منظمة كتاب العالم: ميدالية تذكارية بمناسبة الذكرى  120 لميلاد الكاتب المنغولي الكبير  ناتساغدورج

ما أعظم السر المقدس الكامن في الكلمة! فالكلمة المكتوبة تملك سلطانًا على الزمان والمكان، وهي تزيل الحواجز الوهمية بين الشعوب والعصور، لتقدم لنا الحياة الحقيقية للروح الإنسانية. إن العمل الفني الأصيل لا يخضع للفناء؛ فهو ينبت عبر طبقات القرون، ليصبح عصبًا حيًا للهوية الوطنية، وفي الوقت نفسه ينساب إلى المحيط العظيم للوعي الإنساني المشترك. أليس هذا هو الإرث الخالد لذلك الابن العظيم لأرض منغوليا، ومؤسس الأدب المنغولي الحديث، داش دورج ناتساغدورج، الذي لا تزال كلمته النبوية حتى اليوم بوصلة للبحث الجمالي والأخلاقي في الأدب؟

حدث أدبي وثقافي دولي في منغوليا

من 16 إلى 20 أغسطس 2026، ستشهد منغوليا حدثًا بارزًا يتمثل في إقامة فعالية أدبية وثقافية دولية واسعة بعنوان «الأرض الأم»، احتفاءً بالذكرى الـ120 لميلاد هذا الأديب الكلاسيكي.

ولا يُنظر إلى هذا المنتدى باعتباره مناسبة أكاديمية احتفالية فحسب، بل بوصفه فضاءً حيًا وتفاعليًا للتأمل العميق في الإسهام الروحي الهائل للكاتب، ومنصة للحوار الرفيع والاحتفاء بالقيم الإنسانية على الساحة العالمية.

الدعم المؤسسي والحضور الدولي

تنظم هذا الحدث الكبير الجمعية المتحدة لشعوب العالم المنغولية «التراث الثقافي البدوي»، بدعم من وزارة الثقافة في منغوليا.

وبفضل هذا الجهد، تتحول المناظر الطبيعية المقدسة في منغوليا من جديد إلى نقطة التقاء تتركز فيها الطاقة الفكرية العالمية. وسيجتمع على هذه الأرض 45 أديبًا وشاعرًا ومترجمًا وحارسًا للذاكرة الثقافية من تسع دول، من بينها روسيا والولايات المتحدة والصين ومصر وسورية واليابان.

وهذا، في حد ذاته، دليل بليغ على أن أبعاد نصوص ناتساغدورج قد تجاوزت منذ زمن طويل حدودها المحلية، لتتردد أصداؤها في الأسئلة الكونية للوجود الإنساني.

ويصل الكتاب والمبدعون الأجانب إلى منغوليا لا بوصفهم مراقبين من الخارج، بل باعتبارهم شركاء أصيلين في فضاء نصي واحد، يجمعهم شغف البحث عن جذور الشعرية الشرق-أوراسية، وأسرار التفاعل بين الثقافة البدوية والمسار الأدبي العالمي.

ناتساغدورج: بين التقاليد والتجديد

دخل داش دورج ناتساغدورج، الذي ظل صوته حاضرًا عبر العقود، التاريخ بوصفه شخصية موسوعية حقيقية، وعملاقًا أدبيًا حدد المسار الرئيسي لتطور الأدب المنغولي في القرن العشرين.

وُلد عام 1906 في أسرة فقيرة من طبقة النبلاء المحلية، فاستوعب البنى القديمة والأصيلة للحضارة البدوية، وفي الوقت نفسه خاض تجربة البناء القاسي لدولة منغوليا الحديثة.

وفي إبداعه الملهم امتزجت بصورة عضوية الموتيفات الفولكلورية التقليدية، والامتداد الملحمي للسهوب، والمدرسة الرفيعة للواقعية والرومانسية الأوروبية.

ومن أعماله الخالدة التي شكلت أحد أركان الأدب المنغولي الحديث قصيدته الغنائية «موطني»، ومسرحيته التجديدية «التلال الثلاثة الحزينة»، التي أرست أساس أول أوبرا وطنية، إلى جانب قصصه العميقة المليئة بالألم الإنساني والحقيقة، ومنها «الابن العجوز»، و**«الشهر الأبيض والدموع السوداء»، و«الكتلة الصخرية المظلمة»**.

ولم يكن ناتساغدورج فنانًا أصيلًا للكلمة فحسب، بل كان أيضًا مثقفًا ومستنيرًا فتح أمام القارئ المنغولي كنوز الأدب الروسي وأدب أوروبا الغربية، من الأعمال الخالدة لـألكسندر بوشكين إلى قصص إدغار آلان بو المؤثرة.

وتضع حياته الشخصية المأساوية وحسه الفني الرفيع اسمه في صف كبار مجددي الأدب في القارة الأوراسية.

جغرافيا الذاكرة: مسار الرحلة الأدبية

أما برنامج المنتدى، فقد صُمم بدلالة عميقة، إذ يقود المشاركين عبر مجموعة من النقاط الجغرافية والثقافية الأساسية، تكشف كل واحدة منها العلاقة العميقة بين المكان وولادة النص الأدبي.

1. أولان باتور:
العاصمة الحديثة لمنغوليا، حيث تمتزج حيوية المدينة المعاصرة بالحفاظ على الجذور التاريخية. وستقام فيها الاجتماعات الرئيسية والاستقبالات الرسمية واللقاءات التنسيقية للوفود.

2. سومون بايانديلغير – آيماج الوسط:
ويضم المنطقة التاريخية غون غالوتاي، حيث وُلد الكاتب في نوفمبر 1906. وتمثل المنطقة مجمعًا طبيعيًا فريدًا تتداخل فيه الأنهار مع السهول الواسعة، وهي البيئة التي أسهم اتساعها في تشكيل إحساس الشاعر بالفضاء واللانهاية.

3. منطقة باغانور:
مركز صناعي وثقافي يقع إلى الشرق من العاصمة، ويمثل استمرارية معقدة بين العصور، جامعًا بين الديناميكية الصناعية والمناظر الطبيعية الأصيلة لمنطقة السهوب.

4. سومونا تسينخيرماندال وديلغيرخان – آيماج خينتي:
موطن الأجداد والمشهد المقدس لجبال خينتي، المنطقة التي تُعد تاريخيًا مهد الدولة المنغولية وموطن جنكيز خان، ومنطقة التقاء الغابات التايغا بالسهوب الجافة.

برنامج المنتدى: أنطولوجيات وكتب وحوار أدبي

يشمل المنتدى مجموعة واسعة من الفعاليات الأدبية والثقافية والأكاديمية، من بينها:

  • جلسة تقديم الكتب: تتضمن تقديم أنطولوجيا شعرية متعددة اللغات بعنوان «الأرض الأم»، تجمع أصوات شعراء من مختلف أنحاء العالم، إلى جانب أربعة كتب جديدة لكتاب دوليين معروفين.
  • البرنامج التذكاري: زيارة المواقع التاريخية المرتبطة بحياة ناتساغدورج وإبداعه، وإقامة مراسم وضع الزهور عند النصب التذكارية الخاصة به.
  • الرحلات الإثنوغرافية: جولات ثقافية للتعرف عن قرب إلى تاريخ منغوليا العريق وتراثها المادي ونمط الحياة البدوي التقليدي.
  • الحوار المهني والأكاديمي: لقاءات ومباحثات دولية تركز على تطوير التعاون طويل الأمد في مجالات الترجمة الأدبية والدراسات الأدبية والعلاقات بين المكتبات.
  • البرنامج المهرجاني: ويبلغ الجانب الإبداعي ذروته بإقامة مهرجان «الأرض الأم» الدولي للشعر، حيث تُلقى القصائد بلغات شعوب العالم، ضمن رؤية مشتركة.

تقليد تكريم ناتساغدورج

تحافظ منغوليا على ذكرى داش دورج ناتساغدورج من خلال الجوائز الأدبية والنصب التذكارية والمعارض الثقافية.

وتُعد جائزة د. ناتساغدورج الأدبية أرفع جائزة أدبية في البلاد، وقد تأسست عام 1966 في جمهورية منغوليا الشعبية، وتُمنح للكتاب والشعراء والباحثين والمترجمين والنقاد تقديرًا لإسهاماتهم البارزة في تطوير الأدب الوطني.

وتُمنح الجائزة تقليديًا مرة كل عامين، وقد وصلت إلى باحثين ومترجمين أجانب، ومن بين المكرمين في عام 2025 الشاعر د. غان-أوتشير، والكاتبة تش. نارانستيتسيغ، والباحث الأدبي الياباني كازويوكي أوكادا، تقديرًا لدراساته العميقة لإرث ناتساغدورج وترجمته أعماله إلى اليابانية.

كما تشكل النصب التذكارية والمتاحف جزءًا من المشهد الثقافي المرتبط بذكراه. ومن أشهرها النصب التذكاري لناتساغدورج في أولان باتور، الذي صممه النحات ل. ماخفال وأقيم عام 1963، ثم نُقل عام 2013 إلى الحديقة الواقعة أمام فندق «أولان باتور».

ويظهر الكاتب في التمثال ممسكًا بالقلم أثناء عملية الإبداع، بينما نُقشت على قاعدة النصب أبيات من قصيدته الخالدة «موطني» بالخط المنغولي التقليدي. كما أقيم عام 1981 نصب تذكاري في موطنه التاريخي، وتوجد في العاصمة متحف تذكاري متخصص.

وفي عام 2026، وبمناسبة الذكرى الـ120، أقيم معرض واسع بعنوان «داش دورج ناتساغدورج – 120» في مسرح «مونغول تورغاتان» في سومون زونمود بآيماج توف، وضم 52 قطعة نادرة، بينها 12 كتابًا نادرًا، و10 أعمال فنية، وتمثال، وقطعتان من التراث المادي، و22 صورة تاريخية، و5 مواد فيديو وثائقية أرشيفية.

دبلوماسية الكلمة ورسالة WOW

إن مشاركة المنظمة العالمية للكتاب (WOW)، بدعم من جمعية شعوب العالم، في الإعداد للمنتدى وتنظيمه، تمنحه مكانة مهمة على المستويين الرسمي والمجتمعي.

ويتضمن البرنامج سلسلة من اللقاءات الرسمية لوفد WOW مع ممثلي وزارة الثقافة المنغولية، وسفارتي روسيا ومصر في منغوليا، إلى جانب قيادة المكتبة الوطنية المنغولية.

كما ستشهد قاعات المكتبة الوطنية فعالية لتقديم مجموعات من الكتب هديةً من مؤلفين ينتمون إلى شبكة المنظمة العالمية للكتاب.

مزامنة المعاني

كان من أبرز أحداث عام 2026 تأسيس ميدالية اليوبيل الخاصة بمناسبة الذكرى الـ120 لميلاد مؤسس الأدب المنغولي الحديث، الكاتب الكبير داشدورجين ناتساغدورج. وستُمنح هذه الجائزة التذكارية، التي أسستها المنظمة العالمية للكتاب (WOW) بدعم من جمعية شعوب العالم، للأدباء والباحثين والشخصيات العامة الذين أسهموا إسهامًا بارزًا في تطوير الحركة الأدبية بين الشعوب وفي التعريف بإرث هذا الأديب الكلاسيكي على المستوى الدولي.

يمثل المنتدى الدولي «الأرض الأم» محفزًا قويًا للعمليات الروحية والثقافية التي يتحول من خلالها النص المحلي إلى إرث للثقافة الإنسانية العالمية. ومن خلال استلهام تجربة داشدورجين ناتساغدورج، تعمل المنظمة العالمية للكتاب (WOW) ومجتمع الكتاب المعاصر على بناء منظومة إنسانية راسخة تحافظ فيها الكلمة الشعرية على قوتها في إحداث التغيير، متجاوزة جميع الحواجز السياسية والجغرافية.

وسيكون هذا الحدث الدولي خطوة بالغة الأهمية في التعريف بالإرث الإبداعي لـ د. ناتساغدورج على الساحة العالمية، وكذلك في الترويج للأدب المنغولي الغني خارج حدود البلاد.

ندعوكم إلى أن تكونوا شركاء في هذا المنتدى أو تشاركوا فيه، وهو المنتدى الذي يجمع ممثلي الشعوب المنغولية من مختلف أنحاء العالم من خلال الأرض الأم والأدب.

إلى اللقاء على أرض منغوليا المقدسة!

بقلم: مارجريتا آل، رئيسة المنظمة العالمية للكتاب (WOW)

Related Posts

حين تصبح كتب بيكاسو أغلى من الذهب

عبد الرازق عكاشة من مزاد «دروو» في باريس: بيكاسو الذي رحل عام 1973 وما زال العالم ينتظر جديده بقلم: عبد الرازق عكاشة طاب صباحكم من مطار القاهرة. أعود إلى بيكاسو…

غريد الشيخ من تحقيق التراث الأدبي إلى فضاء الأغنية: حين تخرج الباحثة من الكتاب إلى نبض اللحن

ليست الكتابة الأدبية عند غريد الشيخ إقامةً في جنس واحد، بل رحلة متواصلة بين الشعر والسرد والتحقيق والبحث، وها هي اليوم تخوض تجربة جديدة تضع الكلمة في مواجهة اللحن والغناء.…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *