غريد الشيخ من تحقيق التراث الأدبي إلى فضاء الأغنية: حين تخرج الباحثة من الكتاب إلى نبض اللحن

ليست الكتابة الأدبية عند غريد الشيخ إقامةً في جنس واحد، بل رحلة متواصلة بين الشعر والسرد والتحقيق والبحث، وها هي اليوم تخوض تجربة جديدة تضع الكلمة في مواجهة اللحن والغناء. فبعد حضورها بوصفها باحثة ومحققة في الأدب العربي وكاتبة تهتم بالشعر والتراث الأدبي، تنتقل إلى مساحة أكثر حميمية وحساسية: كتابة الأغنية، حيث لا تكفي الفكرة الجميلة، بل ينبغي للكلمة أن تمتلك إيقاعها الداخلي، وأن تكون قابلة لأن تُغنّى وتصل مباشرة إلى وجدان المستمع.

غريد الشيخ

وتأتي هذه التجربة امتدادًا طبيعيًا لاهتمام غريد الشيخ باللغة والشعر. فقد عُرفت باشتغالها على الأدب العربي، وبخاصة قراءة النصوص الشعرية وإعادة تقديمها للقارئ بلغة تجمع بين المعرفة والمتعة. وفي مشروعها الأدبي «أيّام معهم»، الصادر عن دار النخبة للتأليف والترجمة والنشر – بيروت، اتخذت من الشعراء وشخصياتهم وتجاربهم مادة لرحلة سردية تجمع بين البحث والتخييل والحوار، وجعلت من شخصية رَغَد قارئةً تعبر من صفحات الدواوين إلى عوالم الشعراء.

وفي تجربتها الجديدة مع الأغنية، يبدو أن غريد الشيخ تعبر في الاتجاه المعاكس: فبعد أن كانت تستقبل الشعر بوصفه مادة للبحث والقراءة والتحقيق، أصبحت تكتب نصًا ينتظر صوته ولحنه ومغنيه. إنها محاولة لاختبار قدرة اللغة التي عاشت في الكتب والدواوين على أن تتحول إلى كلمة مغنّاة تحتفظ بجمالها الأدبي، وفي الوقت نفسه تمتلك بساطة التعبير وقوة العاطفة.

«سراب الوعد»… حين يصبح الشوق لغة

في أغنية «سراب الوعد» تدخل غريد الشيخ إلى عالم العاشق الذي يتأرجح بين الوعد والغياب، وبين محاولة النسيان واستحالة التخلي. يبدأ النص بصورة مكثفة: «سراب الوعد يغريني / وهجرك صار يكويني»، وهي مفارقة تجمع بين إغراء الأمل وألم الهجر.

وتتقدم الأغنية عبر لغة وجدانية واضحة، حيث يعترف القلب بعجزه عن تجاوز المحبوب:

«تعذّب في هواك القلب
وأنت لغيري يا عيني»

ثم تتحول محاولة البحث عن بديل إلى اعتراف ضمني بأن الحب لا يمكن استبداله، فيقول النص:

«أروح أنشد هوى غيرك
لعل البعد يشفيني»

لكن طيف المحبوب يعود في كل مرة، فيصبح الشوق قوة لا يستطيع العاشق مقاومتها. ويصل النص إلى ذروته في اللازمة العاطفية:

«إلك وحدك! وهبت القلب
أنا بالروح تناجيني»

ثم يأتي الرجاء في مقطع يحمل ملمحًا غنائيًا واضحًا:

«حبيبي مدّ لي يدك
وصالك ترى ينجّيني
عسى ترجع ليالينا
وكل العمر تلفيني»

وهنا تظهر إحدى خصائص تجربة غريد الشيخ في كتابة الأغنية: الاعتماد على العبارة السهلة والمباشرة من دون التخلي عن الصورة الشعرية. فالحب والبعد والشوق والوصال مفردات مألوفة في الأغنية العربية، لكن ترتيبها في بناء حواري متكرر يمنح النص قابلية للغناء وللتفاعل الوجداني.

 

«لا تفارقني»… الأغنية بلسان المحبة المباشرة

أما في أغنية «لا تفارقني»، فتتجه غريد الشيخ إلى مساحة أكثر قربًا من التعبير الغنائي الشعبي، وتستخدم لغة عاطفية مباشرة، فيها حرارة الاعتراف ووضوح الرغبة في بقاء الحبيب.

منذ البداية يأتي النداء بلا مواربة:

«ودي أكلك إنت روحي
ومهجتي لجلك حلال»

ثم تتوالى عبارات الحب في إيقاع يعتمد على التكرار، وهو عنصر أساسي في بناء الأغنية، مثل:

«كل نبضة فيني تنطق
واسمك بقلبي لا يزال»

وتتحول عبارة «لا تفارقني حبيبي» إلى لازمة مركزية، تتكرر لتثبيت الحالة العاطفية في ذاكرة المستمع، قبل أن تأتي العبارة الحاسمة:

«دنيتي إنت وحياتي
وأنا من دونك زوال»

وتكشف الأغنية الثانية عن جانب آخر من تجربة غريد الشيخ؛ فهي لا تحاول أن تجعل النص الغنائي نسخة من القصيدة الفصحى أو من الكتابة الأدبية البحثية، وإنما تمنحه لغته الخاصة، لغة أقرب إلى الحديث العاطفي اليومي، بما فيها من تعبيرات مثل «ودي» و**«شلون أحبك»** و**«دز لي منك رسالة»**.

وهذه اللهجة ليست مجرد اختيار لغوي، بل جزء من محاولة جعل الأغنية أقرب إلى اللسان الذي يمكن أن يتحدث به العاشق إلى محبوبه. وهنا تتحول الباحثة في الأدب إلى كاتبة تستمع إلى نبض اللغة المحكية، وتمنحها مكانًا داخل نص غنائي حديث.

من المحقق الأدبي إلى كاتب الأغنية

تجربة غريد الشيخ مع الأغنية لا تعني مغادرة عالمها الأدبي، بل يمكن النظر إليها بوصفها توسيعًا لأفق التجربة. فالباحث والمحقق يتعامل مع النص بوصفه أثرًا يحتاج إلى قراءة وفهم وتحليل، أما كاتب الأغنية فيتعامل مع الكلمة بوصفها كائنًا حيًا ينتظر أن يتحرك في اللحن والصوت.

وبين المجالين تبقى اللغة هي الخيط المشترك.

لقد اشتغلت غريد الشيخ على الشعراء والنصوص والذاكرة الأدبية، واهتمت بتقريب الشعر من القارئ، كما ظهر بوضوح في مشروعها «أيّام معهم». واليوم، في «سراب الوعد» و**«لا تفارقني»**، يبدو أنها تريد أن تذهب بالكلمة خطوة أخرى: من الصفحة إلى الأذن، ومن القراءة إلى الإنشاد، ومن الديوان إلى الأغنية.

إنها تجربة تستحق المتابعة، لأنها تكشف جانبًا جديدًا من شخصية غريد الشيخ الإبداعية: الباحثة التي لا تكتفي بالوقوف عند النصوص، والمحققة التي تسمح للكلمة بأن تعيش حياة جديدة، والكاتبة التي تبحث عن مساحة أخرى بين الشعر والغناء.

وفي النهاية، ربما تكون الأغنية بالنسبة إلى غريد الشيخ امتدادًا آخر لسؤالها القديم: كيف يمكن للكلمة أن تصل إلى الإنسان؟ فإذا كانت الكتب تمنح الكلمة زمنًا طويلًا من الحياة، فإن الأغنية تمنحها صوتًا، وإيقاعًا، وذاكرةً جديدة في وجدان الناس.

  • Related Posts

    منظمة كتاب العالم: ميدالية تذكارية بمناسبة الذكرى  120 لميلاد الكاتب المنغولي الكبير  ناتساغدورج

    ما أعظم السر المقدس الكامن في الكلمة! فالكلمة المكتوبة تملك سلطانًا على الزمان والمكان، وهي تزيل الحواجز الوهمية بين الشعوب والعصور، لتقدم لنا الحياة الحقيقية للروح الإنسانية. إن العمل الفني…

    Sharq Yulduzi : Uzbekistan’s Literary Star Continues to Illuminate Contemporary Letters

    TASHKENT, Uzbekistan — One of Uzbekistan’s most enduring literary institutions, Sharq Yulduzi (The Star of the East), returns with its 2026 No. 1 issue, reaffirming the magazine’s long-standing role as…

    اترك تعليقاً

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *