متابعة وقراءة: خالد سليمان
طريق الحرير اليوم ـ تونس

ـ يوم 31 يوليو ـ جويلية يعني الكثير للمركز الثقافي الدولي بالحمامات، أحد أهم المراكز الثقافية المتوسطية، ففي مثل هذا اليوم، منذ 62 عاما، دشن الزعيم التونسي الحبيب بورقيبة مسرح الحمامات داخل هذا المركز، في قلب موقعه الخلاب وسط الغابة المتوسطية التي تعانق أطراف الشاطئ الساحر الهادئ.
وفي مثل هذا اليوم أيضا، منذ 60 عاما، انطلق مهرجان الحمامات الدولي، الذي يعد من أهم المهرجانات النوعية التي تستقدم عروضا راقية وفريدة تستقطب جمهورا ذواقا. فعلى خشبة هذا المسرح وقف كبار الفنانين في مختلف المجالات، واستمع الجمهور إلى أنغام ساحر الكمان يهودي منوحين، وصاحب موسيقى “زوربا” العظيم ثيودوراكيس، وغيرهما.
ـ وقبل السهرة، مع إحدى ليالي مهرجان الحمامات الدولي، أشرفت السيدة أمينة الصرارفي، وزيرة الشؤون الثقافية التونسية، على افتتاح معرض ستينية مهرجان الحمامات الدولي، بحضور والية ولاية نابل السيدة هناء شوشاني، وعدد من الفنانين والإعلاميين وضيوف المهرجان، حيث كان المعرض تجسيدا عمليا لشعار المهرجان في هذه الدورة “ذاكرة تعيش”، من خلال استعادة ستة عقود من أرشيف هذا المهرجان النوعي المهم عن طريق رقمنة أرشيفه وعرضه وتقديمه بصورة حداثية تهتم بالمعادلين المرئي والمسموع. ولم يغفل هذا المعرض نشأة التلفزة التونسية منذ ستين عاما أيضا وارتباطها بالمهرجان.
ـ صوت إفريقيا الذهبي:

حرصت السيدة أمينة الصرارفي، وعدد من السفراء الأفارقة، وضيوف المهرجان، على حضور حفل صوت إفريقيا الذهبي، و”عندليب الماندينج”، مؤسس “الأفروبوب” المستوحى من تراث قومية الماندينج في مالي.
وبقدر الشهرة الكبيرة والاحترام العظيم اللذين يكنهما الوسط الغنائي والموسيقي لساليف كيتا، فإنها كانت المرة الأولى التي يلتقي فيها كاتب السطور بهذا الفنان الكبير وجها لوجه، بعيدا عن أي وسائط سمعية وبصرية، وهي الفرصة التي يشكر عليها جزيلا مهرجان الحمامات الدولي الذي أتاحها لعشاق هذا الفنان الرائع.
اعتذر ساليف كيتا للجمهور لأنه سيغني جالسا على كرسي فوق خشبة المسرح، بمصاحبة فرقته البديعة، بعد أن منعه الأطباء من الوقوف أو الرقص على خشبة المسرح كما كان يفعل في السابق.
عند دخول ساليف كيتا، بمساعدة العاملين في مسرح الحمامات وأحد أعضاء فرقته، سألت نفسي: هل سيستطيع الفنان المتقدم في العمر (76 عاما)، الذي يحتاج إلى المساعدة في المشي ببطء، أن يقدم أداء يبعث على البهجة ويثير حماس الجمهور كما كان يفعل من قبل، وكما كنا نراه على الشاشات وفي الوسائط الحديثة؟ وهل ما زال يملك تلك الحنجرة الذهبية التي طالما أججت المشاعر الجميلة في إفريقيا والعالم؟
لكن مع أول آهة خرجت من حنجرة ساليف كيتا، أيقن الجمهور أنه سيشهد حفلا استثنائيا يستحق هذا الحضور المميز من المسؤولين والجمهور.
لمشاهدة مقاطع الفيديو يمكن الضغط هنا
حمل صوت ساليف كيتا كل الشجن الذي يجسد معاناته ورحلة نضاله الفني خلال ثمانية عقود طويلة، عانى فيها من مرض المهق، أو فقدان الصبغة، الذي جعله يختلف في اللون عن المجتمع الأسمر الذي يعيش فيه. ولنا أن نتخيل معاناة طفل ولد أمهق في مجتمع أسمر البشرة منذ ثمانية عقود، ثم معاناته من ضعف البصر الذي منعه من تحقيق حلمه في أن يصبح معلما مرموقا في بلده دجيوليبا في مالي، ومعاناته الأخرى بعد أن تبرأت منه عائلته ذات المكانة النبيلة المرموقة في مجتمع الماندينج، بعد احترافه الفن الذي كان يعد عارا عائليا آنذاك.
لكن الموسيقى التي وهب حياته لها لم تخذله، وعوضته عن كل تلك المعاناة الطويلة. انتقل ساليف كيتا إلى باماكو، عاصمة بلاده مالي، ليبدأ أولى خطواته الكبرى مع فرقة Rail Band، حيث ذاع صيته بسبب جمال صوته وقوته، واستلهامه تراث قومية الماندينج وإعادة صياغته بصورة عصرية.
لمشاهدة مقاطع الفيديو يمكن الضغط هنا
ثم انضم إلى فرقة Les Ambassadeurs لمدة تسع سنوات، انتقل خلالها معها إلى كوت ديفوار، حيث ازدادت شهرته في غرب إفريقيا، وأصدر خلال تلك الفترة ألبوم Mandjou الذي حمل سمات قوميته الماندينج، مخلدا إياها. ومع انتقاله في أواخر الثمانينيات للعيش في فرنسا، أصدر ألبومه الأشهر Soro الذي مزج فيه بين موسيقى الروك والبلوز، ليذيع صيته أكثر، وتنتشر ألبوماته، ويستحق الجوائز العالمية في الموسيقى، مثل جائزة Moffou وجائزة Différence.
ـ لم يتوقف نشاط ساليف كيتا عند الموسيقى والإبداع، بل استغل شهرته ومكانته لنصرة القضايا الإنسانية، والاهتمام بمرضى المهق والدفاع عنهم. كما أسس منظمة للدفاع عن مرضى المهق وحمايتهم من التمييز، وأسس قرية لرعايتهم، وأهدى لهم أعمالا فنية، مثل ألبوم Folon، الذي خصصت عائداته لصالحهم، مما حدا بالاتحاد الإفريقي إلى تعيينه سفيرا للسلام والاستفادة من جهوده في العمل الإنساني، وحل النزاعات، ونشر ثقافة التسامح، ومحاربة كافة أشكال التمييز العنصري.
لمشاهدة مقاطع الفيديو يمكن الضغط هنا
ـ صاحبت ساليف كيتا فرقة مميزة تضم عازفين مهرة للغاية، يتمتعون بخفة ظل وحضور جميل، وحرص كيتا على تقديمهم للجمهور الذي استمتع بموهبتهم في المقاطع الفردية (صولو)، وفعل الشيء نفسه مع مغنيتين واعدتين شاركتا معه في الحفل، فتفاعل الجمهور معهما.
ـ حرص ساليف كيتا على مغادرة خشبة مسرح الحمامات دون مساعدة من أحد، بخطوات بطيئة راقصة بقدر ما سمحت له حالته الصحية، مؤكدا عشقه للفن وحبه للحياة، ليعطي لجميع الحاضرين درسا مفاده أنه طالما بقي في عمر المرء بقية، فلا بد أن يواصل نضاله وكفاحه في الحياة رغم كل الصعوبات، تاركا المسرح للفرقة والمغنيتين من الجيل الجديد القادم، ليساهم، حتى بعد مغادرته خشبة المسرح، برسالة جديدة فحواها أن المستقبل قادم وواعد لا ريب، وأن الحياة ستتواصل، وأن موسيقى وتراث الماندينج سيستمران من خلال أجيال جديدة ستواصل حمل المشعل، وتحافظ على تراثها وتنشره أيضا، وهو ما قامت به المغنيتان والفرقة، حين دعوا الجمهور لمشاركتهم الغناء والرقص فوق خشبة مسرح الحمامات، ليشترك الجميع في صنع لوحة رائعة، رسالتها أن الإنسانية تسع الجميع عبر تلك القيم المطلقة: الحق والخير والجمال.





