في إحدى ليالي لاس فيجاس.. المدينة التي بُنيت أساساً على المقامرة بالحظ، كان هناك من يقامر بشيء آخر تماماً.. بالمعرفة!
بائع كتب مستعملة قديمة، رجل بسيط يقضي يومه بين غبار الصفحات وريشة التجليد القديمة، لاحظ شيئاً غريباً.. هناك حسابات مجهولة على الإنترنت تشتري آلاف الكتب دفعة واحدة.. لا تختار عنواناً بعينه، ولا تهتم باسم المؤلف، تشتريها كأنها جائع يلتهم كل ما يقع تحت يده من مجلدات وكتب نادرة!
فكر طويلا، لماذا يشتري شخص ما آلاف الكتب عن التاريخ وآلاف أخرى عن الفيزياء وعن الشعر.. في أسبوع واحد؟
تفكير البائع جلب التساؤلات والدهشة.. وجعله يتحرك بالتعاون مع صحفيين فضوليين، زرع جهاز تتبع صغير جدًا داخل تجويف مفرغ في كعب أحد الكتب.. وشحنه مع باقي الطلبية.. وظل يراقب النقطة النابضة على الشاشة.. وكان يتمنى أن تذهب إلى مكتبة شاغرة.. أو رفوف قارئ شغوف.
لكن النقطة النابضة توقفت في صحراء نيفادا.. أمام مستودع مغلق، صامت، يحمل رمزاً كوديًا: “VGT3”.. تابع لشركة أمازون العملاقة!
التحقيقات بعد ذلك كشفت أنهم يغذون الذكاء الاصطناعي.. بالكتب التي عاشت على مهل.. يأتون بالقديم منها، يُقص كعبها، يُنزع غلافها بلا رحمة، وتتحول الصفحات إلى أوراق منفصلة لا رابط بينها.. ثم تُمرر بسرعة فائقة تحت الماسحات الضوئية تحول الحبر إلى خوارزميات.
وبمجرد أن تنتهي الآلة من «شفط» الكلمات، تُرمى الأوراق في مفرمة ميكانيكية عملاقة تُحول الجسد الورقي إلى هباء منثور.. لإعادة تدويره!
لماذا يفعلون ذلك؟!.. ما المعنى؟!
الجواب بسيط لكنه مؤلم: التكنولوجيا استنفدت كل البيانات الرقمية المتاحة على الإنترنت، وأصابها الجفاف، أو أصابها الجوع.. اختر ما شئت من الصفات.. الذكاء الاصطناعي اتجه ناحية الكتب المطبوعة النظيفة الخالية من الأخطاء.. اتجه إلى الورق القديم والكتب العتيقة والتراثية.. لأن “الكلام والحروف” على الإنترنت ليس كافيا.
وحش جائع للمعرفة وجائع للتدريب وجائع لهضم كل شيء.
هذه القصة كأن التاريخ يعيد نفسه.. ففي القرن التاسع عشر ببريطانيا، حين ظهر المكبس البخاري وآلات الطباعة السريعة، كانت دور النشر تشتري المخطوطات القديمة المكتوبة بخط اليد، وتقطع كعوبها وتفكك أوراقها لتدخلها في آلات الكتابة الميكانيكية (التايبينج).. كانوا يدمرون النسخة الأصلية ليستخرجوا منها النص!
عندنا في الإسكندرية، كانوا أكثر رحمة وأقل إهمالًا.. يحكى أن بطليموس الثالث أمر أن تُفتَّش السفن الداخلة إلى ميناء الإسكندرية.. كل كتاب يُعثر عليه يُؤخذ إلى مكتبة الإسكندرية.. ينسخه النسّاخ.. ثم يُردّ إلى صاحبه إلى سفينته.. النسخة الجديدة فقط، أما الأصل فيبقى في المكتبة.
كان هذا قانونًا عامًا في الإسكندرية في وقتها.. ونأتي للإهمال فيقال إنه أثناء عملية النسخ، كان الكسل يحيط ببعض الموظفين فلا يرجعون الكتب المنسوخة إلى البحارة ولا إلى المراكب وتبقى النسخ الأصلية في المكتبة.. دون عودة لصاحب الكتب الفعلي.
المأساة كما نرى ويعودنا التاريخ ليست في التكنولوجيا.. بل في السلوك الإنساني الذي لم يتغير منذ أن رسم الإنسان على جدران الكهوف.. الإنسان يتصرف دائماً وكأنه يملك الحق في تدمير الأداة بمجرد أن يستوعب الفكرة.
تمامًا مثلما نقتل الزهرة لنعصر عطرها، ونقطع الشجرة لنصنع منها طاولات نتحدث عليها عن حماية البيئة.. ونصنع منها ورقًا لنؤكد على حماية البيئة والشجر.
الآن التكنولوجيا تحرق نفس الورق الذي علمها كيف تفكر وتستخرج البيانات؟!
نصل إلى عصر نُبيد فيه الكتاب المطبوع لينشأ بدلاً منه عقلاً اصطناعياً يتحدث عنا وعن أدبنا؟
وللجميع الحق في الخوف.. الخوف على المستقبل كما حدث في الماضي.. فالإحصائيات تذكر أن ما وصلنا من المخطوطات القديمة يتراوح بين 5% إلى 10% من إجمالي ما كتبه البشر على مر التاريخ؛ إذ قضت الحروب، والحرائق (مثل حريق مكتبة الإسكندرية).
والخوف يتصاعد فعندما جمعت مكتبة الإسكندرية كل الكتب في العالم واحترقت.. يخشى الجميع أن تحترق آلاف مخازن البيانات في العالم بعد فرم وتقطيع ملايين الكتب.. وإذا اختفت تلك البيانات لم يعد لدينا لا المخزون الرقمي ولا المخزون الورقي.
فالكتاب هو الوعاء الوحيد الذي حفظ إنسانيتنا من الفناء وحفظ تطورنا.. فإذا فرمنا الوعاء كي نتغذى على المحتوى، فما الذي يضمن لنا ألا نصبح نحن أنفسنا، في الغد القريب.. مجرد بيانات جديدة تنتظر دورها في المفرمة؟







