
سلسلة إبداعات طريق الحرير تحتفي بالتجربة المصرية في الفنون التشكيلية والأدب والنقد، وتمنح جائزتها لفنان ومبدع جمع بين الصورة والكلمة، وجعل من الحوار الثقافي جسراً للتواصل بين الشعوب.
في خطوة جديدة تعزز حضور الإبداع المصري في المشهد الثقافي الدولي، فاز الفنان التشكيلي والروائي والناقد الفني العالمي عبد الرازق عكاشة بجائزة البردي الذهبية، التي تمنحها سلسلة إبداعات طريق الحرير، تقديراً لمسيرته الإبداعية المتعددة، وإسهاماته في الفنون البصرية والأدب والنقد، ودوره في مد جسور التواصل الثقافي بين مصر والعالم.
وبهذا التكريم، ينضم عكاشة إلى قائمة من المبدعين والشخصيات الثقافية العالمية الذين حظوا بالجائزة، ليصبح أول مصري ينال البردي الذهبي ضمن هذه القائمة الدولية، في احتفاء يحمل دلالة خاصة، إذ تعود الجائزة إلى رمز مصري عريق ارتبط بتاريخ الكتابة وحفظ المعرفة وانتقال الثقافة بين الأجيال.
ويأتي هذا الفوز امتداداً لرسالة سلسلة إبداعات طريق الحرير، التي انطلقت عام 2016 بمبادرة من الكاتب والشاعر والمترجم المصري الدكتور أشرف أبو اليزيد، بهدف التعريف بالأدب العالمي من خلال النشر والترجمة، وتعزيز الحوار بين الثقافات الآسيوية والأفريقية والأوروبية وسائر ثقافات العالم.

جائزة تستلهم حضارة مصر وتحتفي بالإبداع الإنساني
أُطلقت جائزة البردي الذهبية لأدب طريق الحرير عام 2026، مستلهمةً رمزيتها من البردي المصري، أحد أقدم الوسائط التي استخدمتها الإنسانية في تدوين المعرفة وحفظ النصوص ونقل الأفكار عبر الزمن.
وتحمل الجائزة أبعاداً تتجاوز التكريم الفردي؛ فهي تعبر عن الإيمان بأن الأدب والفنون ليسا ملكاً لثقافة واحدة، بل يمثلان إرثاً إنسانياً مشتركاً، وأن الإبداع قادر على تجاوز الحدود الجغرافية واللغوية، وبناء مساحات للتفاهم بين الشعوب.
وتتخذ الجائزة هيئة بردية ذهبية تحمل اسم المكرَّم، في صيغة رمزية تجمع بين الذاكرة والحكمة واستمرار المعرفة، وتستحضر الدور التاريخي للحضارة المصرية في تطور الكتابة والثقافة الإنسانية. كما تستلهم دلالاتها من حورس، بما يرتبط به من رموز الحكمة والرؤية والحماية.
وكانت الانطلاقة الأولى للجائزة بتكريم ثلاث شخصيات دولية بارزة، هي الشاعر الصيني تشاو شوي، صاحب مشروع حركة الشعر العظيم، والأستاذ وانغ فانغ ون، الذي أسهم في تطوير شعرية طريق الحرير وتعزيز الحوار الثقافي، والشاعر والسياسي الكازاخي أولوجبيك يسداولت، تقديراً لمسيرته الأدبية والثقافية.

ثم اتسعت قائمة المكرَّمين لتشمل أسماء من سوريا والسعودية وكينيا، إلى جانب أدباء وشعراء من روسيا ومنغوليا ومنغوليا الداخلية، في تجسيد للتنوع الجغرافي والثقافي الذي تسعى الجائزة إلى الاحتفاء به.
ويأتي انضمام عبد الرازق عكاشة إلى هذه القائمة ليضيف إليها اسماً مصرياً يجمع بين الإبداع التشكيلي والكتابة الأدبية والنقد الفني، ويمنح الجائزة امتداداً جديداً نحو الفنون البصرية، في تلاقٍ بين الصورة والكلمة.
عبد الرازق عكاشة.. رحلة إبداع بين القاهرة وباريس
وُلد عبد الرازق سعد عكاشة في 18 أبريل 1968 بمحافظة المنوفية، وبدأ رحلته في الفنون من خلال دراسة التصوير الزيتي بكلية الفنون الجميلة بالقاهرة، ضمن الدراسات الحرة بين عامي 1985 و1991، كما درس النقد بكلية الإعلام في جامعة القاهرة، وواصل اهتمامه بالفلسفة الفنية وتاريخ التصوير من خلال دراساته في جامعة سان دوني بباريس، إلى جانب دراسته فنون الجرافيك.
ومنذ بداياته، لم يحصر عكاشة تجربته في ممارسة الفن التشكيلي، بل اتجه إلى النقد والبحث في الفنون البصرية، واشتغل بالصحافة الثقافية والتحرير، جامعاً بين التجربة العملية في المرسم والقراءة النقدية للأعمال الفنية والمدارس الجمالية.
وفي عام 1992، اتخذ من باريس محطة رئيسية في رحلته، لتتسع تجربته عبر الاحتكاك بالمشهد الفني الأوروبي، والانخراط في الفعاليات والمعارض الدولية، مع الاحتفاظ بصلته بمصر وقضايا فنانيها.
وشكلت هذه الرحلة مساحة للتفاعل بين مرجعياته المصرية والعربية وبين التيارات الفنية العالمية، في تجربة تتعامل مع الفن بوصفه لغة قادرة على التعبير عن الإنسان وهمومه وأسئلته، بعيداً عن الحواجز الجغرافية والثقافية.
فنان تشكيلي يحمل ذاكرة مصر إلى العالم
تتميز تجربة عكاشة التشكيلية باهتمامها بالإنسان وتناقضات الحياة المعاصرة، وبالعلاقة بين الذاكرة والهوية والاغتراب. ويظهر في أعماله التعبيرية اهتمام واضح بالجسد الإنساني، وحركة الخطوط، والتوترات اللونية، وما تحمله الوجوه والأشكال من مشاعر القلق والألم والأمل.
كما تتصل تجربته بجذوره المصرية، وبما تختزنه الذاكرة الحضارية من رموز وصور، في حوار مع أساليب الفن الحديث واتجاهاته المختلفة.
ولم يكن انتقاله إلى باريس انقطاعاً عن وطنه، بل تحول إلى فرصة لبناء جسور بين الفنانين والمؤسسات الثقافية على ضفتي المتوسط.
وفي هذا السياق، شارك عكاشة في أنشطة فنية ونقدية متعددة، وعمل على تقديم تجارب فنانين مصريين وعرب إلى الجمهور الأوروبي، كما أسهم في مبادرات للحوار الثقافي والتعاون الفني بين مصر وفرنسا ودول عربية أخرى.
وقد شغل عضوية مجلس إدارة صالون الخريف الفرنسي، المؤسسة الفنية العريقة التي يعود تاريخها إلى عام 1905، وشارك في مسارات فنية ومعارض دولية، من بينها فعاليات في فرنسا وتونس والإمارات العربية المتحدة.
وتوثق سيرة الفنان المنشورة على موقع قطاع الفنون التشكيلية المصري جوانب من دراسته وعضوياته ومعارضه، كما تسجل عدداً من الجوائز والتكريمات التي حصل عليها محلياً ودولياً.
من اللوحة إلى الرواية.. الإبداع بوصفه قراءة للمجتمع
لا تتوقف تجربة عبد الرازق عكاشة عند حدود اللوحة، إذ امتدت إلى الكتابة الأدبية والنقدية، ليصبح من المبدعين الذين يتنقلون بين الفنون البصرية والسرد الروائي والبحث في تاريخ الفن وتجارب الفنانين.
وفي الرواية، يتخذ المجتمع المصري بما يحمله من تحولات وتناقضات مجالاً للتأمل والمعالجة. وتبرز روايته «الشرابية» بوصفها مثالاً على اهتمامه بالقضايا الاجتماعية، من خلال تناول حي شعبي وشخصياته وتحولاتها، وربط الحكايات المحلية بأسئلة أوسع تتعلق بالوطن والسلطة واستغلال الدين والهجرة والثورة.
وفي النقد الفني، اهتم عكاشة بتوثيق تجارب الفنانين وقراءة عوالمهم الإنسانية، ولم يقتصر على تحليل الأساليب والتقنيات، بل سعى إلى استكشاف الظروف الاجتماعية والنفسية والثقافية التي أسهمت في تشكيل مساراتهم الإبداعية.
ومن بين هذه الأعمال كتاباته عن الفنان المصري سمير رافع، التي تناولت جوانب من حياته الفنية والإنسانية وتجربته في الغربة، في محاولة لتقريب تجربة الفنان إلى القارئ، بعيداً عن المصطلحات الفنية المعقدة.
وهكذا، تتكامل في تجربته ثلاث دوائر إبداعية: اللوحة التي تقدم رؤيته بصرياً، والرواية التي تستكشف الإنسان في محيطه الاجتماعي، والنقد الذي يقرأ الفن ويوثق تجاربه ويضعها في سياقاتها التاريخية والثقافية.
وهذا التنوع يمنح تكريمه بجائزة البردي الذهبية دلالة تتجاوز الاعتراف بإنجاز فني منفرد، ليشمل تجربة متعددة المسارات تتفاعل فيها الفنون مع الأدب والفكر.
البردي الذهبي.. من مصر القديمة إلى الحوار الثقافي المعاصر
يحمل فوز عكاشة بالجائزة رمزية مصرية خاصة؛ فالبردي الذي تستلهم منه الجائزة اسمها وهويتها ليس مجرد مادة تاريخية، بل علامة على إسهام الحضارة المصرية في تطوير وسائل حفظ المعرفة وتداولها.
ومن خلال اختيار هذا الرمز، تسعى سلسلة إبداعات طريق الحرير إلى وصل الذاكرة الحضارية بالإبداع المعاصر، وإعادة تقديم الموروث الثقافي باعتباره مصدراً للحوار والتجدد، لا مجرد أثر من الماضي.
وتتلاقى هذه الفكرة مع طبيعة تجربة عكاشة نفسه؛ فهو فنان مصري ارتبط اسمه بمسارات فنية دولية، واستفاد من إقامته وعمله في باريس في تطوير علاقاته بالمؤسسات والفنانين، مع استمرار اهتمامه بالفن المصري والعربي.
ويمنح تكريمه فرصة لإبراز قدرة المبدع على الانتقال بين الثقافات دون التخلي عن جذوره، وعلى التعامل مع التراث بوصفه طاقة إبداعية قابلة لإعادة القراءة والتعبير.
كما يعزز هذا الاختيار انفتاح الجائزة على مجالات إبداعية تتجاوز الأدب بمعناه الضيق، لتشمل شخصيات تتجلى في أعمالها الصلات بين الفنون والكتابة والفكر والحوار الحضاري.
أول مصري في قائمة المكرَّمين.. إضافة جديدة إلى مسيرة الجائزة
يمثل فوز عبد الرازق عكاشة محطة جديدة في مسيرة جائزة البردي الذهبية، التي تسعى إلى تكوين قائمة دولية من المبدعين الذين أسهموا في إثراء ثقافاتهم وتعزيز التواصل بين الشعوب.
فبعد أسماء أدبية وثقافية من الصين وكازاخستان ودول أخرى في آسيا وأفريقيا وأوروبا، يأتي عكاشة بوصفه أول مصري ينضم إلى هذه القائمة، حاملاً تجربة تتوزع بين الفن التشكيلي والرواية والنقد.
وتنبع أهمية هذا الاختيار من اجتماع ثلاثة مسارات في تجربة واحدة؛ فالفنان يعيد تشكيل العالم بالصورة واللون، والروائي يستكشف علاقات الإنسان بالمجتمع، والناقد يقرأ التجارب الإبداعية ويوثق تحولات الفن وأسئلته.
وبذلك، لا يقتصر التكريم على مسيرة فنان تشكيلي، بل يحتفي بتعدد أدوات التعبير وقدرتها على إنتاج معرفة جمالية وإنسانية مشتركة.
ومن جانبها، تواصل سلسلة إبداعات طريق الحرير، التي تحتفل بعامها العاشر في 2026، مشروعها القائم على النشر والترجمة وتوسيع دوائر التعارف الأدبي والثقافي، انطلاقاً من أن طريق الحرير لم يكن ممراً للتجارة فحسب، بل فضاءً تاريخياً لتبادل الأفكار والرؤى والتقاليد الفنية.
ويأتي فوز عكاشة ليؤكد اتساع هذا المشروع، الذي يجمع بين الاحتفاء بالمبدعين العالميين وإبراز التجارب الوطنية التي تحمل في داخلها قدرة على التواصل مع العالم.
إن انضمام عبد الرازق عكاشة إلى قائمة الحاصلين على البردي الذهبي يضيف اسماً مصرياً إلى سجل الجائزة الدولي، ويعيد التأكيد على فكرة أساسية تتبناها سلسلة إبداعات طريق الحرير: أن الإبداع الحقيقي لا يتوقف عند حدود لغة أو جغرافيا أو وسيط فني، بل يجد طريقه إلى الآخرين حين يتحول إلى جسر بين الذاكرة والخيال، وبين هوية الفنان والإنسانية المشتركة.
—





