الفنانة التشكيلية كرستين عريضة: الحضارة المصرية القديمة جزء طبيعي من الذاكرة البصرية

أجرى الحوار : طارق العمراوي

  • كوني مصرية يجعل الحضارة المصرية القديمة جزءًا طبيعيًا من الذاكرة البصرية التي نشأت عليها

  • الألوان بالنسبة لي ليست مجرد اختيار جمالي؛ هي لغة ومزاج وذاكرة

س1: كيف تقدمين الفنانة كرستين عريضة ؟

أقدم نفسي كفنانة مصرية بدأت رحلتي مع الصورة من خلال التصوير الفوتوغرافي الذي أحببته وعكفت على تطوير مهاراتي فيه، ثم في لحظة لم أخطط لها وجدتني انتقل إلى الرسم، وهو ما فاجأني أنا شخصياً إذ لم يكن مجال أعرفه أو أمارسه قبلاً،لكنني وجدت فيه مساحة أوسع للتعبير عن إحساسي بالعالم من حولي وكذلك فضاء أكبر لتلبية احتياجي لتمثيل الجمال.

أنا لا أتعامل مع الفن باعتباره مجرد نقل لما أراه، وإنما أحاول أن أترجم ما أشعر به تجاه المكان والناس والذاكرة والعلاقات الإنسانية إلى لون وشكل وخط، لذلك فالبيئة المصرية حاضرة بقوة في تجربتي، ليس باعتبارها موضوعًا توثيقيًا، وإنما باعتبارها جزءًا من ذاكرتي ووجداني.

ومع الوقت أصبحت لغتي أكثر اختزالًا وتجريدًا، ولكنني لم أفقد ارتباطها بالإنسان والمكان. ربما هذا هو أكثر ما يهمني: أن تظل اللوحة مفتوحة على الإحساس، وأن يجد كل متلقٍ فيها شيئًا يخصه.

س2: هل حضر الإرث الفرعوني والمصري القديم كخلفية فنية لتجربتكم؟

بالتأكيد، ولكن ربما ليس بصورة مباشرة أو مقصودة دائمًا.

كوني مصرية يجعل الحضارة المصرية القديمة جزءًا طبيعيًا من الذاكرة البصرية التي نشأت عليها. الرموز، والعمارة، وطريقة المصري القديم في اختزال الشكل، وعلاقته بالطبيعة والإنسان والكون، كلها أشياء يصعب أن تكون بعيدة عن وجدان الفنان المصري.

لكنني لا أحاول أن أرسم الفن الفرعوني أو أستعيده كما هو. ما يشغلني أكثر هو الروح المصرية الممتدة عبر الزمن؛ كيف يمكن لشيء قديم جدًا أن يظل حاضرًا في إحساسنا بالمكان والإنسان والهوية، ثم يظهر بصورة معاصرة ومختلفة.

لذا ستري في بعض أعمالي تجسيد لشخصيات من الإرث الفرعوني وأحيانا مجرد ملامح المصري القديم، بينما في أحيا أخرى تظهر الرموز والعمارة من الثقافة المصرية مندمجة مع الواقع والحاضر.

س3: أي المدارس الفنية تفاعلتِ معها وأثرت فيك؟

تأثرت بعدة اتجاهات، لكنني لا أشعر أنني أنتمي بالكامل إلى مدرسة واحدة.

التجريد والتعبيرية كان لهما حضور مهم في تكوين لغتي، كما أن الـBauhaus أثرت فيّ منذ سنوات طويلة، خصوصًا في فكرة التوازن بين الشكل واللون والخط، وتحويل العناصر البسيطة إلى بناء بصري متكامل، وربما ذلك مرتبط أيضاً بدراستي الأساسية وهي في مجال الهندسة.

غالباً ما أجد نفسي أيضًا قريبة جدًا من عالمالفنان  Paul Klee؛ فهو بالنسبة لي فنان استطاع أن يجمع بين البساطة والعمق، وبين الطفولة والذكاء، وبين التجريد والإيحاء.

لكن التأثيرات بالنسبة لي ليست قوالب ألتزم بها. هي حوارات بصرية أتعلم منها، ثم أعود إلى تجربتي وبيئتي وذاكرتي لأبحث عن لغتي الخاصة التي ربما لا زالت قيد التطوير بشكل كبير، وهو ما يجعل الفن التشكيلي بالنسبة لي مساحة مثيرة للفضول والدهشة والاعجاب المستمر.

س4: لكم عالم خاص بالألوان، وحضر الأزرق بقوة. ما أسرار هذا التوجه؟

الألوان بالنسبة لي ليست مجرد اختيار جمالي؛ هي لغة ومزاج وذاكرة، وأنا أعتبرها بصمتي ولغتي الأساسية، إذ أشعر بأن تركيبات الألوان الخاصة بي هي أفضل وسيلة أجيد التعبير بها عن نفسي.

والأزرق تحديدًا بدرجاته المختلفة قريب جدًا مني. ربما لأنه يحمل في داخله أشياء كثيرة أحبها: السماء، والماء، والنيل، والبحر، والمسافة، والهدوء، وأحيانًا شيئًا من الحنين.

وفي الوقت نفسه الأزرق ليس لونًا هادئًا دائمًا بالنسبة لي. يمكن أن يكون عميقًا، حادًا، أو حتى مشحونًا بالعاطفة بحسب علاقته بالألوان الأخرى.

أعتقد أنني غالباً ما أستخدم اللون قبل أن أفكر فيه، ربما حسب حالتي الوجودية في اللحظة،وأحيانًاهناك لحظات في العمل أشعر فيها أن اللون هو الذي يقودني، وليس العكس.

س5: حضر الزورق في أكثر من لوحة. هل ثمة خط تواصلي بين الزورق الفرعوني وزورق الصياد؟

نعم، وهذا من الأشياء التي أجدها جميلة في الرمز المصري.

الزورق بالنسبة لي ليس مجرد قارب. هو صورة للحركة والرحلة والعبور، وهو في الوقت نفسه مرتبط جدًا بالهوية المصرية؛ من القارب الذي عرفه المصري القديم إلى مركب الصياد البسيط على النيل أو البحر اليوم.

وأنا دائما ما أجدني منجذبة نحو مشهد الصياد المنهمك بالعمل على مركبه في النيل، أو البحار البسيط على شاطئ البحر، أو حتى مركب صغير في الأفق يشق طريقه من خلال الأمواج، هذه مشاهد متكررة في البيئة المصرية من حولي، وهي تمنحني إحساس بالانتماء وتثير بداخلي شعور بالرضا والفرحة البسيطة.

وعلى الصعيد الفكري أعتقد أن ما يهمني هو هذا الاستمرار الإنساني أكثر من التشابه الشكلي. فالإنسان المصري تغيّر كثيرًا عبر آلاف السنين، لكن فكرة الرحلة والماء والبحث عن الرزق والوصول إلى الضفة الأخرى ما زالت موجودة.

لذلك عندما يظهر القارب في أعمالي، يمكن أن يكون تجسيداً لواقع حقيقي، ويمكن أن يصبح رمزًا للرحلة نفسها.

س6: لوحاتكم تفاعلت وجدانيًا مع المدينة كصوامع وقباب وأزقة ونساء ورجال. ماذا أردتِ قوله تشكيليًا وتعبيريًا؟

المدينة المصرية بالنسبة لي ليست مجرد مبانٍ وشوارع. هي طبقات من الذاكرة والحياة.

القبة، والمئذنة، والكنيسة، والجامع، والبيت، والزقاق، والمرأة، والرجل، والنافذة، وحتى الفراغات بين المباني، كلها أجزاء من مشهد عشته أو رأيته أو شعرت به.

لا أحاول أن أوثق المدينة كما تفعل الكاميرا. أنا أختزلها وأعيد تركيبها كما تستقر في الذاكرة.

لذلك قد نجد العمارة والإنسان في اللوحة وكأنهما يتداخلان؛ لأن المدينة في النهاية هي الإنسان الذي يعيش فيها، والإنسان أيضًا ابن المكان الذي شكّله.

س7: حضور الحرف كبعد زخرفي وتشكيلي، لماذا وكيف وظفتِه؟

الحرف العربي بالنسبة لي يتجاوز وظيفته اللغوية. هو شكل، وإيقاع، وحركة، وطاقة بصرية.

وغالباً ما يجذبني الحرف حتى قبل أن أفكر في معناه. انحناءاته وخطوطه ومساحاته يمكن أن تتحول إلى عنصر تشكيلي مستقل.

لذلك عندما أستخدم الحرف، لا أريد بالضرورة أن يقرأه المتلقي ككلمة أو جملة. قد أريده أن يشعر به أولًا كخط وحركة وإيقاع.

وهنا يصبح الحرف جزءًا من بناء اللوحة، مثلما يصبح اللون أو الشكل جزءًا منها، مع احتفاظه بالطبع بذاكرته الثقافية والهوية التي يحملها.

س8: هل هناك حركة نقدية عربية تواكب التجارب التشكيلية العربية؟

أعتقد أن هناك جهودًا نقدية عربية مهمة، وهناك نقاد وباحثون ومؤسسات ومعارض تقوم بدور حقيقي، لكن المسألة في رأيي تحتاج إلى مساحة أوسع وإلى مجهود أكبر في الارتقاء بالنظرة والثقافة المجتمعية وبحب الناس للجمال.

ونحن في مصر لدينا مجموعة متميزة من رواد الفن التشكيلي المصري الحديث، رجالاً ونساء، بما لهم من تجارب ومدراس خاصة، وهم يقدموا لنا اليوم إلهام وقدوة بشكل مستمر.

وعلى كل حال لا شك أن الفن التشكيلي العربي تطور كثيرًا، وأصبح أكثر تنوعًا وتعقيدًا، بينما ما زلنا في أحيان كثيرة نحتاج إلى خطاب نقدي يواكب هذا التنوع ويقرأ التجارب العربية من داخل سياقاتها، وليس فقط من خلال النظريات والمصطلحات القادمة من الخارج.

وأرى أن الفنان يحتاج دائماً إلى النقد، ليس لكي يحصل على المديح، وإنما لكي يدخل عمله في حوار حقيقي. وأعتقد أننا نحتاج إلى المزيد من هذا الحوار.

س9: المرأة حضرت بدون ملامح، وأنصاف رؤوس، ومكتملة الحضور. لماذا؟

المرأة في أعمالي ليست بالضرورة شخصية محددة. لذلك لا أحتاج دائمًا إلى ملامح الوجه.

أحيانًا يكون غياب الملامح مقصودًا حتى تتحول المرأة من «شخص» إلى حالة أو إحساس أو ذاكرة يمكن أن تتسع لأكثر من امرأة.

وفي أحيان أخرى تكون المرأة حاضرة بجسدها ووضعيتها وحركتها أكثر من حضور وجهها. بالنسبة لي لغة الجسد يمكن أن تقول أحيانًا ما لا يستطيع الوجه أن يقوله.

وأعتقد أن المرأة في تجربتي ليست موضوعًا منفصلًا عن الحياة؛ هي الأم، والابنة، والمرأة التي تحمل ذاكرتها، والمرأة التي تعيش في المدينة، وهي أيضًا رمز للقوة والاحتواء والانتماء.

س10: متى نرى مدرسة عربية تشكيلية مكتملة الملامح والمعالم؟

ربما لا أعتقد أننا نحتاج بالضرورة إلى «مدرسة عربية» بالمعنى التقليدي.

العالم نفسه تغير، والفنان المعاصر يتحرك بين ثقافات وتجارب وصور وأفكار متعددة. لكنني أعتقد أن ما نحتاجه هو أن تتبلور خصوصية عربية معاصرة؛ أن يكون للفنان العربي حضوره وصوته من دون أن ينعزل عن الحركة الفنية العالمية.

لدينا تاريخ بصري هائل، من الحضارات القديمة إلى الخط العربي والفنون الإسلامية والفنون الشعبية والحداثة العربية. لكن التحدي هو ألا نكتفي باستعادة هذه العناصر، بل أن نحولها إلى لغة معاصرة حقيقية.

ربما المدرسة العربية التي نبحث عنها لن تولد من محاولة صنعها، وإنما من تراكم تجارب فنانين عرب كل واحد منهم يبحث بصدق عن لغته الخاصة.

ولكن لا شك أنه عليننا كفنانين عرب أن نخاطب مجتمعنا بالأخص شريحة الشباب، وهي شريحة لها ذوق خاص جداً مرتبط بتعقيدات الواقع الذي تعيشه هذه الأجيال بكل ما فيه من تناقضات وانفتاح وبحث عن الجذور والأصل.

س11: لماذا حتى اليوم لم نرَ لوحة تضاهي الموناليزا أو غيرها؟

لا أعتقد أن المسألة يمكن أن تقاس بهذه الطريقة.

الموناليزا أصبحت استثنائية ليس فقط بسبب اللوحة نفسها، وإنما بسبب تاريخ طويل جدًا من الدراسات والكتابات والمتاحف والقصص والأساطير التي أحاطت بها، وبسبب مكانة Leonardo da Vinci في تاريخ الفن الأوروبي.

هناك أعمال عظيمة جدًا في الفن العربي والمصري، لكن شهرتها وانتشارها العالمي لا يتناسبان بالضرورة مع قيمتها الفنية.

وأنا لا أحب فكرة أن نقيس الفن العربي دائمًا على لوحة أوروبية شهيرة. السؤال بالنسبة لي ليس: لماذا لم نصنع «موناليزا عربية؟» وإنما: هل استطعنا أن ننتج أعمالًا تحمل روحنا وتجربتنا الإنسانية، وتستطيع في الوقت نفسه أن تتحدث إلى العالم؟

وهذا، في رأيي، هو التحدي الحقيقي أمام الفنان العربي اليوم.

  • Related Posts

    دار العرس والبهجة

    قراءة نقدية: خالد سليمان طريق الحرير اليوم ـ تونس ـ ربما لا نبالغ إن قررنا أن فيلم “دار العرس” هو أحد أكثر الأفلام الكوميدية رقيًا التي افتقدتها السينما التونسية منذ…

    من طوقاي إلى طريق الحرير: لقاء القاهرة يفتح آفاقًا جديدة للحوار الثقافي بين روسيا والعالم الإسلامي

    القاهرة – 15 سبتمبر 2026 التقى الدكتور أشرف أبو اليزيد، الأمين العام لمؤتمر الصحفيين الأفارقة ورئيس تحرير سلسلة «إبداعات طريق الحرير» في القاهرة، صباح اليوم، وفدًا من مجموعة الرؤية الاستراتيجية…

    اترك تعليقاً

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *