أنين الأزقة : سردية الإنسان في زمن الانكسار

قراءة في رواية معزوفة اليوم السابع للكاتب الأردني جلال برجس

صلاح الدين راشد / كاتب من ليبيا 

تقف رواية معزوفة اليوم السابع للكاتب الأردني جلال برجس كنص موسيقي مفتوح على نغمة مشحونة بارتجالات الوجع الإنساني ، فهي رواية تقرأ كما تُصفى

المعزوفات الثقيلة التي لا تكتفي بتطريب السمع ، وإنما تمتحن القلب والعقل معا نص جلال برجس يختلف كلياً عن السائد فهو يشبه ناياً منفردا يعزف عند حافة الانهيار ، حيث لا صوت يعلو فوق أنين الإنسان ووجعه وهو يتأمل ضعفه ، شهواته ، خوفه ، وحيرته المكشوفة . فالمدينة عنده هي ملامح لجغرافيا ليست قابلة للرسم ،ولكنها في الوقت نفسه هي وعي جماعي متشظ ، مرآة كبرى تتقاطع داخلها مصائر سبعة أشخاص كما تتقاطع الأزمنة والأحلام والهزائم . سبعة أحياء كجسد مليئ بالتشققات ، تتجاور كطبقات نفسية ، وكل حي يتحول إلى كائن رمزي يحمل داخله نسخة مصغرة من العالم، عالم يفيض بالأسئلة والرسائل أكثر مما يحتمل الأجوبة في هذا الفضاء الروائي المتوتر، تُستدرج الأسئلة الكبرى دون ضجيج فلسفي مباشر : ماذا يحدث للإنسان عندما تختل حواسه الداخلية قبل الخارجية ؟ كيف يتصرف مجتمع بأكمله حين يصبح الموت أكثر ألفة من الحياة ؟ أي معنى يبقى للقيم عندما تتآكل من الداخل وتفقد قدرتها على التوجيه ؟ الرواية لا تتورط في الإجابة ، ولا تنحاز إلى خطاب تعليمي أو أخلاقي، إنها تفتح مسارات التأويل كما لو أنها تدعو القارئ إلى التورط الوجداني ، إلى ملاحقة هواجسه الخاصة داخل النص منذ اللحظة التي يتسلل فيها الوباء الغريب إلى جسد المدينة ، يبدأ السرد في الانفلات من خطيته ، ويتحول إلى نسيج رمزي متعدد الطبقات . فالوباء لا يُقرأ ككارثة أو جائحة صحية فحسب ، إنه عرض لانكسار العلاقة بين الإنسان وذاته الأولى . عجز الشخصيات عن رؤية وجوهها في المرآة يتجاوز فقدان الملامح ، ليغدو سقوطا في هوة الاغتراب الوجودي ، حيث الذات لم تعد تتعرف على أصلها . هنا تستحضر الرواية ذاكرة الجماعة وقلق الفرد في آن واحد ، كما لو أنها تعيد طرح السؤال الذي شغل كافكا وهو يصوغ عوالمه العبثية ، والسؤال ذاته الذي طارد الكاتب الفرنسي البير كامو في رواية ) الطاعون ( : كيف يمكن للإنسان أن يحتفظ بإنسانيته وسط عالم مصاب بالعدوى الأخلاقية ؟ العالم الروائي في ) معزوفة اليوم السابع ( لا يبحث عن خلاص جاهز ، إنه يراقب تشكل العشق المظلم للموت بوصفه هروبا من ثقل الحياة ، ويقابل ذلك بمحاولات خجولة لاستعادة المعنى .

جلال برجس

هذا التوتر يعيد إلى الذاكرة سرديات عبد الرحمن منيف في مدنه المنهكة ، حيث يتحول المكان إلى كيان ضاغط . كما يستدعي هشاشة الإنسان عند سارتر، ذلك الكائن الملقى في الوجود دون ضمانات ضمن هذا السياق، يبرز انحياز الكاتب جلال برجس الواضح نحو المهمشين ، الغجر في جنوب المدينة ، أولئك الذين يعيشون خارج الخرائط الرسمية للانتماء . فالمخيم المنعزل يتحول إلى مساحة دلالية كثيفة ، ظلّ إنساني يفضح عجز المركز عن احتواء أطرافه . فهؤلاء ليسوا زينة سردية ولا خلفية فولكلورية ، إنهم اختبار أخلاقي صريح للمجتمع ، وكان الرواية تقول إن الإنسانية الحقة كثيرا ما تنجو في الهامش حين تفشل في القلب . هذه الرؤية تقترب من حساسية الكاتب المغربي الطاهر بن جلون في تصوير المنبوذين ، ومن شجاعة الكاتب الأمريكي جون شتاينبك في منح الفقراء والمقصيين صوتا يعلو فوق صخب السلطة كما أن العلاقة بين باختو الغجري وتيوليب الباحثة عن المعنى تكتب خارج القوالب العاطفية المألوفة . إنها علاقة تقوم على المخاطرة ، على الاقتراب من الآخر بوصفه احتمالا للخلاص و احتمالا للألم معا . فالحب لا يصوره هنا زينة إنسانية ، إنه فعل مقاومة ، معمودية وجودية في قلب الخراب . باختو وتيوليب يجسدان قدرة الإنسان على إعادة اختراع ذاته حين يجرؤ على مواجهة خوفه ، وهو ما يذكر بعلاقات دوستويفسكي المأزومة التي تولد في أقصى حالات الانكسار ولو نظرنا إلى عنوان الرواية ذاته نرى بأنه يشتغل كعلامة رمزية مفتوحة.

( اليوم السابع ) ليس زمنا عاديا ، إنه لحظة التقاء الأزمنة كلها ، اليوم الذي يتوقف فيه الخلق عن كونه فعلا مكتملا ، ويغدو سؤالاً معلقا . والمعزوفة ليست موسيقى تُسمع فقط ، إنها بنية سردية كاملة ، صوت داخلي ينبعث من الناي، من تلك الآلة المرتبطة تاريخيا بالحنين والفقد والبحث عن الأصل . الناي هنا ينادي الحقيقة القديمة التي تأكلت تحت ركام العادات والخوف ، وتهمس بأن الخلاص لا يأتي من الخارج ، وإنما من المصالحة العميقة مع الذات اختيار النهاية المفتوحة لا يندرج ضمن الحيل الفنية العابرة ، إنه امتداد طبيعي لقلق الرواية . فالنص يرفض أن يضع نقطة أخيرة على الجرح ، ويدفع القارئ إلى مواجهة أسئلته الخاصة : ماذا لو وُضعت الإنسانية تحت الاختبار في أقسى الظروف ؟ ماذا لو تفوقت العاطفة على غريزة السيطرة ؟ ماذا لو كان الحب فعلا أخلاقيا قبل أن يكون شغفا ؟ هنا تلتقي الرواية مع الحداثة في معناها الأعمق ، حداثة السؤال لا حداثة الجواب في المجمل ، تبدو معزوفة اليوم السابع كلوحة سمعية بصرية تتراكب داخلها الخطابات الوجودية والسياسية والاجتماعية دون افتعال ، نص يعيد تعريف الإنسان داخل عالم متصدع ، ويقترح القراءة بوصفها تجربة وجودية لا تمر دون أثر . هذه رواية لا تجعلنا نُغلق غلافها بعد انتهاء صفحاتها ، إنها نص يواصل العزف داخل القارئ ، يتركه واقفا على عتبة ذاته ، مترددا ، متسائلاً ، وأكثر وعيا بثقل كونه إنسانا في زمن فقد بوصلته .

Related Posts

 بحثًا عن الرحمة والراحة !   قراءة فى ديوان : الظل والنور، للشاعر أحمد نصر

من دراسة للأستاذ الدكتور خالد فهمي.  كلية الآداب جامعة المنوفية مدخل : قسوة الحياة .. طريق استعادة الوجدانية ! تشكلت الرومانسية فى النسخة العربية، أوما أطلق عليه الناقد والأكاديمي المرموق…

لوحة الكاتب وعشق الفن … ميخوش عبد الله في عيده الستين

بقلم الصحفي آيدين حسينوف لستُ ناقدًا ولا باحثًا أدبيًا، لكنني أستطيع أن أقول، بوصفي قارئًا، إنه سيكون من المثير مقارنة ميخوش عبد الله بـ غي دي موباسان. فكما منح موباسان،…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *