إبراهيم عبد المجيد يكتب: ليلة مع الجمال الفائق «غزة في القلب»

قضيت ليلة من أجمل الليالي مع الفنان والكاتب والروائي عبد الرازق عكاشة، وجداريته عن غزة، ولوحاته المتفرقة حول الجدارية الكبيرة، التي تمتد إلى ثلاثة عشر مترا، في قاعة الهناجر، في منطقة دار الاوبرا المصرية. ذهبت تسبقني معرفتي الكبيرة برسومه ونشاطه الفني، هو الذي يعيش في باريس، وحاصل على الجنسية الفرنسية، وعضو مجلس إدارة صالون الخريف الفرنسي، ثم صار بينها وبين مصر. مسيرة دولية عظيمة أقام فيها حوالي مئة معرض بين البلاد، بينها عشرون معرضا مكرسا للقضية الفلسطينية. حاز أوسمة وجوائز كثيرة في العالم، وله كتب نقدية وروايات، وأسس في مصر على النيل «متحف دارنا»، وكتبت من قبل هنا منذ حوالي عامين عن كتابه الرائع «اللوفر.. فجر العشق والغرام الإبداعي» الذي هو إبحار رائع مع الألوان في تاريخ الفن التشكيلي، والتأثرات المتبادلة بين فناني العالم عبر التاريخ، وما جاء من مصر وغيرها رافدا للفنانين، وغير ذلك كثير. إلى جوار ذلك فالمعرض عن غزة وعنوانه «غزة في القلب»، ومن منا لم يعش مع غزة وآلامها، والإبادة الجماعية لأهلها وبناياتها ومؤسساتها، وغير ذلك من دمار يقوم به الصهيوني النازي نتنياهو، ومن معه في الحكم حتى الآن، رغم إيقاف الحرب، ويساعده المجنون ترامب، رئيس أكبر دولة في العالم، حتى إنه سانده وهو ينتقل إلى إيران والغارات عليها وعلى مظاهر حضارتها، ولبنان مدينة الدنيا وروح العالم.
ما أكثر ما كتبت عن غزة، وكيف ستقوم من جديد، بين المبدعين والفنانين. قابلت أصدقاء عمر من الشعراء والروائيين والصحافيين وأساتذة الجامعة والفنانين التشكيليين، مصريين وعربا، وكانت سعادتي كبيرة بلقاء الفنان الفلسطيني فايز السرساوي، الذي أهداني كتابه «هل أتاك حديث غزة» الحافل بالنصوص الرائعة والرسومات. أسماء كثيرة من الجنسين جعلت متعتي مضاعفة. هذا إلى جانب يقيني لمعرفتي بإبداع عكاشة، أنه يخلق جسرا بين المبدع العربي، والشعب الفلسطيني وصموده العظيم. وفي هذا السياق فمن الملاحظات المهمة، ما كتبه الكاتب مصطفى البولُك نائب رئيس تحرير جريدة «الجمهورية»، عن الملصق الدعائي للمعرض الذي «يظهر فيه الفنان عبد الرازق عكاشة، مرتديا قميصا يحمل اسم غزة وقبة الصخرة، ما يعطي دلالة رمزية على أن الفنان هو جزء من هذا المشهد، وليس مجرد مراقب خارجي له، بل هو يحمل القضية على عاتقه، ويتجه بقلبه وفنه نحو تلك الأرض الجريحة».
أول ما جذب انتباهي بمجرد الدخول، أن الجدارية الكبيرة التي بعنوان «غزة في القلب» تشغل جانبا طويلا، يمتد بطول قاعة العرض إلى حوالي ثلاثين مترا، ثم تتوزع اللوحات الأخرى على بقية الجدران. تخطفك الجدارية الكبيرة بتكويناتها الساحرة، فتمشي أمامها متوقفا بين حين وآخر، متأملا تكويناتها، وتوثيقها البصري والفني لواقع غزة، بكل ما فيها من بشر وبيوت وأزقة وأحداث، وقصص الاستشهاد أو العزاء أو الغدر من الصهاينة. لكن لا يعني هذا ألا تطوف على بقية اللوحات، التي هي جداريات صغيرة، ترتفع إلى مترين، وتتسع إلى متر، أو أقل قليلا. تقف مندهشا بين الألوان، التي استخدم فيها عبد الرازق عكاشة، الأبيض والأسود مع استثناءات قليلة. كل اللوحات مستوحاة من أحداث حقيقية، مثل الاستشهاد أو نسف مستشفى المعمدان وغيرها، مما رأيناه ولا يزال يحدث في غزة. الأبيض والأسود هما أداة الرسم الرئيسية، فبين اللونين تنحصر بقية الألوان وتأتي منهما.
وأنت تقف بين اللونين الرئيسيين، ترى الألوان الأخرى، رغم انه لم يستخدمها كثيرا، ومضات وإشارات في الحركة للشخوص، غير واضحة المعالم. فاللون الرمادي بينها، يوحي لك بأنها كل شخوص الدنيا، أو نحن الذين نقف أمامها، فاللوحة مع أول النظرات، تتحول إلى سحاب يمشي في روحك، عابرا بك الفضاء. كذلك في اللوحات التي فيها شيء من العتمة بين الرمادي والبني، كأنها النار والرماد، تجد بينها أحيانا بقعا من الضوء، وطيورا وأشجار زيتون، تعلن بهمس ساحر، أن هنا الأرض والبشر ولا تزال، حين وقف أمامنا الفنان عبد الرازق عكاشة في بداية جولتنا، وكنا أمام لوحة الشهيد، حكي لنا كيف نزلت منه دموعه، لكنها امتزجت باللوحات، وكان حديثه أجمل تعبير من فنان صادق، فغزة يرسمها القلب أولا. مفعمة بالألم حقا، وأيضا بالأمل، تراها وتسمعها معا.
في كل اللوحات تشعر بالمعاني الإنسانية عابرة الزمن، ففي لوحة مثل على باب مستشفى المعمداني، تدرك أنها بعد تدمير المستشفى، لكن يقفز إلى روحك حكاية يوحنا المعمدان، الملاك المرسل قبل المسيح ليمهد له الأرض، وكيف هو رمز الطهارة والنقاء، مهما نزل به من كوارث، تعبر عنها اللوحة في جلوس الحزانى، ونظرات بعضهم التي تعبر بك إلى أمل، بألوان بين الأسود والأزرق والأحمر، والمزج بين الأزرق والأحمر في لون البنفسج، ونظرات الأعين الصغيرة البارزة وسط الظلام. في الجدارية التي يغلب عليها كلها الأبيض والأسود، ترى وتشعر بالطوفان الذي يجتاح غزة، لكن أيضا في أعلى كل قسم تقريبا، تلمح المقاومة والأمل في اللون الأبيض، وحركة الأيدي والهامات المرفوعة.
وكما تقول راندا الحلو عن جزء من الجدارية، عن مشيعي جنازة الشهداء: «تبدو الرؤوس كالحجارة دلالة على قوة الاحتمال والجلد رغم ما تحمله من ألم، بما يعكس هيبة المشهد ووقاره واحترام الشهداء، مما يعزز البناء الدرامي للجدارية ويكثف أثرها البصري والوجداني».
لا يكون الأبيض في اللوحات سلبيا، بل كثيرا ما يعبر عن النقاء والمستقبل. في كثير من اللوحات، وفي أجزاء من الجدارية نفسها، تشعر بأنك أمام لوحة بيكاسو الشهيرة « الجورنيكا» عن دمار تلك المدينة تحت الغارات النازية، أثناء الحرب الأهلية الإسبانية عام 1937، وكأنه يشير إلى أن إسرائيل هي النازية في ثوبها الجديد. بالإضافة إلى التوثيق التاريخي للأحداث، قد ترى في كل لوحة أو جزء من الجدارية، مشاهد النساء والأطفال والرجال يائسة، لكن من قلب اليأس يأتي الأمل في ملامح بسيطة كالتي أشرت إليها. الحديث طويل عن اللوحات، ووقفت أمامها كلها، ومنها لوحة للعرس أو الزواج، فائقة الجمال، ورغم علم الفنان عكاشة باستشهاد العروسين بعد ذلك، فهنا يعيد إليهما الحياة، كما يعيد الحياة لغزة كلها.
وأخيرا فالسؤال الذي قد يراه البعض صالحا، كيف لفنان يلتزم بالحق، أن يقدم لنا هذه الصور الفنية البالغة الجمال، في التكوين وحديث الألوان، وتجده لا يقل عن ديلاكروا الذي رسم الحرية تقود الشعب، أو غويا الذي في رسومه تخرج من القلوب بالونات الأمل، أو بيكاسو صاحب الجورنيكا. من أين جاء كل هذا الجمال. من ثقافة الفنان وانتمائه للحق والعدل، وحياته بين البلاد التي لم تنسه أبدا قضية فلسطين في كل أبعادها الإنسانية.
إبراهيم عبد المجيد وأشرف أبو اليزيد في افتتاح معرض (غزة في القلب)

أنهي المقال بما كتبه أشرف أبو اليزيد دالي، الفنان التشكيلي والناقد والقاص والمؤرخ الذي يجوب العالم، ورئيس طريق الحرير الذي يترك بصمته في كل مكان يذهب إليه أو كل عمل. يقول عن عكاشة:

«بين مرسمه الأول في متحف دارنا على شاطئ نيل القاهرة، والثاني في باريس على مرمى بصر من نهر السين، رسم الفنان التشكيلي والروائي عبد الرازق عكاشة، مجموعة أعمال ملحمية عن غزة. وهكذا بين نهرين سالت الألوان وحلقت الأفكار، وعلا نبض الريشة وهي تضرب الباليتة، ليسمع العالم صوت الألم والغضب.. فلسطين ليست غائبة عن عالم عكاشة، فقد كانت وستظل في القلب، ليس فقط عبر لوحاته السابقة والحالية واللاحقة، إنما بآرائه التي نادي فيها بعودة الحقوق إلى أصحابها، واحترام إنسانية الشعب التاريخي لأرض فلسطين، الفلسطينيين».
والحقيقة أنى شاهد على ذلك، في كل تغريدات عبد الرازق عكاشة، ومقالاته التي ينشرها على فيسبوك، حتى إنني اتخيل كم فاقت جرأته وشجاعته، كل ما نراه حولنا في أوروبا التي يعيش بينها أيضا في فرنسا، من ميل المؤسسات الرسمية اليمينية لإسرائيل نازية العصر.

Related Posts

افتتاح جناح الأدب الروسي–العربي في البيت الروسي بتونس

تونس، تونس — استضاف البيت الروسي في تونس بفخر الافتتاح الرسمي لجناح الأدب الروسي–العربي، في لحظة ثقافية بارزة ضمن فعاليات أيام جمعية شعوب العالم في تونس. تم افتتاح الجناح من…

Penprints Publication Announces “The Editors’ Book Launch” – Celebrating Editors as Writers in Their Own Right

What do editors do when they are not editing? They write. Penprints Publication, under the leadership of Supriyo Chakraborty, invites readers and literary enthusiasts to a special evening that brings…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *