سلسلة: رسائل سنغالية جديدة تصدرها دار لارماتان بالسنغال
قراءة في رواية (لغة البربر) يكتبها الاديب خليل ديالو

هناك كتبٌ تحمل أرضها كما يحمل الجسدُ جلده. وهذا الكتاب واحدٌ منها. فمنذ الصفحات الأولى تفرض مدينة سانت لويس في السنغال حضورها ببداهة تكاد تكون حسّية: شارع الكابتن توماس في حيّ سانتيابا، ملحُ الهواء الممتزج بروائح السمك المجفف، والزوارق الخشبية التي تعود من البحر… أو لا تعود. لا يصف فارا نجاياي المكان فحسب، بل يسكنه، ويُدخلنا إليه بلا مقدمات. أما لسان البربر — ذلك الشريط الرملي الضيق العالق بين الأطلسي ونهر السنغال — فيتحول إلى ما هو أكثر من مجرد خلفية للأحداث؛ إنه حالة وجودية، يكاد يغدو استعارةً لحياة أولئك الذين يعيشون على تخوم كل شيء.
نْزوري فتى في الثالثة عشرة من عمره. يعيش في سانتيابا بين أبٍ متقاعدٍ من التعليم، صارمٍ إلى حد الاستبداد، وأمٍ خاضعةٍ تحبّ بصمت أولئك الذين يعرفون أن الألم لا يُسمّى. ومن حول هذه الطفولة المراقَبة يتكشّف مأساة أوسع: عشرة صيادين اختفوا في البحر. قارب الأب أسان، الذي غادر يوم الخميس الحادي والعشرين من يوليو، لم يعد. وهكذا يدور الحيّ بأسره حول هذا الغياب، كما تعلّم منذ أجيال أن يدور حول كل الغيابات.
هذا السرد المزدوج يشكّل بنية الرواية لا عبر تناوبٍ آلي، بل عبر تراكبٍ طبيعي؛ حيث تتقاسم الحكايتان السماء نفسها، والرمل نفسه، والقدر ذاته من الصبر المشدود.
العنوان في ذاته وعدٌ وسؤال. «لغة البربر» — أيّ لغة يقصد؟ أهي الفرنسية التي فرضها الاستعمار؟ أم لغة الولوف التي تتسلل في النص بلا إنذار، بلا ترجمةٍ متعالية؟ أم لغة القرآن المحفوظة تحت تهديد السوط، تُتلى دون أن تُفهَم؟ يختار فارا نجاياي ألا يختار، وهذه المفارقة هي الحركة الأدبية المركزية في الكتاب. أما «البربر» فهم في كل مكان: سفن الصيد الأجنبية التي تدمّر المياه الإقليمية، والسياسي الذي يأتي ببدلته ليحوّل الألم إلى منبر، بل حتى المعلم القرآني الذي يجلد الأطفال حتى الإغماء، والأب الذي يصفع ابنه لأنه فوّت صلاة. هنا لا تُعرَّف البربرية بوصفها صفةً للآخر، بل بوصفها نسيج الحياة اليومية نفسها.
أول ما يلفت القارئ هو البنية المتعددة الأصوات في الرواية. فمقالات صحفية مدرجة في متن السرد، ويوميات مهاجر، ونداءات أهالي الضحايا — كلها أصوات تؤكد أن هذه المأساة لا يمكن أن تُروى من منظور واحد. إلى جانب ذلك، ثمة دقة سوسيولوجية عميقة تُعرض دون خطابٍ تعليمي. يعرف فارا نجاياي أن بيوت سانتيابا بلا أرقام، وأنها تُعرَف بأسماء أشهر سكانها. يعرف اقتصاديات الشاطئ الصغيرة، وتقاسم السمك بين الشيوخ والأطفال حين يكون الصيد وفيرًا. هذا الإدراك يغذي الرواية دون أن يثقلها. أما شخصية الفيلسوف المجنون — الأستاذ السابق الذي حطمته جريمة اغتيال زوجته الصحفية في مالي — فهي واحدة من أجمل إنجازات الرواية؛ إذ كان يمكن أن تبقى مجرد صورة نمطية للمجنون الذي يقول الحقيقة، لكنها تتجاوز ذلك.
أما معالجة العنف فتأتي بالاقتصاد ذاته؛ فمشهد العقاب الذي يوقعه الشيخ في مدرسة القرآن يُروى ببرودةٍ سردية تشكّل إدانةً في ذاتها، دون وعظٍ مباشر أو غضبٍ مفتعل.
ومع ذلك، فإن القراءة الصادقة التي يفرضها تقدير موهبة فارا نجاياي تقتضي الإشارة إلى التحفظ الوحيد الممكن: فـ«لغة البربر» تحاول أن تحتضن أكثر مما ينبغي. فالهجرة غير النظامية، وتآكل السواحل، والفساد السياسي، والزواج المبكر، وشعوذة بعض المرابطين، والفلسفة الصوفية — كلها قضايا ملحّة، لكن تراكمها أحيانًا يخفف من كثافة الفكرة بدل أن يعمّقها، فنفقد أحيانًا الخيطين السرديين الرئيسيين وسط استطرادات تُرخِي توتر السرد. غير أن ذلك مفهوم؛ ففارا نجاياي مولع بالفلسفة، وهذه الرواية تمنحه ذريعة للتأمل في مصير الإنسان: في الموت والنسيان والزواج والإيمان والليل.
ومع ذلك، يبقى ما يتبقى بعد إغلاق الكتاب: الأب أسان وحيرته أمام خساراته المتعددة، والعمة خوري، حافية القدمين في الماء، والغضب والحزن واليأس، ونزوري بأسئلته القلقة. كل هذه الزوايا تؤكد أن فارا نجاياي كاتب يمتلك صوتًا ورؤية، وشجاعة كتابة الكتاب الذي تستحقه هذه الأرض. وعلى الرغم من فيضه السردي وكرمه الذي يميّز الكتّاب الذين لديهم الكثير ليقولوه ولم يتعلموا بعد فن الاختيار، فإن هذه الرواية حية نابضة. فالرواة الكبار لا يولدون مقتصدين؛ إنهم يتعلمون الاقتصاد بعد أن يبرهنوا أنهم أقل احتياجًا إليه من غيرهم. لقد أثبت فارا نجاياي، في روايته الأولى هذه، أنه يمتلك مادة وصوتًا وأرضًا. أما البقية فاسمها مشروع أدبي. وكل مشروع أدبي يبدأ… هكذا تمامًا.
خليل ديالو
روائي – داكار
داكار، 2 مارس 2026
هناك كتبٌ تحمل أرضها كما يحمل الجسدُ جلده. وهذا الكتاب واحدٌ منها. فمنذ الصفحات الأولى تفرض مدينة سانت لويس في السنغال حضورها ببداهة تكاد تكون حسّية: شارع الكابتن توماس في حيّ سانتيابا، ملحُ الهواء الممتزج بروائح السمك المجفف، والزوارق الخشبية التي تعود من البحر… أو لا تعود. لا يصف فارا نجاياي المكان فحسب، بل يسكنه، ويُدخلنا إليه بلا مقدمات. أما لسان البربر — ذلك الشريط الرملي الضيق العالق بين الأطلسي ونهر السنغال — فيتحول إلى ما هو أكثر من مجرد خلفية للأحداث؛ إنه حالة وجودية، يكاد يغدو استعارةً لحياة أولئك الذين يعيشون على تخوم كل شيء.


