العدد الثاني والعشرون من مجلة «سلاف الثقافية»… رحلة جديدة بين الأدب والفن والتراث والمعرفة

تواصل مجلة «سلاف الثقافية»، في عددها الثاني والعشرين لشهر أغسطس 2026، رحلتها الشهرية في تقديم محتوى ثقافي وفني متنوع، يجمع بين الدراسات النقدية والأدبية، والبحوث التراثية، والقراءات الفكرية، والنصوص التي تستعيد الذاكرة الثقافية العربية والإنسانية.

يأتي العدد الجديد بإشراف عام أوس الإرياني، وبرئاسة تحرير الأديب بلال قايد، وإدارة تحرير محمد النظاري، وبمشاركة هيئة تحرير تضم مها شجاع الدين، رانيا الشوكاني، ومحفوظ الشامي، إلى جانب فريق من المحررين والباحثين والمختصين الذين يواصلون العمل من أجل تقديم مجلة ثقافية تجمع بين المعرفة وجماليات التعبير.

وفي افتتاحية العدد، ضمن زاوية «بوصلة»، يقدم رئيس التحرير بلال قايد قراءة في كتاب «وسائل التواصل الاجتماعي ودورها في التحولات المستقبلية: من القبيلة إلى الفيسبوك» للمؤلف جمال السويدي. وتتوقف القراءة عند التحولات العميقة التي أحدثها العالم الرقمي في مفاهيم الهوية والانتماء، وظهور ما يمكن تسميته بـ«القبائل الرقمية»، حيث لم تعد الروابط المشتركة تقوم فقط على المكان أو النسب، بل على الأهداف والمصالح والقيم المشتركة.

كما يناقش المقال الدور المتصاعد لوسائل التواصل الاجتماعي بوصفها «سلطة خامسة»، أسهمت في تحويل المتلقي من مستهلك سلبي للمعلومات إلى منتج وفاعل ومؤثر في المجال العام.

وفي زاوية «بواكير»، يكتب الروائي وجدي الأهدل مقالًا بعنوان «الروائي المثابر»، يستعيد فيه حكاية إنسانية وأدبية ذات دلالة عميقة عن سنوات الدراسة في الاتحاد السوفييتي، ليصل من خلالها إلى حقيقة أساسية في مسيرة المبدع: أن المثابرة والتدريب اليومي والشغف بالكتابة هي التي تصنع الكاتب الحقيقي. ويستحضر المقال تجربة الروائي الليبي الكبير إبراهيم الكوني بوصفها نموذجًا للإخلاص الطويل للفن والكتابة، في مقابل المواهب التي قد تتوقف أو تنقطع إذا لم تسندها الإرادة والمثابرة.

ويفتح العدد نافذة واسعة على التراث اليمني من خلال دراسة «مقاشم صنعاء القديمة» للكاتب عبد الرحمن مطهر، التي تتناول واحدًا من العناصر المميزة للمدينة التاريخية العريقة. فالمقاشم، بوصفها مساحات خضراء وبساتين داخل النسيج العمراني لصنعاء القديمة، تمثل نموذجًا فريدًا للعلاقة بين الإنسان والماء والطبيعة والعمارة، وتكشف عن ذكاء حضاري في استثمار الموارد الطبيعية وتحويلها إلى متنفسات خضراء داخل المدينة.

كما يضم العدد مواد ودراسات متنوعة، منها مقال «المديح النبوي» لخليل المعلمي، وقراءة بعنوان «كتاب بلا عنوان ولا مؤلف» للدكتور عبد الحكيم باقيس، إلى جانب دراسة عن أهمية العلوم اللسانية للكاتب حسن الحضري، وبحث حول المخطوطات الطبية لخالد الروحاني.

 

مجلة سلاف الثقافية – العدد 22 – أغسطس 2026

في الاستطلاع المصور (منغوليا … وطن الشعر والموسيقى والذاكرة)… بقلم وعدسة الدكتور أشرف أبو اليزيد… نقرأ عن المنغولي المعاصر… حياتان متوازيتان بين الذاكرة والحداثة: 

في رحلتي إلى منغوليا، لم أكن أبحث فقط عن المكان، ولا عن اتساع السهوب التي تبدو كأنها بلا نهاية، ولا عن أثر الإمبراطورية المغولية في المدن والوجوه. كنت، بصفتي رحّالة وكاتبًا، أحاول أن أقرأ الإنسان قبل أن أقرأ الجغرافيا؛ أن أرى كيف يعيش المنغولي المعاصر داخل زمنين، وكيف يستطيع أن ينتقل بينهما ببساطة لافتة، وكأن المسافة بين الماضي والحاضر ليست قرونًا، وإنما لحظة واحدة.

منغوليا التي رأيتها ليست بلدًا يعيش في الماضي، كما قد يتخيلها من يراها من بعيد، وليست مجتمعًا قطع صلته بماضيه حين دخلت إليه الحداثة. إنها فضاء اجتماعي تتجاور فيه الأزمنة، ويبدو فيه الماضي حاضرًا لا بوصفه متحفًا، بل بوصفه هوية قابلة للاستدعاء في أي وقت.

ولعل أكثر ما أثار انتباهي في شخصية المنغولي المعاصر هو قدرته على أن يعيش حياتين متوازيتين دون أن يشعر بتناقض حاد بينهما.

ففي الحياة اليومية، هو إنسان عصري: يرتدي ملابس المدينة، يستخدم الهاتف الذكي، يعمل في المؤسسات والشركات والجامعات والإدارات، يقود السيارات، ويتابع العالم عبر الإنترنت، ويتعامل مع الاقتصاد الحديث ومتطلبات الوظيفة والمجتمع الحضري. إنه جزء كامل من عالم القرن الحادي والعشرين. ولكن يكفي أن تحل مناسبة وطنية، أو احتفال ثقافي، أو مهرجان، حتى يحدث التحول.

يرتدي الديل، الزي المنغولي التقليدي، فيبدو كأنه استدعى من داخله شخصية أخرى. في تلك اللحظة لا يرتدي مجرد ثوب؛ إنه يستعيد ذاكرة جماعية كاملة. يصبح الزي لغة اجتماعية تستدعي الأسلاف، والسهوب، والخيل، والرحّل، وملاحم الأجداد، وحكايات الإمبراطورية، والرموز التي تراكمت عبر قرون طويلة.

واللافت أن هذا التحول لا يحتاج إلى طقوس معقدة. قطعة من الملابس قد تكون كافية لكي ينتقل الإنسان من موقعه الوظيفي المعاصر إلى فضاء رمزي آخر. الموظف يصبح ابن السهوب، والمثقف يستعيد صورة الراوي القديم، والشاب الحضري يجد نفسه فجأة جزءًا من سردية أقدم من المدينة التي يعيش فيها.

من منظور سوسيولوجي، يمكن قراءة هذا السلوك باعتباره نوعًا من التفاوض اليومي بين الهوية والحداثة. فالمنغولي لا يختار بالضرورة بين الماضي والحاضر؛ بل يستخدم كليهما لبناء ذاته. الحداثة تمنحه أدوات العيش والعمل، بينما تمنحه الذاكرة التاريخية معنى الانتماء.

وهنا تكمن خصوصية الشخصية المنغولية التي لمستها خلال الرحلة: الماضي عندها ليس نقيضًا للحداثة، بل أحد مكوّناتها الرمزية. إنها شخصية تستطيع أن تنتقل من المكتب إلى الخيمة التقليدية، ومن شاشة الهاتف إلى أغنية شعبية، ومن الاجتماع الرسمي إلى احتفال تتقدم فيه الخيول والمصارعون والرماة، من دون أن تشعر بأنها غادرت ذاتها.

وهذا يفسر، في رأيي، الحضور القوي للرموز التقليدية في الحياة العامة المنغولية. فالتراث لا يُستعاد فقط لكي نتذكر ما كان، وإنما لكي نقول من نحن الآن.

ولذلك فإن الزي التقليدي، والخيول، والموسيقى، والأعياد الشعبية، ليست مجرد مظاهر فولكلورية للسائح. إنها أدوات لإعادة إنتاج الذاكرة الجمعية، وإعادة تعريف الهوية في مجتمع انتقل بسرعة من نمط الحياة الرحّل إلى الدولة الحديثة، ومن السهوب المفتوحة إلى العاصمة والمجتمع الحضري.

وفي أولان باتور تحديدًا، تبدو المفارقة أكثر وضوحًا. مدينة حديثة مزدحمة، أبراج ومؤسسات ومقاهٍ وشاشات وهواتف وسيارات، وفي قلب هذا كله يظهر الزي التقليدي كأنه يقول إن الحداثة لم تمحُ السهوب من الذاكرة.

بل ربما يكون العكس هو الصحيح: كلما ازداد حضور العالم الحديث، ازدادت الحاجة إلى استدعاء الجذور. وهذا ما جعل رحلتي إلى منغوليا تتجاوز معنى السفر الجغرافي. كنت أتنقل بين الأمكنة، لكنني في الوقت نفسه كنت أتنقل بين طبقات الزمن. رأيت في الإنسان المنغولي المعاصر ذلك التوازن المثير بين شخصية المواطن الحديث وشخصية ابن السهوب.

إنه لا يعيش ماضيه طوال الوقت، لكنه يعرف كيف يستحضره في اللحظة المناسبة. ولا يتخلى عن حداثته حين يرتدي زي أجداده، كما أنه لا يتخلى عن أجداده حين يعود إلى زيه العصري ويذهب إلى عمله.

وهكذا فهمت أن المنغولي المعاصر يعيش حياتين متوازيتين: حياة يومية تحكمها الوظيفة والمدينة والتكنولوجيا، وحياة رمزية تسكنها الذاكرة والأسطورة والجدود. وبين الحياتين لا توجد قطيعة، وإنما باب مفتوح يعبر منه الإنسان متى شاء.

وربما كانت هذه القدرة على الجمع بين الأزمنة واحدة من أجمل الدروس التي حملتها معي من منغوليا: أن الحداثة لا تعني بالضرورة أن ننسى من كنا، وأن احترام الماضي لا يعني أن نتوقف عن صناعة المستقبل.

فالرحّالة حين يغادر منغوليا قد يحمل معه صور السهوب والخيول والجبال، لكنه إذا أنصت جيدًا للإنسان هناك، يعود بفكرة أعمق: أن الهوية ليست ثوبًا نرتديه مرة واحدة، بل عالم كامل نستطيع أن ننتقل داخله بين الأمس واليوم والغد، دون أن نفقد أنفسنا.

بهذا التنوع، يقدم العدد الثاني والعشرون من «سلاف الثقافية» لوحة معرفية تجمع بين الماضي والحاضر، وبين الأدب والفكر والبحث العلمي والتراث. إنها دعوة جديدة للقارئ كي يتجول بين صفحات ثقافية ثرية، تؤمن بأن المعرفة ليست مجالًا مغلقًا، وأن الثقافة تظل دائمًا مساحة حية للحوار والاكتشاف وصناعة المستقبل.

 

Related Posts

CAJ’S New Edition: Africa at the Crossroads … Faith, Freedom, Culture and the Future

The September 2026 edition of CAJ International Magazine arrives at a moment when Africa is being asked difficult questions — and, more importantly, when Africans are offering their own answers.…

The 20th Gumilyov Festival in 2026 is a Constellation of Anniversaries

By Olga Efimova, a poet, Deputy President of the Gumilyov Society, Russia For readers of Nikolai Gumilyov, 2026 is marked by several anniversaries. 140 years since the birth of the…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *