طارق العمراوي
من المؤلفات العديدة للكاتب و القاص فاضل الكعبي ها هي قصة “مفتاح جدتي” تتفاعل مع الجدة كرقم معرفي ومعلوماتي لطالما استخدمه العديد من كتاب القصة الموجهة للطفولة وكانت قاصة رائعة لها من القصص الكثير جلها وأغلبها يحاكي الأزمنة الغابرة والشخصيات الخرافية و حكايات الغول والسحرة وقصور الملوك والأمراء والفرسان الشجعان والكهوف التي يسكنها و تعيش فيها الكائنات الغريبة والعجيبة.
وها هي قصة” مفتاح جدتي” اعتمد الكاتب أسلوب العروس الخشبية الصينية فكانت قصة داخل قصة احتوت القصة قصة مفتاح الجدة والبطل الحفيد وحكاية الجدة التي عاشتها وهكذا خرجت عن المألوف والمعهود والمتواتر وهو أن يتربع الاحفاد و يتحلقون والخوف صاحبهم نظرا للوحوش وعالمهم القاتل والغول وفتكه بالحيوانات والجنود والمآسي التي تخلفها السحرة.
فكانت حكاية الجدة واقعية عاشت أحداثها ومسارها بل وكانت رقما مهما في فواصلها السردية و مفتاح الحكاية مفتاح حقيقي توارثته الجد ة وتسلمته من والدتها قبل 40 سنة وكيف عاشت التهجير ورعب الجنود وشجاعة والدتها التي احتفظت بالمفتاح رغم” أن جنود الاحتلال قد حاولوا أخذ المفتاح من أمي أكثر من مرة لكن أمي رحمها الله كانت شجاعة فقاومتهم بشدة“.
ومن المفتاح ندخل حكاية ثالثة هي فلسطين الحاضرة معنا نتذكر معها أهالينا في الأراضي المحتلة وعنف الصهاينة واغتصاب الأرض وتدمير البيوت وقصف الأحياء والأحياء ورجوعا للقصة الأولى شغف الطفولة في تتبع الكبار قصد تقليديهم والأخذ عنهم وفي هذه السن يكون الفضول مصاحبا لشخصيتهم التي تتكون وتراكم معارفها واجتماعياتها وقد تفطن لزيارات الجدة لمكان منعزل تحت شجرة الزيتون فتخرج قطعة قماش مرت عليها الأيام والسنين فغيرت من لونها كما غير الزمن من ملامح الجدة العزيزة وما زاد من غرابته وعمق تساؤلاته وحيرته أنها تقبل مفتاحا قديما وتضمه إلى صدرها وكأنه ابنها مقارنا هذه الحركات بحركات والدته عندما تحتضن ابنتها رشا وعن هذه الحالة قال النص” ومن بعدها تعود من جديد لتدنيه من فمها فتقبله بشوق وعمق أكثر مما سبق ثم بعد ذلك انفجرت جدتي باكية بكاء عميقا“.
مما زاد التين بلة تأثر الطفل بمطالعاته وقصصه وتأثيرها فيه ظهورأين حضرت هنا قصة ” البجعات الثلاث المسحورات” وفواعل الشريرة المسيئة للذات البشرية البريئة وانفتاح مجال خياله على الممكن والمتخيل في اعتبار المفتاح كائنا مسحورا أو أمن يكون الطفل الذي حولته الساحرة إلى مفتاح لكن حضر العقل والواقع ليفندا هذه الأطاريح طارحا أسئلته التعجبية قائلا :”هل يوجد سحر وساحرة في زماننا هذا ربما لا يوجد ولكن مثل ذلك قد يكون في زمان جدتي ” لكن الجزم لم يكن ليحسم المسألة عندما قال “ربما لا يوجد” و مرده تشبعه بعالم السحر والسحرة في القصص التي طالعها والتي سمعها من فم وجعبة جدته التي كانت تحكي لهم العديد من الحكايات مناسباتيا عند اجتماع كل الأحفاد في الأعياد وكانت حكاياتها ممتعة مشوقة كما قال “لقد نسيت أن أذكرأن جدتي ليست كبقية الجدات اللواتي يسردنا حكاياتهمن لأحفادهن متى شاءوا وتحت الطلب بل إن جدتي لا تحكي لنا الحكايات إلا في المناسبات“
ليكتشف في الأخير سر المفتاح مع حكاية الجدة التي آثرت ان تختار وقتا خاصا لتتحدث عن سر المفتاح الذي رافقها 40 سنة معاتبة حفيدتها التي أضاعت مفتاح الحصالة وقبلها فرح بتوبيخ الجدة حفيدته عن المفتاح آملا أن تكون فرصة لمعرفه هذا السر لكن هيهات لم ينل مراده .
ومما اشتغل عليه النص أخلاق الطفل الذي أجل السؤال الذي يلح عليه كثيرا بل أقلقه وانشغل به طويلا خوفا من غضب الجدة نظرا لسلوكه الغير سوي في تتبع جدته ومراقبتها أثناء زياراتها المتكررة للمكان المنعزل عندما قال “فكرت بسؤال جدتي عن أمر المفتاح ولكنني خشيت ان يزعجها ذلك وبالمرة خفت أن تتهمني بمراقبتها والتلصص عليها فتنهرني وتغضب مني“.
ومر المتن السردي بأهمية اللقاءات الحميمية في المناسبات الكبرى كالأعياد للعائلة الموسعة والتي بدأت كظاهرة في الاضمحلال والتلاشي نظرا لظروف العصر القاسية.
ومن ضمن المفاتيح الأخرى التي ساهم هذا النص في تشريك القارئ بأن يتابع مسار القصة كما قال” لقد نسيت أن أذكر لكم” مخاطبا الطفل المتابع والذي بدوره سيجيب بداخله إما بالموافقة أن تكون جدته تحكي مناسباتيا أم في كل زيارة يحل ركبها بالبيت ويكون مطلب الأحفاد حكاية جديدة.
إن النص “مفتاح جدتي” مساهمة كميه وكيفية للحديث عن القضية الفلسطينية وقد أخذ الكاتب جزئية هامة وفاصلة حياتية لكل الفلسطينيين وعلاقتهم بالزيتون و بمفاتيح البيوت الذين حملوها معهم زمن التهجير القسري مارا بفضول الطفل وحكمة السؤال والحيرة التي لازمت السردية الممتعه والجميلة





