دار العرس والبهجة

قراءة نقدية: خالد سليمان
طريق الحرير اليوم ـ تونس

ـ ربما لا نبالغ إن قررنا أن فيلم “دار العرس” هو أحد أكثر الأفلام الكوميدية رقيًا التي افتقدتها السينما التونسية منذ فترة ليست بالقصيرة، وعلى الرغم من بساطة موضوع الفيلم، إلا أنه قد حمل رسالة هادفة ومحترمة إلى جوار جرعة الكوميديا المركزة.. الأمر الذي يدل على حرفية محل تقدير في التناول الدرامي السينمائي لدى من كتب سيناريو وحوار الفيلم.. وهو ما سنتعرض له خلال السطور التالية..


ـ مهندس “جهاد الشارني”، ومهندسة “خلود الجليدي” لديهما اختصاص في مجال الزراعة.. الأول في مجال “الهندي ـ التين الشوكي”، والمهندسة في مجال “التمور”، وبين الاثنين ارتباط عاطفي ربما نشأ من خلال عملهما سويًا في “مركز اتصال ـ centre d’appel”، إذ لم يجدا وظيفة تتناسب مع مؤهلاتهما الدراسية..


وعلى الرغم من أن المهندس ينتمي إلى أسرة ثرية عصامية، وحبيبته تنتمي لأسرة قديمة وعريقة ميسورة الحال إلى حد ما.. لكنهما قررا الاعتماد على نفسيهما سعيًا لمستقبل أفضل بعد أن اتخذا قرار الهجرة إلى “كندا”..
وفي المكتب الذي يتولى تسفير الراغبين في الهجرة إلى كندا، لم يجد الاثنان فرصة مناسبة إلا فرصة واحدة لا تتاح إلا للمتزوجين، على أن يتم ذلك في أجل مقداره أسبوع واحد هو آخر موعد للسفر.. وبعد مداولة بسيطة بين الحبيبين يقرران الزواج بصورة عاجلة خلال تلك المدة القصيرة حتى لا تضيع الفرصة الذهبية للهجرة إلى كندا..


ـ ومن خلال تلك الملابسات تدور أحداث فيلم “دار العرس” وسط مفارقات اعتمدت على كوميديا الموقف وبراعة السيناريو وطرافة الحوار التي تعكس إلمامًا بكتابة الدراما السينمائية، التي جعلت إيقاع الفيلم متدفقًا خاليًا من الرتابة، وقد اجتهد المخرج “هيفل بن يوسف” في توظيف حجم اللقطات وتركيبها، وإن بالغ نسبيًا في توظيف “الدرون” أو “الكرين آب”.. وبعض اللقطات التي تعطي انطباعًا إعلانيًا، وحسنًا فعل بتدخله المحسوب في إدارة الممثلين، الأمر الذي جعلهم يفجرون طاقاتهم الإبداعية بما يتراءى لهم من أبعاد أدوارهم دون إفلات زمام العمل من يد المخرج، وهذا يحسب للطرفين معًا “عنصر الإخراج وعنصر التمثيل”..
ويمكن القول إن مخرج العمل كان موفقًا إلى حد كبير، اللهم إلا في أحد عناصر الكاستينج، حيث كان ملحوظًا أن المسافة العمرية بين العريس “جهاد الشارني” ومن لعب دور الأب “محمد صابر الوسلاتي” غير مقنعة، رغم مكياج الأب غير الموفق، ومحاولات “محمد صابر الوسلاتي” لإتقان دور الأب الذي لم يخلُ من بعض الهنات، إذ هرب منه خلال أداء دور الأب مراعاة المرحلة العمرية..
ـ المخضرمة المتميزة “وجيهة الجندوبي” في دور أم العروسة التي تتمسك بالتقاليد البورجوازية (البلدية) أدت دورها باقتدار وحذق تحسد عليه، دون أي محاولة لافتعال الكوميديا، فكان أداؤها طبيعيًا أثار عاصفة من ضحك الجمهور الذي تفاعل مع أدائها الممتع..
الفنانة القديرة “سهام مصدق” في دور عمة العريس الثرية العصامية المستبدة، والتي تنتمي لأصول ريفية شعبية وتسعى لتزويج ابنتها “سامية الحامي” من ابن أخيها العريس “جهاد الشارني”، حرصت على أداء طبيعي دون افتعال، فأثارت الضحك والإعجاب.. وكان أداؤها المتميز في المشاهد المشتركة بينها وبين “وجيهة الجندوبي” مباراة حامية الوطيس، يمكن وصفها بمباراة تكسير عظام في الأداء التمثيلي، كان الرابح الأكبر فيها هو الجمهور..

“محمد صابر الوسلاتي” في دور والد العريس اجتهد كثيرًا في أدائه للدور، لكنه في المحصلة كان يمثل الدور ولا يشخصه، وللحق نجح في انتزاع ضحكات الجمهور العادي، رغم هروب السمات العمرية للشخصية التي يؤديها أحيانًا..
“الشاذلي العرفاوي” في دور خال العروسة اتسم أداؤه بخفة الظل بصورة طبيعية.. فجاء مميزًا ومقنعًا، ونجح في إظهار قدرات تمثيلية بعيدة عن (التنميط) الذي يصر بعض المخرجين على وضعه فيه..

 

وفي دور موظف الشركة التي تولت إعداد العرس وتفاصيله، “نبيل بن مسمية” ظهر بأداء موفق واعد في مواجهة جوقة من الفنانين الكبار..
أما الموهوب الفذ “جعفر القاسمي”، الذي أعرفه منذ بدايته مع الراحل القدير “عز الدين فنون”، فقد قدم وجبة كوميدية دسمة في دور مدير الشركة التي تتولى التسفير إلى “كندا”، رغم أنه ضيف شرف الفيلم ، إلا أنه ترك علامة وبصمة واضحة ترجمتها قهقهات الجمهور العارمة، ليؤكد لمن يهمه الأمر أن دور الممثل ليس بطوله أو قصره، إنما بقدرته على التأثير..
“جهاد الشارني” في دور العريس قدم أداء مميزًا وواعدًا دون مبالغة، و”خلود الجليدي” في دور العروسة كانت موفقة واجتهدت في حدود الشخصية المرسومة، علاوة على كونها تتمتع بقدر وافر من الجمال الراقي الذي تتطلبه أدوار معينة أصبحت تفتقر لتلك السمات..
ـ فيلم “دار العرس” الذي قدم كوميديا محترمة وراقية استمتع بها الجمهور لمدة ساعتين ونصف تقريبًا، نجح أيضًا في تقديم نهاية هادفة ومطلوبة في الظرف المعيش، تضيء دربًا من الأمل في المستقبل..


فعندما يخبر مدير شركة التسفير إلى “كندا”، “جعفر القاسمي”، العروسين أن فرصة سفرهما قد ضاعت وتبددت بعد كل تلك المعاناة من أجل إتمام عرسهما خلال أسبوع، يقرر العروسان بعد تفكير لمدة وجيزة البقاء في الوطن والاستعانة بأندادهما من أبناء تونس للبناء من الوطن والانطلاق من داخله دون مغادرته.. على الرغم من بعض المعاناة في الداخل والتي يمكن التغلب عليها، والتي جسدها مخرج الفيلم في المشهد الذي بدأ به الفيلم وكان هو مشهد النهاية، ممثلًا في (الونش أو الشنجال) كرمز للسلطة في العالم الثالث، والذي يتربص بالمواطن عند أدنى مخالفة لينزل به العقاب..
لكن على العكس من مشهد البداية الذي استسلم فيه المواطن لواقعه المعيش، كان مشهد النهاية ونفس المواطن يلاحق (الونش ـ الشنجال)، رافضًا الاستسلام للواقع رغم صعوبته ومعاناته، بغض النظر عن نجاح مسعاه من عدمه.. مثمنًا فكرة رفض الاستسلام..
“دار العرس” فيلم كوميدي جميل وراقٍ، نجح في تقديم فكرة عميقة ببساطة، يمكن القول إنها تنتمي لصنف “السهل الممتنع”، في قالب ضاحك بعيدًا عن التجهم وتعالي التنظير.
***

  • Related Posts

    WORLD ORGANIZATION OF WRITERS “WOW” ANNOUNCES ITS 2026 LAUREATES

    Six Distinguished Writers Honored, Alongside Two Gold Medals for Contributions to World Literature MOSCOW, September 15, 2026 — The World Organization of Writers (WOW) has announced the names of its…

    VO THI NHU MAI’S “UNA CONVERSAZIONE” EARNS ECCELLENZA INTERNAZIONALE AT SENECA AWARDS 2026

    (By Claudia Barbaro, Librarian, Western Australia) The 10th Edition of the Premio Accademico Internazionale di Letteratura Contemporanea Lucius Annaeus Seneca, organized by the Accademia delle Arti e delle Scienze Filosofiche…

    اترك تعليقاً

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *