حكايات من شارعنا: شعرية الحياة اليومية في باريس عبد الرازق عكاشة

عكاشة

قراءة نقدية في لوحات الفنان عبد الرازق عكاشة

بقلم الدكتور أشرف أبو اليزيد

في معرضه الجديد «حكايات من شارعنا»، يدعونا الفنان التشكيلي والروائي والناقد الفني المصري عبد الرازق عكاشة، مؤسس متحف دارنا في مصر، إلى الدخول إلى باريس أخرى، تتجاوز صور البطاقات البريدية المألوفة، ومعالمها الضخمة، والمشاهد السياحية المؤطَّرة بعناية. إنها باريس اللقاءات الحميمية، والإيماءات العابرة، وذكريات الأحياء، والناس العاديين الذين يحوّلون، من حيث لا يشعرون، الشارع إلى حكاية حية؛ وهي المدينة التي عاش فيها الفنان لأكثر من ثلاثة عقود.

من خلال لوحاته، يأخذنا عكاشة إلى الجغرافيا الوجدانية لحيّه الباريسي، ولا سيما شوارع مونمارتر وشارع «دي زابيس» (Rue des Abbesses)، في الدائرة الثامنة عشرة من باريس. هنا، لا يعود الشارع مجرد إطار مكاني، بل يتحول إلى مسرح، ومكان للقاء، وشاهد على الحياة، وامتداد للذاكرة الإنسانية. يبدو كل ركن حاملاً لحكاية، وكل شخصية موحية بسيرة لم تُكتب بعد، وكل لون مشاركاً في تشكيل أجواء حياة تتدفق أمام أعيننا.

الشارع بوصفه حكاية إنسانية

يؤسس عنوان «حكايات من شارعنا» للفكرة المركزية للمعرض: الانتماء. فضمير الملكية «نا» يحوّل الفضاء الحضري العادي إلى بيت مشترك. والشارع لا ينتمي إلى سكانه وحدهم، بل أيضاً إلى الذين يعبرونه، أو يتوقفون على أحد مقاعده، أو يلتقون بجار، أو يجلسون لتناول الطعام. وفي حيّ باريسي بعينه، يكتشف عكاشة تجربة إنسانية تتجاوز حدود المكان.

وتكتسب هذه الرؤية أهمية خاصة لدى فنان مصري فرنسي اتخذ من المشهدين البصري والثقافي لباريس موطناً له. فبدلاً من التعامل مع المدينة باعتبارها موضوعاً خارجياً يراقبه من بعيد، يقترب منها بوصفها فضاءً حميماً امتصّ تفاصيله عبر التجربة اليومية. إنها نظرة الحكّاء الذي يدرك أن أكثر جوانب المدينة كشفاً عن حقيقتها قد تتجلى في لحظاتها العابرة، تلك التي لا تستوقف أحداً في العادة.

ومن هنا، يمكن قراءة اللوحات باعتبارها شذرات مترابطة من رواية حضرية؛ تقدم كل لوحة مشهداً مختلفاً، لكنها جميعاً ترسم صورة حيّ تتداخل فيه الأمكنة المادية والمشاعر الإنسانية باستمرار.

«على باب شارعنا»: الفرد والمدينة

في لوحة «على باب شارعنا»، تبرز الشخصية الإنسانية من خلال ضربات فرشاة قوية ولوحة لونية دافئة ومعبّرة. لا يرسم الفنان الجسد بتفاصيل دقيقة بقدر ما يلمّح إليه، فيما تبدو أشكاله المتكسرة وكأنها تندمج في العمارة المحيطة وأجواء المكان. وتتجاور درجات المغرة والأصفر والأحمر والبني والأزرق، وتتحاور فوق سطح اللوحة، لتمنح المشهد كثافة وجدانية تتجاوز الوصف الحرفي.

ولا تعود الشخصية مجرد صورة لفرد بعينه، بل يمكن قراءتها بوصفها رمزاً لإنسان الشارع، ذلك الذي تمنح إقامته وحضوره المكان هويته. أما الباب، الذي يوحي به العنوان، فيتحول إلى عتبة فاصلة وواصلة بين الحياة الخاصة والفضاء العام، وبين الداخل المألوف والعالم الخارجي المفتوح على المفاجآت.

لا يبدو عكاشة معنيّاً بتجميد موضوعه داخل وضعية رسمية جامدة؛ بل يترك الشخصية تتحرك ضمن الإيقاع البصري للوحة. وتمنح حرية ضربات الفرشاة المشهد إحساساً بالمباشرة، كما لو أن الفنان التقط لحظة عابرة تستحق التسجيل قبل أن تتلاشى.

وهكذا تتشكل صورة للانتماء يبدو فيها الإنسان والمكان كياناً لا ينفصل أحدهما عن الآخر. يكتسب الشارع وجهاً بشرياً، فيما تصبح الشخصية جزءاً من ذاكرته الممتدة.

«الجلوس على الدكة في مواجهة المترو»: فن الانتظار

قد يكون المقعد أحد أبسط الأشياء في المدينة، لكنه يتيح موقعاً استثنائياً لمراقبة الحياة. وفي لوحة «جلست على الدكة في مواجهة المترو»، يتحول فعل الجلوس إلى إيماءة فنية وفلسفية.

فالجلوس يعني، في أحد وجوهه، تعليق الحركة. تستمر المدينة في عجَلتها من حولنا، ويتوافد المسافرون جيئة وذهاباً، ويحمل المترو الناس إلى وجهات لا يعرفها المراقب. أما الجالس على المقعد، فيشغل لحظة تقع خارج الإيقاع المتسارع للمدينة. وهكذا يصبح الانتظار شكلاً من أشكال الانتباه.

وتوحي المعالجة الحيوية للون والشكل في اللوحة بأن السكون لا يعني بالضرورة الصمت. فحتى حين يستريح الجسد، تظل العين يقظة، تجمع الانطباعات وترصد حركة العالم المحيط. ويتحول المقعد إلى مرصد متواضع يتأمل منه الفنان المسرح الإنساني المنفتح أمامه.

وللمشهد أيضاً بُعد أدبي واضح؛ فصيغة المتكلم في العنوان تجعل اللوحة أقرب إلى شهادة شخصية مقتطعة من تجربة معيشة. لسنا أمام مقعد نراه فحسب، بل أمام دعوة إلى احتلال موقع الفنان، ومشاركته لحظة التوقف، واختبار المدينة من خلال فعل الرؤية لديه.

بهذا المعنى، يحوّل عكاشة شيئاً عادياً من أشياء المدينة إلى مساحة للتأمل. ويذكّرنا بأن المدن لا تكشف أسرارها لمن يعبرونها فحسب، بل أيضاً لمن يتوقفون فيها وقتاً كافياً كي يتأملوا تفاصيلها.

«عشاء في شارع موفتار، باريس»: دفء الحياة المشتركة

في لوحة «عشاء في شارع موفتار، باريس»، ينتقل عكاشة من التأمل الفردي إلى التجربة الجماعية. تتجمع الشخصيات داخل تكوين نابض بالحيوية، تهيمن عليه درجات الأحمر والبرتقالي والأصفر والألوان الترابية العميقة. وتبدو الألوان وكأنها تنساب فوق سطح اللوحة، فتذيب الحدود الصارمة وتخلق أجواءً من الحركة والدفء والتقارب الاجتماعي.

لا تظهر الشخصيات هنا بوصفها صوراً فردية معزولة؛ إذ تتقدم العلاقات والإيماءات والحضور المشترك على مسألة التعرف إلى كل شخصية على حدة. ويوحي التكوين بأن تناول الطعام معاً ليس مجرد ضرورة حياتية، بل طقس اجتماعي يؤكد من خلاله الناس روابطهم بعضهم ببعض، وعلاقتهم بالمكان الذي يعيشون فيه.

كما تقاوم المعالجة التعبيرية للشخصيات النزعة التوثيقية التي تسعى إلى تسجيل التفاصيل بدقة محايدة. فبدلاً من إعادة إنتاج كل تفصيلة في مائدة الطعام أو مشهد الشارع، يلتقط عكاشة حرارته الوجدانية. وتعبّر كثافة الألوان عن شيء من التجربة ذاتها: دفء الحديث، وحيوية الأجساد، ومتعة الوجود بين الآخرين.

ويتحول الطعام، في هذا السياق، إلى لغة من لغات الانتماء. ففي مختلف الثقافات، تستطيع مائدة مشتركة أن تحوّل الغرباء إلى رفاق، وأن تجعل الشارع العام امتداداً للبيت. ومن ثم، تتجاوز اللوحة موقعها الباريسي لتلامس طقساً إنسانياً مألوفاً يصل بين المجتمعات المختلفة.

لا يعود شارع موفتار مجرد إشارة جغرافية، بل يصبح فضاءً تكتسب فيه الحياة الحضرية طابعاً حميماً. فالمدينة تُختبر بالحواس، وبالقرب الإنساني، وبالمتعة البسيطة الناجمة عن تقاسم الوقت والطعام.

«شارعنا ــ شارع دي زابيس، مونمارتر»: صورة للانتماء

في لوحة «شارعنا»، يستكشف عكاشة الحيّ من خلال مفردات بصرية مختلفة. تصنع درجات الأزرق القوية والأخضر المضيء ولمسات الأصفر تبايناً لافتاً، بينما تقترب الأشكال المبسطة لأثاث الشارع والعناصر المحيطة من التجريد. وتظل الأشياء قابلة للتعرّف، لكن هويتها تتشكل بقدر ما من اللون والإيقاع، وبقدر أقل من الوصف المادي المباشر.

ويُعد هذا التحول مفتاحاً لفهم الرؤية الفنية لدى عكاشة. فهو لا يكتفي باستنساخ المظهر الخارجي لشارع دي زابيس، بل يعيد بناء تجربة العيش فيه. وهكذا يصبح الشارع مشهداً شخصياً تشكّله الذاكرة والمزاج واللقاءات المتكررة.

وتؤسس الخلفية الزرقاء المكثفة أجواءً تبدو حضرية وحلمية في آن واحد. وفي مواجهتها، تمنح الأشكال الخضراء التكوين مرتكزاً بصرياً، إذ توحي بالأشياء اليومية التي تجعل الحيّ مألوفاً لأهله. ولا تنبع أهمية هذه الأشياء من فخامتها، بل من تكرار حضورها؛ فهي تفاصيل نصادفها يوماً بعد يوم، حتى تصبح جزءاً من خريطتنا الداخلية للبيت والمكان.

أما العنوان نفسه، فيحمل دلالة كاشفة. فمن خلال تسمية الشارع وتحديد موقعه في مونمارتر، باريس 75018، يمنح عكاشة اللوحة هوية جغرافية دقيقة. لكن عبارة «شارعنا» تنقل العمل، في الوقت نفسه، إلى ما وراء حدود الجغرافيا؛ فهي تعبر عن رابطة وجدانية تتكون عبر الحضور والتجربة والمعايشة.

وهكذا تحتل اللوحة مساحة خصبة بين الواقع والمتخيّل. فموقعها محدد، لكن معناها العاطفي يتجاوز المكان. وكل من تعلّق بشارع أو مقهى أو زاوية مألوفة أو مقعد في أحد الأحياء يستطيع أن يتعرف فيها على شيء من تجربته الخاصة.

بين التشكيل والأدب

لعل أحد أكثر جوانب معرض «حكايات من شارعنا» إثارة للاهتمام هو الحوار بين الممارسة التشكيلية لدى عكاشة ومخيلته الأدبية. فبصفته فناناً تشكيلياً وروائياً، يبدو أنه يقترب من سطح اللوحة بغريزة الحكّاء الذي يعرف كيف يبني المشاهد، ويستحضر الشخصيات، ويصنع الأجواء.

تؤدي العناوين وظيفة تشبه بدايات القصص القصيرة؛ فهي تحدد مكاناً، أو تقدم موقفاً، أو تلمّح إلى لقاء، ثم تترك للمشاهد أن يتخيل ما سبق اللحظة المصوّرة وما يمكن أن يأتي بعدها. لذلك تقاوم اللوحات الوصول إلى نهاية مغلقة؛ فهي ليست حكايات مكتملة بقدر ما هي دعوات إلى مواصلة السرد في الخيال.

وتعزز ضربات الفرشاة التعبيرية هذه الطبيعة المفتوحة. فكثيراً ما تُلمَّح الأشكال بدلاً من تحديدها بالكامل، فيما تحمل الألوان المتباينة دلالات وجدانية لا يمكن اختزالها في وصف حرفي. وتحافظ اللوحات على عفوية اللقاء، وتتيح للمشاهد أن يعيش المشهد بدلاً من الاكتفاء بفك شفراته البصرية.

هنا تلتقي هوية عكاشة الأدبية بهويته التشكيلية. فالروائي يبني عالماً بالكلمات، بينما يشيد الفنان عالماً بالألوان والإيماءات والتكوين. وتعتمد الممارستان على الانتقاء والإيقاع والقدرة على منح اللحظة العادية صدى يتجاوز حدودها المباشرة.

وهكذاىيمثل معرض «حكايات من شارعنا» في جوهره دعوة إلى إعادة النظر في الطريقة التي نتأمل بها الأماكن التي نسكنها. فعبد الرازق عكاشة لا يبحث عن القيمة الفنية في الصورة الضخمة لباريس، بل في نسيجها الإنساني اليومي: شخصية تقف عند باب، وإنسان يجلس في مواجهة المترو، وأشخاص يتشاركون العشاء، وتفاصيل مألوفة من شارع في أحد أحيائها.

عبر هذه اللوحات، تتحول المدينة إلى مستودع للتجارب المعيشة. فلا تعود الشخصيات والأشياء مجرد موضوعات للرسم، بل شذرات من حكاية إنسانية أوسع، تجمع بينها الذاكرة واللون والعلاقة الحميمة بين الإنسان والمكان.

لذلك، ليست باريس عكاشة مدينة غريبة تماماً، ولا مدينة فرنسية خالصة في حدود صورتها التقليدية. إنها باريس كما اختبرها فنان مصري بحساسيته الخاصة، وصاغتها لقاءات الثقافات، والرغبة الإنسانية المشتركة في العثور على الألفة وسط اتساع المدينة الحديثة.

ولعل أعمق ما تحققه هذه اللوحات يكمن في تواضع موضوعاتها. فهي تذكّرنا بأن تاريخ المكان لا يُكتب في معالمه الكبرى وحدها، ولا يُحفظ في أرشيفاته الرسمية فحسب؛ بل تصونه أيضاً الإيماءات الصغيرة للحياة اليومية، والمقاعد التي يتوقف عندها الناس، والموائد التي يلتفون حولها، والشوارع التي يتعلمون، بمرور الوقت، أن ينادوها باسمهم.

يصبح الشارع بيتاً حين تتراكم فيه الذكريات. وحين يحوّل الفنان تلك الذكريات إلى صور، تنفتح التجربة الخاصة على العالم.

من خلال «حكايات من شارعنا»، يجعل عبد الرازق عكاشة الحيّ الباريسي نقطة التقاء بين التشكيل والأدب، وبين الذاكرة الفردية والتجربة الجماعية، وبين الهوية الخاصة للمكان والإنسانية المشتركة التي تمنحه معناه.

فالشارع، بين يدي عكاشة، ليس مجرد شارع؛ إنه حكاية لا تكف عن التجلي.

Related Posts

POET AND THE WAR

Pokhrelian Stanzas  #pokhreliknots (Pattern 3-4-5-5-4-3) by Santosh Kumar Pokharel I live large Larger than life Know how to survive Living, I have learned All my egos burned As I charge Food and bed Shed overhead What more does one need For what was I made? Ponder these days What led me? Live life free Life is a spree Peace, as you call it, Is dead, you agree? I’m fine; all die Leave me free They pled peace Nations turned deaf Many are yours  gone Vain you why bemoan My heart burns low Still winds blow Earth may heal If hearts yet kneel Green waits beneath dust…

Tales from Our Streets: The Poetry of Everyday Life in Abdel Razek Okasha’s Paris

A Critical Reading of Paintings by Abdel Razek Okasha By Dr. Ashraf Aboul-Yazid In his new exhibition, Tales from Our Streets , the Egyptian artist, novelist, and art critic Abdel…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *