بقلم وعدسة الدكتور أشرف أبو اليزيد
أوحى إليَّ زمن الرحلة أنني لا أعبر المسافات بقدر ما أعبر طبقات التاريخ. فمن القاهرة إلى أولان باتور، عاصمة منغوليا، مرورًا بدبي وبكين، لم تكن الرحلة -المستغرقة نحو اليومين – مجرد انتقال من مدينة إلى أخرى، ولا من قارة إلى سواها، بل كانت رحلة في الزمن نفسه؛ رحلة يتجاور فيها البعيد والقريب، وتتعانق فيها الحقائق والأساطير، وتلتقي المدن الحديثة بذاكرة الرحّل التي ما زالت تنبض تحت سماء السهوب.
كلما ابتعدت الطائرة عن القاهرة، شعرت أنني أترك خلفي زمنًا لأدخل زمنًا آخر. في دبي بدت لي الصحراء وقد ارتدت ثوبًا من الزجاج والحديد، وفي بكين كانت آلاف السنين من الحضارة تمضي جنبًا إلى جنب مع قطارات المستقبل وناطحات السحاب. ثم، حين اقتربت من أولان باتور، بدا التاريخ وكأنه يخفف من سرعته، ليمنحني فرصة الإصغاء إلى وقع أقدام الخيل والليل والبيداء، وإلى حكايات القبائل التي حفظتها الرياح قبل أن تنسخها الكتب.
هناك، في منغوليا، لا يبدو الماضي منسيا؛ فهو حاضرٌ في الخيمة، وفي الزي التقليدي، وفي ركض الخيل، وفي طريقة إعداد الطعام، وفي علاقة الإنسان بالأرض والسماء والحيوان. وفي اللحظة نفسها، يكفي أن يغادر المنغولي خيمته أو يرتدي زيه العصري حتى يعود إلى عالمه الحديث، إلى وظيفته وهاتفه وسيارته ومواعيده؛ وكأن شخصيتين زمنيتين تعيشان في إنسان واحد، دون أن تتصارعا، بل تتكاملان.
***
كانت الرحلة أيضًا عبورًا بين موائد الأزمنة؛ أطباق عصرية تصل إلى المائدة بجوار أطعمة تحمل ذاكرة ألف عام، وبين حياة تقوم على الخيول والأبقار والماشية والجمال ذات السنامين، وحياة أخرى تقترب بخطى سريعة من المدن الحديثة. وفي السهوب الممتدة بلا نهاية، كان الحيوان ليس مجرد جزء من المشهد، بل شريكًا في تاريخ الإنسان وذاكرته ووجوده.
حتى السماء بدت وكأنها تشارك في الرحلة. شمس ساطعة تفتح للعين فضاءً من الذهب، ثم تفاجئها الرعود وتهطل الأمطار كأن الطبيعة تستعيد فجأة صوتها القديم. لا شيء ثابتًا تمامًا؛ فالطقس يتبدل كما تتبدل صور التاريخ، والسماء الواسعة تظل هي الصفحة الكبرى التي كتب عليها المنغوليون قصصهم الأولى.
والغريب أن الأمر يشبه قيادة السيارات هناك؛ فبعضها مقوده على اليمين، وبعضها الآخر مقوده على اليسار، وكأنها رسالة: لا يهمنا اتجاهك، تهمنا إنسانيتك، واتباعك لقوانين المرور!
وهكذا، لم أصل إلى منغوليا بوصفها مكانًا جديدًا أزوره، بل شعرت أنني أصل إلى زمن قديم ما زال حيًا. كنت أسافر نحو أولان باتور، لكنني في الحقيقة كنت أعود إلى الوراء: إلى الإنسان الأول، إلى الرحلة، إلى الخيمة، إلى النار، إلى الحصان، إلى الأسطورة، وإلى تلك اللحظة البعيدة التي بدأ فيها الإنسان يكتشف أن الطريق ليس المسافة بين مكانين، وإنما حوارٌ مستمر بين الماضي والحاضر والمستقبل.
رحلة قلم: الذكرى 120 لميلاد الشاعر داشدورجين ناتساجدورج
هنا تشرق الشمس قبل مصر بخمس ساعات. سماء أولان باتور صافية، والريح رقيقة وادعة. العاصمة التي أنشأها الرحّل تحولت إلى خشبة مسرح لأداء ملحمة كبرى. ومن 16 إلى 20 أغسطس 2026، أصبحت ربوع منغوليا مسرحًا لرحلة أدبية وثقافية استثنائية، احتفاءً بالذكرى العشرين بعد المائة لميلاد داشدورجين ناتساجدورج، أحد أبرز مؤسسي الأدب المنغولي الحديث.
حملت الاحتفالية الدولية عنوانًا دالًا هو “إخ نوتاج” (Ekh Nutag) ومعناه “الوطن”، واتخذت مسارًا رمزيًا انطلق من أولان باتور، عاصمة البلاد، ليمتد عبر السهوب والمناظر الطبيعية والمعالم التاريخية، في رحلة تستحضر ذاكرة الشاعر والوطن.
ولم تكن الرحلة مجرد سلسلة من المحطات الاحتفالية، بل جاءت أشبه برحلة عبر جغرافيا الهوية المنغولية؛ إذ ربطت العاصمة بالسهوب، وبالمعالم التاريخية والأنهار والأماكن التي رسخت في الذاكرة الثقافية للشعب، لتجعل من المكان ذاته جزءًا من الاحتفاء بالأدب.
انطلقت الاحتفالية من أولان باتور، المركز الثقافي والفكري لمنغوليا. ومن العاصمة بدأ المشاركون رحلتهم المكرسة لناتساجدورج، وللمعنى المتجدد للوطن في الأدب المنغولي. وشكلت العاصمة نقطة الانطلاق للقاء دولي جمع كتابًا وشعراء ومثقفين وضيوفًا من بلدان مختلفة، اجتمعوا للاحتفاء بتراث أدبي منغولي استطاع أن يتجاوز الحدود، وأن يواصل حضوره في الذاكرة الثقافية والإنسانية. أهديتُ الجميع نص قصيدة الشاعر المحتفى به، “منغوليا، وطني الأم”، باللغتين الانجليزية والعربية، لتولد القصيدة بلغة الضاد للمرة الأولى.
قسم كبير من الاحتفالية شمل تكريما بثلاث ميداليات؛ ميدالية الاتحاد العالمي للثقافة وتراث الرُّحَّل المنغولي، وميدالية اليوبيل 120 للشاعر ناتساجدورج من منظمة كُتّاب العالم، وميدالية التكريم الرسمي من وزارة الثقافة والرياضة والسياحة والشباب في جمهورية منغوليا، تقديرًا لإسهاماتي في خدمة الثقافة والفنون وتعزيز جسور التواصل الثقافي. وقد مُنحتُ وسام “العامل المتميز” وشهادة تقدير، باعتبار أن إسهامي في تطوير مجالات الثقافة والفنون قد حظي بالتقدير من جانب الحكومة المنغولية.
ويأتي هذا التكريم الذي سلمته لي رئيسة الاتحاد العالمي للثقافة وتراث الرحل المنغولي الشاعرة وصاحبة الدعوة السيدة بوريفجاف جيريلت-أود Gerelt-Od Purevjav ، اعترافًا بأهمية العمل الثقافي والترجمة والأدب في بناء جسور الصداقة بين الشعوب، وبخاصة بين مصر ومنغوليا، كما يمثل بالنسبة لي مسؤولية جديدة لمواصلة العمل من أجل الحوار الثقافي والتقارب بين الحضارات. وأعتز بهذا التكريم المنغولي بوصفه تقديرًا لمسيرة من العمل الأدبي والثقافي، ورسالة صداقة من أرض السهوب إلى أرض النيل.
في دونجين بولدوغ: الدخول إلى الذاكرة التاريخية
كانت المحطة التالية دونجين بولدوغ، وهي منطقة ترتبط بالمشهد التاريخي والذاكرة الوطنية لمنغوليا. وهنا التقى الأدب بالتاريخ في قلب الطبيعة المنغولية المفتوحة. وهكذا أصبح الطريق نفسه جزءًا من الاحتفال؛ فمغادرة البيئة الحضرية والتوجه نحو السهوب الواسعة أضفى على الرحلة أجواءً خاصة، يمكن فيها اختبار مفهوم “إخ نوتاغ” — الوطن، ليس باعتباره فكرة أدبية فحسب، وإنما باعتباره أرضًا حية وذاكرة ممتدة.
سوم باياندلغير: الوطن في رحاب السهوب
واصلت الرحلة طريقها إلى سوم باياندلغير، حيث واجه المشاركون الامتداد الرحب للسهوب المنغولية. وقد وفرت بساطة المشهد وعظمته الطبيعية فضاءً مثاليًا للتأمل في إسهام ناتساغدورج في الشعر والوعي الثقافي المنغولي.
فالأفق المفتوح، وصمت الريف، واستمرار الصلة بين الأجيال، كلها منحت الاحتفال معنى خاصًا. هنا لم يعد الوطن مجرد كلمة في قصيدة، بل أصبح مشهدًا حيًا تتداخل فيه الذاكرة بالإنسان والتاريخ.
منطقة باجانور: بين التراث والحداثة
ثم وصلت الرحلة إلى منطقة باجانور، وهي محطة أخرى مهمة في هذا المسار الثقافي. وقد أظهر الانتقال من العاصمة نحو المناطق الشرقية منغوليا اتساع الرؤية التي قامت عليها الاحتفالية، ورغبتها في إخراج الأدب من قاعات المؤتمرات التقليدية، وربطه بالناس والمكان. كما عكست الرحلة إحدى السمات الأساسية لإرث ناتساجدورج: قدرة الأدب على وصل الإنسان بالمجتمع والتاريخ والعالم الأوسع.
في محافظة خينتي — سوم تسنخرماندال: الاقتراب من القلب التاريخي
من باجانور واصلت الرحلة طريقها نحو محافظة خينتي، وصولًا إلى سوم تسنخرماندال. وتحمل هذه المنطقة إحساسًا عميقًا بجذور منغوليا التاريخية والثقافية.
ومع التوغل أكثر في الريف، اكتسبت الاحتفالية طابعًا يشبه رحلة الحج الأدبي؛ إذ انتقل الشعر إلى فضاءات الأرض التي أسهمت في تشكيل الوعي المنغولي عبر القرون. وهكذا أصبحت الرحلة حوارًا بين الكلمة المكتوبة والأرض، وبين الأدب والمناظر التي احتضنت الذاكرة الوطنية.
جزيرة خِرلين: رحلة إلى روح منغوليا
كانت المحطة الأخيرة خِرلين خُدُو أَرال (Kherleniin Khodoo Aral)، وسط مشاهد طبيعية آسرة من منغوليا. وقد شكّل النهر والمراعي الممتدة والجبال البعيدة خاتمة بصرية ورمزية قوية لاحتفال يتمحور حول مفهوم الوطن.
وفي هذه المحطة، بلغ مفهوم «إخ نوتاغ» أعمق دلالاته الرمزية؛ فالوطن هو الجغرافيا والذاكرة في آن واحد، والانتماء والتاريخ، والأرض واللغة. وقد أظهرت الرحلة كيف يمكن لإرث شاعر أن يظل حيًا حين يرتبط بالأماكن والناس والتقاليد التي ألهمته.
خور سنجور… احتفاء الطبيعة بميلاد تيموجين
في رحلتي إلى منغوليا، قادتنا الخطى إلى مكان يحمل في ذاكرته أكثر من جغرافيا؛ مكان يرتبط بحكاية الصبي تيموجين، الذي سيغدو لاحقًا واحدًا من أشهر الشخصيات في التاريخ، جنكيز خان. هنا، في فضاء السهوب والجبال والمياه، لا يبدو التاريخ كتابًا مغلقًا، بل أثرًا حيًا يمكن للزائر أن يلمسه في الأرض، ويتأمله في مجرى النهر، ويستعيده في الشعر.
كان مقصد الزيارة خور سنجور (Sengür Stream)، المرتبط بذكرى ميلاد تيموجين، وفي هذا الموضع تحتفي الذاكرة المنغولية بالماء بوصفه شاهدًا على البدايات. فالأنهار والجداول في ثقافة السهوب ليست مجرد عناصر طبيعية؛ إنها خطوط حياة، وممرات للذاكرة، وعلامات على الطريق الذي عبرته الأجيال.
وضع الشاعر والموسسيقي قصيدته على نصب حجري أزيحت من فوقه الستارة، وبدأ الغناء، والعزف، وأمسكت بالراية المنغولية ترفرف بالرح التي تحتفي معنا بتوقف المطر، قبل أن يعود حين انتهينا!
توقفت أمام القصيدة التي كُتبت احتفاءً بهذا المكان، خور سنجور، وتستحضر النهر بوصفه مرآة للطبيعة وذاكرةً للتاريخ. وتبدو في أبياتها صورة الماء المتفرع كشبكة من آلاف العروق، وهو ينساب بين الجبال، بينما تعكس مياه نهر خِيرلِن ضوء القمر، فيمنح المشهد قداسة شعرية خاصة. وفي القصيدة يصبح سنجور أكثر من جدول ماء؛ إنه وترٌ يعزف عليه نهر خِيرلِن، فتتدفق منه موسيقى الشعر. وهو أيضًا ماء الأرض التي رحل عنها الأسلاف ثم بقيت ذكراهم فيها، وماء الينابيع المقدسة التي تتهادى في أرض منغوليا الزرقاء.
وتبلغ القصيدة ذروة رمزيتها حين تجعل من الجدول شاهدًا على صفحات التاريخ؛ فماؤه الجاري يحمل، مجازًا، “سطورًا من الذهب” في سجل منغوليا المستقلة، ويصبح ينبوعًا للشعب، يتدفق من الماضي إلى الحاضر، كما لو أن التاريخ نفسه قد اتخذ هيئة ماء لا يتوقف عن الجريان.
ولعل أجمل ما في هذا المكان أن ميلاد تيموجين لا يُستعاد هنا بوصفه لحظة ميلاد قائد عسكري فحسب، بل بوصفه بداية أسطورة تشكلت بين الطبيعة والإنسان. فقبل أن يصبح تيموجين جنكيز خان، كان صبيًا من أبناء السهوب؛ عاش في فضاء مفتوح، تحيط به الأنهار والجبال والخيول والقبائل، وتتشكل شخصيته في عالم كانت الطبيعة فيه شريكًا يوميًا في صناعة المصير.
وقفت أمام هذا المشهد وأنا أفكر في العلاقة العميقة بين المكان والأسطورة. فالأماكن التي تصنعها الذاكرة لا تبقى جغرافيا محايدة؛ تتحول إلى نصوص مفتوحة، وكل حجر ومجرى ماء وشجرة وسهل يمكن أن يحمل فصلًا من حكاية شعب.
وهكذا، بدا لي خور سنجور وكأنه صفحة مائية من كتاب التاريخ المنغولي: هنا يبدأ الخيط الأول من حكاية طفل سيغير وجه آسيا والعالم، وهنا يستمر الماء في الجريان، غير عابئ بمرور القرون. إن النهر لا يتذكر بالطريقة التي يتذكر بها الإنسان، لكنه يحمل في جريانه استعارة الزمن نفسه: الماء يمضي، والأجيال تتعاقب، والأسطورة تبقى.
لقد كانت زيارتي إلى هذا المكان أشبه بالوقوف عند نقطة التقاء ثلاثة أزمنة: زمن تيموجين الصبي، وزمن جنكيز خان الذي صار أسطورة يسجدون له أمام نصبه التذكارية، وزمن منغوليا المعاصرة التي تستعيد ماضيها بالشعر والذاكرة والاحتفاء بالمكان.
وفي حضرة خور سنجور، أدركت مرة أخرى أن السفر إلى منغوليا ليس سفرًا في الجغرافيا وحدها، بل رحلة إلى طبقات عميقة من التاريخ؛ تاريخ ما زالت مياهه تجري، وما زالت قصائده تُكتب، وما زالت السهوب تحفظ أسرارها لمن يأتي إليها بقلب الرحالة وعين الشاعر.
في كل مكان توقفنا به كانت هناك الفرصة لتبادل الكتب. أهداني صديقي الشاعر ومترجمي عبر الإنجليزية جانبولد أحد إصداراته، الذي ترجم فيه قصصا لجابرييل جارسيا ماركيز. يبدو الحرف المنغولي للعين العربية كأنه أثرٌ حيّ للمطر، حبات صغيرة معلقة بخيط خفي، تتدلى من السماء ثم تستقر على صفحة الورق. في امتداده الرأسي شيء من انهمار الماء، وفي انحناءاته رقة الغصن حين تبلله قطرة، وفي انتظام علاماته إيقاع جدول ينحدر من الجبل. كأن الكاتب لا يرسم كلمات، بل يترك المطر يكتب بلغته الخاصة. تتتابع الحروف في هدوء، متصلة كأن بينها خيطًا من الماء والهواء، فتبدو الصفحة وكأنها ستار من قطرات شفافة هبطت لتوها من غيمة بعيدة. ولعل جمالها يكمن في أنها لا تكتفي بقول اللغة، بل تمنح العين أيضًا موسيقى صامتة، وتحوّل الكتابة إلى منظر طبيعي.
بعض الكتب كان باللغتين، المنغولية والإنجليزية، أو المنغولية والروسية، وهكذا اتخمت حقيبتي بمكتبة احتفظت بها لقيمتها الإنسانية، حتى وإن تعسرت علي القراءة لها. فأهم الكتب بهذه اللغة المدهشة الرسم كان يضمن قصادي بين جناحيه، أنطولوجيا للشعراء، في 656 من القطع الكبير، وكنت فيه العربي الإفريقي الوحيد، بصحبة صديقي الشاعر السوري هاني نديم، العربي الآسيوي الوحيد، الذي شغلته ظروف العمل عن تلبية الدعوة، فحملت إليه ميدالية تكريمه، ونسخته من الأنطولوجيا، حين سنلتقي في موسكو بعد أسابيع!
المنغولي المعاصر… حياتان متوازيتان بين الذاكرة والحداثة
في رحلتي إلى منغوليا، لم أكن أبحث فقط عن المكان، ولا عن اتساع السهوب التي تبدو كأنها بلا نهاية، ولا عن أثر الإمبراطورية المغولية في المدن والوجوه. كنت، بصفتي رحّالة وكاتبًا، أحاول أن أقرأ الإنسان قبل أن أقرأ الجغرافيا؛ أن أرى كيف يعيش المنغولي المعاصر داخل زمنين، وكيف يستطيع أن ينتقل بينهما ببساطة لافتة، وكأن المسافة بين الماضي والحاضر ليست قرونًا، وإنما لحظة واحدة.
منغوليا التي رأيتها ليست بلدًا يعيش في الماضي، كما قد يتخيلها من يراها من بعيد، وليست مجتمعًا قطع صلته بماضيه حين دخلت إليه الحداثة. إنها فضاء اجتماعي تتجاور فيه الأزمنة، ويبدو فيه الماضي حاضرًا لا بوصفه متحفًا، بل بوصفه هوية قابلة للاستدعاء في أي وقت.
ولعل أكثر ما أثار انتباهي في شخصية المنغولي المعاصر هو قدرته على أن يعيش حياتين متوازيتين دون أن يشعر بتناقض حاد بينهما.
ففي الحياة اليومية، هو إنسان عصري: يرتدي ملابس المدينة، يستخدم الهاتف الذكي، يعمل في المؤسسات والشركات والجامعات والإدارات، يقود السيارات، ويتابع العالم عبر الإنترنت، ويتعامل مع الاقتصاد الحديث ومتطلبات الوظيفة والمجتمع الحضري. إنه جزء كامل من عالم القرن الحادي والعشرين. ولكن يكفي أن تحل مناسبة وطنية، أو احتفال ثقافي، أو مهرجان، حتى يحدث التحول.
يرتدي الديل، الزي المنغولي التقليدي، فيبدو كأنه استدعى من داخله شخصية أخرى. في تلك اللحظة لا يرتدي مجرد ثوب؛ إنه يستعيد ذاكرة جماعية كاملة. يصبح الزي لغة اجتماعية تستدعي الأسلاف، والسهوب، والخيل، والرحّل، وملاحم الأجداد، وحكايات الإمبراطورية، والرموز التي تراكمت عبر قرون طويلة.
واللافت أن هذا التحول لا يحتاج إلى طقوس معقدة. قطعة من الملابس قد تكون كافية لكي ينتقل الإنسان من موقعه الوظيفي المعاصر إلى فضاء رمزي آخر. الموظف يصبح ابن السهوب، والمثقف يستعيد صورة الراوي القديم، والشاب الحضري يجد نفسه فجأة جزءًا من سردية أقدم من المدينة التي يعيش فيها.
من منظور سوسيولوجي، يمكن قراءة هذا السلوك باعتباره نوعًا من التفاوض اليومي بين الهوية والحداثة. فالمنغولي لا يختار بالضرورة بين الماضي والحاضر؛ بل يستخدم كليهما لبناء ذاته. الحداثة تمنحه أدوات العيش والعمل، بينما تمنحه الذاكرة التاريخية معنى الانتماء.
وهنا تكمن خصوصية الشخصية المنغولية التي لمستها خلال الرحلة: الماضي عندها ليس نقيضًا للحداثة، بل أحد مكوّناتها الرمزية. إنها شخصية تستطيع أن تنتقل من المكتب إلى الخيمة التقليدية، ومن شاشة الهاتف إلى أغنية شعبية، ومن الاجتماع الرسمي إلى احتفال تتقدم فيه الخيول والمصارعون والرماة، من دون أن تشعر بأنها غادرت ذاتها.
وهذا يفسر، في رأيي، الحضور القوي للرموز التقليدية في الحياة العامة المنغولية. فالتراث لا يُستعاد فقط لكي نتذكر ما كان، وإنما لكي نقول من نحن الآن.
ولذلك فإن الزي التقليدي، والخيول، والموسيقى، والأعياد الشعبية، ليست مجرد مظاهر فولكلورية للسائح. إنها أدوات لإعادة إنتاج الذاكرة الجمعية، وإعادة تعريف الهوية في مجتمع انتقل بسرعة من نمط الحياة الرحّل إلى الدولة الحديثة، ومن السهوب المفتوحة إلى العاصمة والمجتمع الحضري.
وفي أولان باتور تحديدًا، تبدو المفارقة أكثر وضوحًا. مدينة حديثة مزدحمة، أبراج ومؤسسات ومقاهٍ وشاشات وهواتف وسيارات، وفي قلب هذا كله يظهر الزي التقليدي كأنه يقول إن الحداثة لم تمحُ السهوب من الذاكرة.
بل ربما يكون العكس هو الصحيح: كلما ازداد حضور العالم الحديث، ازدادت الحاجة إلى استدعاء الجذور. وهذا ما جعل رحلتي إلى منغوليا تتجاوز معنى السفر الجغرافي. كنت أتنقل بين الأمكنة، لكنني في الوقت نفسه كنت أتنقل بين طبقات الزمن. رأيت في الإنسان المنغولي المعاصر ذلك التوازن المثير بين شخصية المواطن الحديث وشخصية ابن السهوب.
إنه لا يعيش ماضيه طوال الوقت، لكنه يعرف كيف يستحضره في اللحظة المناسبة. ولا يتخلى عن حداثته حين يرتدي زي أجداده، كما أنه لا يتخلى عن أجداده حين يعود إلى زيه العصري ويذهب إلى عمله.
وهكذا فهمت أن المنغولي المعاصر يعيش حياتين متوازيتين: حياة يومية تحكمها الوظيفة والمدينة والتكنولوجيا، وحياة رمزية تسكنها الذاكرة والأسطورة والجدود. وبين الحياتين لا توجد قطيعة، وإنما باب مفتوح يعبر منه الإنسان متى شاء.
وربما كانت هذه القدرة على الجمع بين الأزمنة واحدة من أجمل الدروس التي حملتها معي من منغوليا: أن الحداثة لا تعني بالضرورة أن ننسى من كنا، وأن احترام الماضي لا يعني أن نتوقف عن صناعة المستقبل.
فالرحّالة حين يغادر منغوليا قد يحمل معه صور السهوب والخيول والجبال، لكنه إذا أنصت جيدًا للإنسان هناك، يعود بفكرة أعمق: أن الهوية ليست ثوبًا نرتديه مرة واحدة، بل عالم كامل نستطيع أن ننتقل داخله بين الأمس واليوم والغد، دون أن نفقد أنفسنا.
الشامان في منغوليا: حين تصغي الروح إلى السماء
في منغوليا، لا يبدو الشامان شخصية تنتمي إلى الماضي وحده، بل حضورًا ما زال يجد مكانه في الذاكرة والمخيال الشعبي، وفي العلاقة العميقة بين الإنسان والطبيعة. تعود جذور الشامانية المنغولية إلى عصور بعيدة سبقت انتشار البوذية، حين كان الإنسان الرحّل يرى في السماء والجبال والأنهار والسهوب أرواحًا وقوى تستحق الاحترام والتبجيل. ويقف الشامان، أو البو في التقليد المنغولي، وسيطًا رمزيًا بين العالم المرئي وعالم الأرواح، مستعينًا بالترانيم والطبول والطقوس التقليدية في مناسبات مختلفة، كما شاهدناها، منذ اشعال النار، وتقديم القرابين، وسط أعواد البخور، ودقات الأجراس.
ومن أكثر رموز الشامانية حضورًا السماء الزرقاء الأبدية، التي تمثل في التصور المنغولي قوة عليا، إلى جانب تقديس الطبيعة والجبال والأنهار والأماكن المقدسة. ويُنظر إلى النار أيضًا باعتبارها عنصرًا ذا مكانة روحية خاصة، بينما تحتفظ بعض الطقوس بصلتها بموروث الأجداد وبطلب الحماية والبركة. وقد صحبنا الشاماني الكبير زيران بيامبادورج في تلك الرحلة من الألف للياء.
وخلال الرحلة في منغوليا، يصعب فصل الشامانية عن المشهد الطبيعي نفسه؛ فالسهوب الواسعة، وصهيل الخيول، وصفاء السماء، والجبال البعيدة، كلها تمنح هذا الموروث فضاءه الحي. وربما تكمن خصوصية الشامانية المنغولية في أنها لا تقدم مجرد طقوس دينية قديمة، بل تعكس فلسفة في العيش ترى الإنسان جزءًا من الطبيعة، لا سيدًا عليها؛ ولذلك بقيت بعض رموزها حاضرة في الثقافة المعاصرة، بوصفها صلة بين الإنسان المنغولي وأسلافه وأرضه وسماء بلاده.
فرقة الأغاني والرقص العسكرية الأكاديمية المنغولية
زرنا مكانين لهما ارتباط في اسميهما بالجيش؛ الأول فرقة الأغاني والرقص العسكرية الأكاديمية المنغولية في هيئة أركان القوات المسلحة المنغولية، والثاني مركز تدريب خيول العروض الرسمية.
والفرقة مؤسسة فنية تحمل في عروضها ذاكرة وطن، وتجمع بين الموسيقى والرقص والتاريخ والروح العسكرية. فمنذ العصور القديمة، راكم الشعب المنغولي تراثًا غنيًا من العادات والتقاليد والفنون، وظلت الأجيال تتناقل هذا الإرث بوصفه جزءًا من هويتها وذاكرتها الجماعية. ومن هذا النبع نشأت الفرقة، التي ارتبط تاريخها ارتباطًا وثيقًا بذاكرة الجنود والمحاربين؛ بأغانيهم التي كانت تشحذ الهمم، وبأناشيد النصر، وبإيقاعات المسير والقتال، وبالأحلام التي دافعوا من أجلها: الأرض والاستقلال والحرية.
في رحلتنا داخل الأكاديمية حكت دليلتنا العسكرية والفنانة رينتشيندورج أونورجارغال مسيرة الفرقة التي بدأت عام 1932، وقد أصبح يوم 12 ديسمبر من كل عام مناسبة للاحتفاء بذكرى تأسيسها. وكانت الفرقة، عبر تاريخها، صوتًا فنيًا رافق القوات العسكرية في أوقات الحرب والتحرير، كما قدمت عروضها للشعب، وأسهمت في الحياة الثقافية الوطنية، وشاركت في مناسبات ثقافية داخل منغوليا وخارجها.
ولم يكن هذا العطاء الفني بعيدًا عن التقدير الرسمي؛ فقد حصلت الفرقة على ميدالية الاستحقاق الحربي عام 1962، وعلى شهادة تقدير حكومية عام 1972، ثم ميدالية الراية الحمراء للاستحقاق العسكري عام 1982.
وفي 27 نوفمبر 2002، وبموجب قرار حكومة منغوليا رقم 29، مُنحت الفرقة رسميًا اسم “فرقة الأغاني والرقص العسكرية الأكاديمية”، تقديرًا لمكانتها وإسهامها في الثقافة الوطنية.
وقد شعرت، خلال زيارتي، أنني لا أشاهد فرقة فنية فحسب، بل أقترب من ذاكرة منغوليا وهي تغني وترقص؛ فكل لحن يحمل أثرًا من الماضي، وكل حركة تستعيد صورة من صور المحاربين، وكل إيقاع يصل الماضي بالحاضر. إنها تجربة تؤكد أن الفن قادر على أن يحفظ التاريخ بطريقة لا تفعلها الكتب وحدها، وأن تتحول الأغنية إلى ذاكرة، والرقصة إلى حكاية، والمسرح إلى فضاء تلتقي فيه روح المحارب بوجدان الشاعر والفنان.
في مركز تدريب خيول العروض الرسمية اطلعت على جانب من مهامها ودورها في إدارة وتطوير المؤسسة العسكرية، وتعزيز جاهزيتها لأداء واجباتها الوطنية. والتخطيط الاستراتيجي، وتطوير التعليم والتدريب العسكري، ورفع كفاءة القيادات، إلى جانب تحديث منظومات التسليح والتجهيز وتعزيز الأمن العسكري، وهو الدور الذي يحافظ على الهوية.
أصبح من التقاليد أن تُحمل الرايات البيضاء التسع للدولة، ومعها الرايات الثماني المصاحبة، في موكب احتفالي بأعياد النادام. وينص قانون رموز الدولة على أن يعتمد رئيس منغوليا إجراءات هذه المراسم. ووفقًا للقانون والطقوس الراسخة، سيرفرف علم الدولة في الجهة الجنوبية من القصر الحكومي، فيما يقف حرس الشرف، بقبعاتهم ذات اللون الأصفر الذهبي، في مواقعهم، وكأن الزمن نفسه قد توقف أمامنا. واصطف حرس الشرف قبالة تمثال جنكيز خان. وما إن ارتفعت أنغام الموسيقى العسكرية المهيبة، بأبواقها وطبولها، حتى يخرج الحرس من البوابة الشرقية المجاورة لتمثال جنكيز خان، يحملون الرايات البيضاء التسع.
كانت الموسيقى الهادرة، وإيقاعها المحسوب، وخطوات الموكب الواثقة المهيبة، تبدو وكأنها تحيي روح الأجداد المغول ومجدهم. ويتقدم الموكبَ حاملُ راية الدولة، يتبعه حامل الراية الرئيسي وحرس المراسم. أما الخيول، التي أُعدّت لهذا الطقس على مدى أشهر وسنوات، فقد أدت مهمتها في صمت واتزان، دون أن تعبأ بدويّ الموسيقى أو حشود الناس؛ تمضي بخطى واثقة، من غير حركة زائدة واحدة.
وبموجب القانون، يتكون الموكب من اثنين وثلاثين حصانًا: حصانين رماديين أبلقين، وثمانية خيول كستنائية فاتحة، واثنين وعشرين حصانًا أدهم وبنيًا داكنًا، في استحضار لخيول جنكيز خان بألوانها التي وثقها التاريخ.
وبالنسبة لهؤلاء الرحّل، لكل رقم دلالته. يرمز الحصانان الرماديان الأبلقان إلى القوة المركزية، فيما ترمز الخيول الكستنائية الثمانية إلى الحماية والتوازن، أما الخيول الاثنان والعشرون، ذات الألوان الداكنة، فترمز إلى الحركة والاستمرارية. الموكب، الذي يقوده فارس واحد وتنتظم خيوله في صفوف من ثلاثة، يمر أمام القصر الحكومي، ثم يطوف به في اتجاه عقارب الساعة، قبل أن يواصل مسيره في تشكيله المنظم نحو جبل بوغد خان، عبر الطريق الممتد في السهوب المفتوحة.
أما الحشود فتؤدي التحية للرايات البيضاء التسع، ويتابع الموكب وسط هتافات الفرح والاحتفاء. شيئًا فشيئًا، يأخذ وقع حوافر الخيول يعلو فوق الموسيقى وأصوات الناس، ويزداد وضوحًا وتميزًا، حتى بدا وكأنه لم يعد مجرد صوت، بل ذبذبة تسري في الجسد نفسه.
صُنعت راية الدولة في قطعة أصلية واحدة، من شعر أعراف وذيول خيول بيضاء أصيلة، لا يقل طول الشعر المستخدم فيها عن 80 سنتيمترًا، اختيرت بعناية من بين قطعان الخيول في مختلف أقاليم منغوليا.
ويبلغ ارتفاع الرايات البيضاء التسع 362 سنتيمترًا، فيما يبلغ محيط تاجها 55 سنتيمترًا. أما الرايات الثماني المصاحبة، فيبلغ ارتفاع كل منها 262 سنتيمترًا، ويبلغ قطر تاج كل راية 40 سنتيمترًا. ويتوج القسم العلوي نهايات فولاذية متشعبة على هيئة شوكة، نُقشت عليها زخارف فنية بديعة. وفي قمة الرايات البيضاء التسع يتجلى نقش على هيئة لهب، يستقر فوق قاعدة على شكل زهرة. وقد لُفّت الراية بشريط حريري ذي أربعة أقسام، مصنوع من الديباج الأبيض المزدان بزخارف صفراء.
وقد ظل المنغوليون، منذ أقدم العصور وحتى يومنا هذا، يجلّون الرايات البيضاء التسع ويكرمونها بوصفها رمزًا لازدهار الدولة واستمرار كيانها. وتعود جذور هذا التقليد إلى عام 1206. وتذكر السجلات التاريخية أن الرايات البيضاء التسع رُفعت للمرة الأولى عندما أعلن جنكيز خان قيام الإمبراطورية المغولية العظمى.
وفي المجلد الحادي والثلاثين من كتاب علم الأعراق، وفي دراسة بعنوان «بعض القضايا المتعلقة بأصل رايات جنكيز خان البيضاء وتطورها»، للباحث س. أولزيبايار وآخرين، نقرأ:
“إن المفهوم السياسي الذي كان يصف أمم الأرض كلها بأنها (الشعوب الخمسة الألوان والأربعة الأجانب)، ويطلق على الحاكم الذي بسط سلطانه عليها جميعًا اسم (الخان ذي الرايات التسع)، كان قائمًا منذ ألف عام. وقد عكس عدد الرايات البيضاء التسع، الذي أُقر في الخورال العظيم عام 1206، هذا التقليد، بينما كان اللون الأبيض رمزًا لبركة قوة السماء.
وهكذا أضحت الرايات البيضاء التسع رايات الإمبراطورية المغولية العظمى، التي ازدهرت تحت حماية السماء الخالدة. وكانت رايات مقدسة صُنعت من الشعر الأبيض للفرس والفحول، ورُفعت بوصفها قسمًا يُعلن أمام السماء الخالدة أن صاحبها قد أصبح حاكمًا على الأرض.
أما الزخرفة التي تعلو الراية، فكانت تمثل صقرًا أبيض يهبط محتضنًا الشمس والقمر، حاملًا إلى المغول روح السماء وبركتها المقدسة، بركة سلالة بورجيجين، في ظل السماء الخالدة. واستعادة رايات الأجداد على صورتها الحقيقية، أولئك الذين اشتدت قوتهم بقوة السماء الخالدة وحماية الحظ المقدس العظيم، أمنية يشترك فيها كثير من المنغوليين”.
عندما اعتمدت منغوليا دستورها الجديد عام 1992، نصّ الدستور على أن: “الرايات البيضاء التسع التقليدية للدولة المنغولية الموحدة هي الرمز المكرّم للدولة المغولية”. وبهذا الإعلان، عادت الرايات البيضاء التسع، التي كادت أن تذوي في مهب رياح الزمن، إلى الظهور من جديد بكل ما تحمله من قوة وهيبة.
رحلة أدبية تتجاوز الحدود
لم تكن احتفالية «إخ نوتاج» الدولية مجرد برنامج لإحياء الذكرى الـ120 لميلاد د. ناتساجدورج، بل كانت رحلة ثقافية عبر منغوليا، اتبعت مسارًا ربط بين أولان باتور، ودونجين بولدوغ، وباياندلغير، وباجانور، وتسنخرماندال، وخِرلين خُدُو أَرال.
وقد أتاحت الرحلة لنا فرصة لاكتشاف منغوليا ليس من خلال أدبها فحسب، بل أيضًا من خلال طبيعتها وذاكرتها التاريخية. أما بالنسبة إلى القراء والمثقفين المنغوليين، فقد مثّلت الاحتفالية تأكيدًا على استمرار حضور أحد أهم الأصوات الأدبية في تاريخ البلاد، وليصبح الطريق من العاصمة إلى السهوب استعارة للأدب نفسه: طريقًا يعبر الحدود والأجيال والثقافات، لكنه يعود دائمًا إلى منبعه؛ إلى الأرض والذاكرة والوطن.
لن أنسى الحديث عن الطعام، فلا أعرف كم خروفا أكلت! لحم الضأن يكاد ينام في كل طبق، ولن أنسى الخورخور ، وهو ليس مجرد طبق من اللحم، بل تجربة تختصر شيئًا من روح الحياة البدوية المنغولية. يُحضَّر عادةً من لحم الضأن أو الماعز، حيث توضع أحجار شديدة السخونة، أُوقدت في النار، مع اللحم داخل وعاء محكم الإغلاق، فينضج اللحم تحت تأثير الحرارة والبخار في فضاء مغلق.
لكن سر الخورخور لا يكمن في مكوناته وحدها، بل في طقوسه. رائحته الغنية تملأ المكان، واللحم المطهو على العظم يبدو كأنه امتص خلاصة العظام نفسها، حتى يخيل إليك أن الماء والملح واللحم قد تحولت إلى مذاق أعمق من مجموعها. أما الأحجار الساخنة فهي جزء من التجربة؛ يمسكها أهل السهوب بثقة، ويتناقلونها بين أكفهم، لكن على الزائر أن يتعامل معها بحذر، فهي ليست مجرد أحجار دافئة.
يبقى للخورخور سحره الخاص: رائحة تسبق المذاق، وحرارة تُلامس اليد، ونكهة تحمل ذاكرة السهوب والمنغوليين.
في الاحتفاء بناتساجدورج بعد 120 عامًا على ميلاده، لم تكن منغوليا تستعيد الماضي فحسب، بل كانت تؤكد أن شعر الوطن ما يزال قوة حية، قادرة على جمع الناس، وفتح آفاق الحوار الثقافي، وتحويل رحلة عبر السهوب إلى رحلة مشتركة في الذاكرة والهوية والروح الإنسانية.
…………………….
تعليقات الصور ( وتنشر حسب ترتيبها هنا لو سمحتم)
الصفحة الأولى …. ثلاث صور عرضية
(1) مع رئيسة الاتحاد العالمي للثقافة وتراث الرحل المنغولي الشاعرة بوريفجاف جيريلت-أود في وزارة الثقافة بالعاصمة أولان باتور
(2) مسار الرحلة على إثر خطوات الشاعر والتاريخ
(3) الدعوة لحضور الاحتفاء بكرى الشاعر المنغولي داشدورجين ناتساجدورج (1906 – 1937)
الصفحة الثانية …. ثلاث صور عرضية
(4) أرفع علم منغوليا احتفالا بالقصيدة التي كُتبت احتفاءً بهذا المكان، خور سنجور، وتستحضر النهر بوصفه مرآة للطبيعة وذاكرةً للتاريخ
(5) المكرمون بوسام “العامل المتميز” للاسهام في تطوير مجالات الثقافة والفنون تقديرا من جانب الحكومة المنغولية.
(6) هنا ولد الصبي تيموجين
الصفحة الثالثة (الصور 7 – 12) (ثلاثة صور صف أول و ثلاثة صور صف ثان)
(7) ست صور للأزياء المنغولية التقليدية يكتب التعليق مرة واحدة
(8) ست صور للأزياء المنغولية التقليدية
(9) ست صور للأزياء المنغولية التقليدية
(10) ست صور للأزياء المنغولية التقليدية
(11) ست صور للأزياء المنغولية التقليدية
(12) ست صور للأزياء المنغولية التقليدية
الصفحة الرابعة (ثلاثة صور عرضية)
(13) تأسست فرقة الأغاني والرقص العسكرية الأكاديمية المنغولية في 1932
(14) من العروض الموسيقية للفرقة خلال زيارتنا
(15) مع دليلتنا العسكرية والفنانة رينتشيندورج أونورجارغال
الصفحة الخامسة (ثلاثة صور عرضية)
(16) التمثال العملاق لجنكيز خان
(17) بصحبة الشاماني الكبير زيران بيامبادورج
(18) زيارة لشجرة غرست باسم الشاعر قبل عامين
الصفحة السادسة (صورة علوية عرضية، وتحتها ثلاث صور طولية)
(19) الاحتفاء بالأنطولوجيا التي شارك فيها شعراء أربع قارات
(20) قصيدة الشاعر المحتفى به، “منغوليا، وطني الأم”، بلغة الضاد للمرة الأولى
(21) توب سيلفي مع بعض ضيوف المهرجان
(22) عرض مجلة سلاف بمكتبة داشدورجين ناتساجدورج خلال أيام المهرجان
الصفحة الأخيرة مع ما تبقى من النص ويمكن أن تأخذ الصورة صفحة كاملة أو جزءا منها
(23) مواكب الخيول المغولية بألوانها الدالة في العروض الرسمية بالأعياد





