية الثقافية الفنية المنوعة، لشهر يونيو 2026، حاملاً باقة ثرية من الدراسات النقدية والأبحاث والنصوص الإبداعية والقراءات الفكرية، في تأكيد جديد على…

شاعران عربيان في أنطولوجيا منغولية!

أولان باتور – منغوليا: وجدت الروح الأدبية الغنية للعالم المنغولي تعبيرًا جديدًا ومميزًا في أنطولوجيا «الوطن الأم» (Motherland / Native Land)، وهي مختارات شعرية دولية تجمع أصوات 140 شاعرًا من…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *