«رش الملح».. الدكتور عبد الفتاح مطاوع يستعيد ذاكرة المكان ودفء الحكايات الإنسانية

صدر حديثًا عن دار الناشر للنشر والتوزيع والإعلان كتاب «رش الملح»، للدكتور عبد الفتاح مطاوع، في مجموعة قصصية وحكائية تستعيد تفاصيل الحياة المصرية، وتحتفي بذاكرة المجتمع وعاداته وتقاليده، وتعيد اكتشاف الجمال الكامن في أحداث تبدو عادية، لكنها تحمل في أعماقها ملامح زمن كامل.

في كتابه الجديد «رش الملح»، يفتح الدكتور عبد الفتاح مطاوع نافذة على عالم تتجاور فيه الذاكرة الشخصية مع الذاكرة الجمعية، وتتحول التفاصيل اليومية إلى مادة أدبية نابضة بالحياة. إنه عالم يستمد جماله من بساطة الناس، وخصوصية الأماكن، وغرابة بعض العادات، وما تختزنه الحكايات القديمة من صور إنسانية وثقافية لا تزال قادرة على استثارة الدهشة واستعادة الحنين.

ومنذ الحكاية التي تحمل اسم الكتاب، يستحضر المؤلف مشهدًا من ماضي الحياة المصرية، حين كان الحاج رمضان، بملامحه المميزة وطربوشه الأحمر وشاربه الكبير المبروم، يمارس عمله في طهارة الأطفال. وعلى الرغم من التغيرات الاجتماعية التي أعقبت ثورة يوليو 1952، وما صاحبها من تغير في مظاهر الحياة والألقاب، ظل الطربوش حاضرًا في هيئة الرجل، وكأنه علامة شخصية تقاوم تبدل الأزمنة.

ولا يكتفي المؤلف بوصف الشخصية، بل يرسم المشهد المحيط بها بعين تلتقط التفاصيل الدقيقة: المعطف الأبيض الذي يرتديه الحاج رمضان ومساعده، والطاولة الصغيرة المرتفعة، والزجاجات المصفوفة على الأرفف خلفه، والأمهات اللاتي ينتظرن دور أطفالهن، والمساعد الذي ينظم حركة الانتظار في الشارع.

إنها صورة سردية تستعيد ملامح من الحياة اليومية في الماضي، وتقدم للقارئ مشهدًا تتداخل فيه العادات الاجتماعية مع تفاصيل المهنة الشعبية، فيتحول الوصف إلى شهادة على زمن مختلف، كانت له أدواته وطقوسه وشخصياته التي لا تزال حاضرة في ذاكرة من عاشوه أو سمعوا حكاياته.

من التفاصيل العابرة إلى الحكاية الأدبية

تقوم تجربة «رش الملح» على التقاط ما قد يمر أمام العين دون أن يستوقفها طويلًا؛ فالمؤلف لا يبحث بالضرورة عن الأحداث الاستثنائية، بقدر ما ينقب في الحياة نفسها عن عناصر تستحق الحكي. وقد تكون هذه العناصر عادة اجتماعية، أو شخصية غير مألوفة، أو موقفًا عابرًا، أو ذكرى تستعيد ملامح مجتمع في مرحلة تاريخية معينة.

وهنا تتجلى خصوصية الكتاب؛ إذ لا تبقى التفاصيل التي يلتقطها قلم الدكتور عبد الفتاح مطاوع مجرد صور قديمة أو وقائع مألوفة، بل يعيد تشكيلها داخل نسيج حكائي يمنحها حياة جديدة. فالمشهد الذي يبدو بسيطًا في ظاهره قد يصبح مدخلًا إلى فهم طبيعة العلاقات الاجتماعية، أو اكتشاف جانب من الثقافة الشعبية، أو استعادة شعور إنساني ارتبط بمكان أو شخص أو مرحلة من العمر.

وتمنح هذه المقاربة الحكايات طابعًا حميميًا، يجعل القارئ قريبًا من عوالمها، وكأنه لا يقرأ عن أشخاص وأماكن بعيدة، بل يستعيد شيئًا من ذاكرته الخاصة، أو يكتشف جانبًا من تاريخ المجتمع الذي لم تدونه الكتب الرسمية بالضرورة.

الريف والمدن الصغيرة والعالم في مرآة الحكايات

لا تنحصر عوالم الكتاب في الريف المصري، بل تمتد إلى المدن المصرية الصغيرة، وصولًا إلى مدن العالم التي زارها المؤلف أو سافر إليها للدراسة والعمل. ويكشف هذا الامتداد عن أفق يتجاوز حدود المكان الواحد، دون أن يتخلى عن خصوصية التجربة المحلية وثراء تفاصيلها.

فالكاتب ينظر إلى العادات والتقاليد بوصفها جزءًا من حياة الناس وذاكرتهم، لا مجرد مظاهر خارجية. ومن خلال التقاط ما هو جميل وجليل ونبيل، إلى جانب ما هو غريب وعجيب، يفسح المجال أمام تنوع التجربة الإنسانية، حيث تتجاور المألوفات مع المفاجآت، وتتعدد صور الحياة بتعدد البيئات والثقافات.

وفي هذا السياق، تكتسب الحكاية قيمتها من قدرتها على حفظ ما قد يتعرض للنسيان؛ فالعادات التي كانت سائدة في الماضي، والشخصيات التي ارتبطت بها، والطقوس التي نظمت تفاصيل الحياة اليومية، جميعها تمثل مكونات من الذاكرة الثقافية للمجتمعات.

ولا يعني استدعاء هذه الذاكرة الاكتفاء بالحنين إلى الماضي، بل إعادة النظر فيه واكتشاف ما يحمله من دلالات إنسانية واجتماعية، فضلًا عن تسجيل التحولات التي طرأت على حياة الناس وأشكال تعبيرهم عن أنفسهم.

«رش الملح».. احتفاء بإنسانية الحكاية

يمثل كتاب «رش الملح» احتفاءً بفن الحكاية بوصفه وسيلة لاستعادة التفاصيل المنسية وإعادة الاعتبار إلى التجارب اليومية. فالأدب، في أحد أوجهه المهمة، لا يولد من الأحداث الكبرى وحدها، بل قد يبدأ من مشهد صغير، أو ملامح وجه، أو عادة قديمة، أو موقف عابر يختزن وراءه عالمًا كاملًا من المعاني.

ومن خلال هذا المنظور، يقدم الدكتور عبد الفتاح مطاوع مادة حكائية تستمد قوتها من قربها من الحياة، ومن قدرتها على تحويل المألوف إلى موضوع للتأمل والإبداع. فالأشياء القديمة لا تفقد قيمتها لمجرد أن الزمن تجاوزها، والشخصيات التي غابت عن المشهد لا تختفي تمامًا ما دامت الذاكرة قادرة على استحضارها، وما دام السرد قادرًا على منحها حياة أخرى.

ويأتي صدور «رش الملح» عن دار الناشر للنشر والتوزيع والإعلان ليضيف عملًا جديدًا إلى المكتبة القصصية، يستكشف العلاقة بين الإنسان وذاكرته، وبين العادات التي تشكل ملامح المجتمع والحكايات التي تحفظ أثرها عبر الأجيال.

إنه كتاب ينطلق من تفاصيل تبدو عادية، لكنه يراهن على أن وراء كل تفصيل حكاية، ووراء كل حكاية إنسانًا، ووراء الإنسان ذاكرة تستحق أن تُروى.

  • Related Posts

    A Book to Reclaim the Passion for Literature

    By Amine Martah Abdeljalil Lahjomri’s Les Compagnons indociles (The Rebellious Companions), published by Gallimard, celebrates literature while challenging the habits and certainties of the literary world. In the hands of…

    عبد الرازق عكاشة يفوز بجائزة البردي الذهبية.. أول مصري ينضم إلى قائمة أيقونات الإبداع العالمي

    سلسلة إبداعات طريق الحرير تحتفي بالتجربة المصرية في الفنون التشكيلية والأدب والنقد، وتمنح جائزتها لفنان ومبدع جمع بين الصورة والكلمة، وجعل من الحوار الثقافي جسراً للتواصل بين الشعوب. في خطوة…

    اترك تعليقاً

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *