غزّة ليست خبرًا … قصيدة جديدة للشاعرة د. حنان عواد

ليس كلُّ ما يُكتب عن غزّة قصيدة،
وليس كلُّ ما يُقال عنها شهادة.

هذه الكلماتُ ليست ادعاءً بامتلاك الحقيقة،
بل محاولةٌ لأن يبقى للوجع صوت،
وللشهداء أسماء،
وللأطفال غدٌ ينتظرهم،
وللوطن ذاكرةٌ لا يطويها النسيان.

إن كان للشعر رسالة،
فهي أن يحرس الإنسان من قسوة الاعتياد،
وأن يذكّر العالم، في كل مرة،
أن غزّة ليست خبرًا…
بل ضميرُ هذا العصر.

دموعٌ لغزّة

إلى غزّة…

إلى الأمهات اللواتي يودّعن أبناءهنّ ولا يجدن متّسعًا للبكاء…
إلى الأطفال الذين كبروا قبل أوانهم، وحملوا أسماء الشهداء بدل ألعاب الطفولة…
إلى المدينة التي ما زالت، رغم الركام، تعلّم العالم أن الكرامة لا تُقصف، وأنّ الحرية قد تنزف، لكنها لا تموت.

«ليس كلُّ البكاءِ دموعًا…
فبعضُ الدموعِ وطن.»

دموعٌ لغزّة…

وفي غزّة
ثورةُ غضبٍ
تتكسّرُ على أبواب السماء.

هو لغزٌ
يتوارى في المواصي،
وفي النواصي،
وفي صناديق العجب.

دمُنا أنهار،
ولحمُنا ممزّق،
والأرضُ لهب.

وترى الأضواءَ في رام الله،
والزحامَ في الشوارع،
والمقاهي،
والملاهي…

وكأنّ الدمَ المسفوكَ وَهْمٌ،
وكأنّنا أدهشنا الموت،
فعشقناه،
واختزلنا الآهَ
في رفعِ العتب.

كيف نمشي؟
وكيف نمضي في مراكبنا؟
كيف نواري الذكرى،
وننسى أنّنا كنّا،
وأنّنا صرنا ظلالًا،
وبياناتٍ
لا تحرّك ساكنًا،
ولا توقظُ في الضمائر نبضًا.

وكيف نواجه شعبَنا المقهور؟
وكيف ستسير الأمور؟
والكلُّ واقفٌ على شواطئ الذكرى،
يكتفي ببيان،
أو دعاء…

حتى الدعاءُ
غادر مواقعَنا.

لجانٌ…
واتفاقات…
والدمُ مزروعٌ على الطرقات،
والمحتلُّ يرفض الرحيل.

وأصواتٌ تعبر المشهد،
كأنّها أداةُ تجميل،
جاءت تشهد،
ثم تمضي…

واشتدّ الخطاب،
وتكاثر النقدُ المعتّقُ بالغياب.

لا أمان…

بل دخانٌ في دخان،
ورحلةُ هوان،
تسجّل آخرَ توقيعٍ
في الكرامة،
وفي المقاومة.

ورجالٌ عادوا… وأقسموا،
لكنّ القسمَ ظلَّ معلّقًا
على أبواب الريح.

وغزّة…
ما زالت تكتبُ وصيّتَها
بمداد الأطفال،
وتخيطُ علمَها
من أكفان الشهداء.

وكلَّ يومٍ
يولدُ قبر،
وتشيخُ أمّ،
ويكبرُ يتيم،
ويعلو سؤالٌ
لا يجرؤ العالمُ على سماعه:

أيُّ وطنٍ هذا
الذي يُذبحُ كلَّ صباح،
ثم يُطالَبُ
أن يبتسم؟

وأيُّ زمنٍ هذا
الذي صار فيه الصمتُ
لغةً رسميّة،
وصارت فيه العدالةُ
لاجئةً بلا وطن؟

ستبقى غزّة…

لا لأنّها مدينةٌ على الخارطة،
بل لأنّها ضميرُ الأرض
حين يخونها أهلُ السياسة.

ستبقى غزّة،
القصيدةَ التي لم يستطع القتلةُ تمزيقَها،
والاسمَ الذي كلّما حاولوا دفنَه،
أزهرتْ من ترابه
ألفُ حياة.

وسيبقى الدمُ
أبلغَ من بياناتهم،
وأصدقَ من مؤتمراتهم،
وأبقى من صمتهم.

لأنّ غزّة
ليست مدينةً تُحاصَر،
بل حقيقةٌ تُولد
كلَّ صباحٍ
من بين الركام.

وسيجيء يومٌ
يكتب فيه التاريخُ،
لا من وقفوا على الشاطئ يراقبون،
بل من عبروا النار
ليحفظوا للإنسان
وجهه…

وللوطن
اسمه.

د. حنان عواد
فلسطين
آب / أغسطس 2026

Related Posts

مفتاح جدتي … حكايا الأسرار والرسائل 

طارق العمراوي  من المؤلفات العديدة للكاتب و القاص فاضل الكعبي ها هي  قصة “مفتاح جدتي” تتفاعل  مع  الجدة كرقم معرفي ومعلوماتي لطالما  استخدمه العديد من كتاب القصة الموجهة للطفولة  وكانت…

Books Along the Silk Road (5): Deciphering a Masterpiece

Every literary journey leaves behind more than memories; it leaves books bearing the voices of the people and places encountered along the way. During the 6th Silk Road International Poetry…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *