دكتور حسين عبد البصير
هناك مدن نعيش فيها، ومدن تسكننا. وهناك مدن تصبح جزءًا من الذاكرة والروح مهما ابتعدنا عنها. والإسكندرية واحدة من تلك المدن النادرة التي لا تشبه غيرها. مدينة البحر والضوء والحنين والحكايات القديمة، المدينة التي يبدو العيد فيها مختلفًا دائمًا، كأنها ترتدي ثوبًا جديدًا من البهجة كلما اقتربت المناسبات.
في الإسكندرية، لا يبدأ العيد مع صلاة الصبح فقط، بل يبدأ مع رائحة البحر، وصوت النوارس، ونسمات الهواء القادمة من المتوسط، ومع الشوارع التي تمتلئ بالحياة والضحكات منذ الساعات الأولى للفجر. وكأن المدينة كلها تتحول إلى مسرح كبير للاحتفال بالحياة.
لكن المدهش أن هذه العلاقة الخاصة بين الإسكندرية والفرح ليست وليدة اليوم، بل تمتد جذورها إلى أكثر من ألفي عام. فمنذ أن أسسها الإسكندر الأكبر عام 331 قبل الميلاد، أصبحت الإسكندرية مدينة عالمية مفتوحة على الثقافات والشعوب والأفكار. عاش فيها المصري واليوناني والروماني واليهودي والشامي والإيطالي والأرمني، فصنعت مزيجًا إنسانيًا فريدًا جعلها مدينة للحياة والانفتاح والاحتفال.
في العصر البطلمي، كانت الإسكندرية واحدة من أعظم مدن العالم القديم. شوارع واسعة، قصور فخمة، حدائق، مسارح، معابد، وأسواق لا تهدأ. وكانت الأعياد والمهرجانات جزءًا أساسيًا من حياة المدينة. احتفالات ضخمة تُقام تكريمًا للآلهة، ومواكب مهيبة تجوب الشوارع، وعروض موسيقية ومسرحية يشارك فيها الناس من مختلف الطبقات.
وكان البحر دائمًا قلب الإسكندرية النابض. فالميناء الشرقي لم يكن مجرد مركز للتجارة، بل مساحة للحياة واللقاءات والاحتفالات. وكانت السفن القادمة من أنحاء البحر المتوسط تحمل معها البضائع والحكايات والأغاني والعطور والأفكار الجديدة، لتجعل من المدينة عالمًا مفتوحًا على كل شيء.
ومع مرور الزمن، احتفظت الإسكندرية بروحها الخاصة. ففي العصرين الروماني والبيزنطي، ظلت مدينة نابضة بالحياة والثقافة والفنون. ثم جاءت العصور الإسلامية لتضيف إليها طبقات جديدة من الجمال والروحانية. تحولت شوارعها القديمة إلى فضاءات تمتلئ بالمآذن والأسواق والمقاهي وروائح الطعام الشعبي، بينما بقي البحر شاهدًا على كل التحولات.
وفي الأعياد، كانت الإسكندرية دائمًا مدينة مختلفة. يخرج الناس إلى الكورنيش منذ الصباح الباكر، تمتلئ المقاهي بالعائلات والشباب، وتصبح الشواطئ مساحات مفتوحة للفرح الجماعي. الأطفال يركضون خلف الأمواج، والعشاق يتبادلون النظرات تحت ضوء الغروب، وكبار السن يجلسون في هدوء يتأملون البحر وكأنهم يستعيدون أعمارهم القديمة.
ولعل سر الإسكندرية الحقيقي يكمن في قدرتها على الجمع بين البساطة والسحر. فهي مدينة لا تتكلف جمالها. الجمال هنا موجود في كل شيء: في بناية قديمة تحمل آثار الزمن، في بائع ذرة على الكورنيش، في صوت فيروز يخرج من مقهى صغير، في رائحة القهوة، وفي زرقة البحر التي تمنح الناس شعورًا غامضًا بالسلام.
وقد كتب كثير من الأدباء والشعراء عن سحر الإسكندرية، لأنها ليست مجرد مدينة، بل حالة شعورية كاملة. أحبها قسطنطين كفافيس وكتب عنها بحنين عميق، وعاش فيها لورانس داريل فرأى فيها مدينة تجمع بين الحقيقة والأسطورة، بينما كانت بالنسبة لكثيرين مكانًا للحب والبدايات الجديدة والهروب من قسوة العالم.
والمرأة السكندرية كانت دائمًا جزءًا من روح المدينة. حضورها في الشوارع والمقاهي والبحر والحياة اليومية منح الإسكندرية طابعًا مختلفًا. فهي مدينة تعرف الأناقة دون مبالغة، والرومانسية دون تصنع، والانفتاح دون فقدان هويتها.
وفي العيد تحديدًا، تبدو الإسكندرية وكأنها تستعيد شبابها الأبدي. تتحول المدينة إلى لوحة كبيرة من الذكريات والضحكات واللقاءات. حتى أولئك الذين غادروها منذ سنوات يعودون إليها في الأعياد، كأن البحر ينادي أبناءه دائمًا.
وربما لهذا السبب تبقى الإسكندرية مدينة لا تنام حقًا. فهي لا تعيش فقط في الزمن الحاضر، بل تحمل داخلها طبقات متراكمة من التاريخ والمشاعر والقصص الإنسانية. مدينة تستطيع أن تمنحك الحنين حتى وأنت تعيش فيها، وتجعلك تشتاق إليها قبل أن تغادرها.
يبقى العيد في الإسكندرية أكثر من مجرد مناسبة. إنه لقاء بين الإنسان والبحر، بين الماضي والحاضر، بين الذكريات والأحلام. إنه لحظة تشعر فيها أن الحياة، رغم كل شيء، ما زالت قادرة على أن تكون جميلة.




