جوزيل | قصة للكاتب الأذري ألعباس باغيروف

“يُعد ألعباس باغيروف (Əlabbas Bağırov) واحدًا من أبرز كتّاب السرد النفسي في الأدب الأذربيجاني المعاصر. وُلد في 5 مايو 1957 بقرية نورس التابعة لمنطقة شاهبوز في جمهورية نخجوان الذاتية الحكم. درس فقه اللغة في جامعة أذربيجان الحكومية بين عامي 1973 و1978، وبدأ حياته المهنية مدرسًا للغة والأدب قبل أن ينتقل إلى العمل في مجالات النشر والصحافة والإعلام والعلاقات العامة.

انطلقت مسيرته الأدبية أواخر السبعينيات، وكانت قصته «الرجولة» أول أعماله المنشورة عام 1981، بينما شكّلت روايته القصيرة «الرجل العجوز» علامة فارقة في حياته الإبداعية، حتى أصبحت بمثابة جواز سفره الأدبي إلى عالم الشهرة. ومنذ ذلك الحين توالت أعماله القصصية والروائية التي عُرفت بعمقها النفسي، ودقة ملاحظاتها الإنسانية، ولغتها الشعرية الرفيعة.

من أبرز مؤلفاته: «الليالي الفضية»، «غُداز»، «الهاوية»، «المتمرد»، «سهوب قاراقوفاق»، و«ليلة الفراق». وقد بلغت تجربته ذروتها الفنية في رواية «المتمرد» التي نالت الجائزة الخاصة في مسابقة الكتاب الوطنية الأذربيجانية، وتناولت مصائر الإنسان في القرى الحدودية وما خلفته التحولات التاريخية والحروب من آثار إنسانية عميقة.

كما عالجت روايته «سهوب قاراقوفاق» قضايا حرب قره باغ، مقدّمًا رؤية أدبية تدافع عن القيم الوطنية والإنسانية. وتمت ترجمة أعماله إلى التركية والفارسية والروسية والإنجليزية والأوزبكية والقيرغيزية والجورجية والكازاخية وتقدمه (طريق الحرير اليوم) باللغة العربية للمرة الأولى.

انضم باغيروف إلى اتحاد كتاب أذربيجان عام 1990 وإلى اتحاد الصحفيين الأذربيجانيين عام 2016، وحصل على عدد من الجوائز الأدبية المرموقة، من بينها جائزة الكتاب الوطنية وجائزة علي بك حسين زاده. ويُنظر إليه اليوم بوصفه أحد أبرز ممثلي النثر النفسي الأذربيجاني وأكثرهم تأثيرًا في الأدب التركي المعاصر.”

 

 (Gözəl)

جوزيل تعني بالعربية جميلة 

أثارت عودة عمّتي إلى القرية ضجة كبيرة بين الناس. كاد أهل القرية جميعهم يتحدثون عنها. كانت المرأة المسكينة تندم كلما خرجت إلى الشارع؛ فما إن تظهر حتى تبدأ الهمسات، ويظل الناس يراقبونها حتى تغيب عن الأنظار. ومن الطريقة التي كانوا يبالغون بها في الحديث عنها، كما كانت جارتنا الخالة شايسته تفعل حين تضيف إلى الكلام أضعافه، كنت أشعر أن عمّتي تبدو في نظرهم مخلوقًا مخيفًا ومنفّرًا.

لكن الحقيقة لم تكن كذلك. فالجميع، في كل مكان، كانوا يعرفون أن جمال عمّتي كان مضرب المثل في القرى المجاورة كلها. وما زال كثيرون يتحدثون حتى اليوم عن مقدار الغبطة التي كانت تثيرها في نفوس قريناتها، بل وحتى من يكبرنها سنًا، أيام صباها.

ولم تكن تعاني في الشارع وحده، بل حتى داخل البيت لم تكن تجد يومًا هانئًا. كان أبي وأمي يزدادان قسوة عليها يومًا بعد يوم. لم يعودا كما كانا قبل ستة أشهر أو سنة؛ فكانا يحادثانها على مائدة الطعام بفتور واستخفاف، وينظران إليها باحتقار وهي تعمل، وإذا لم يجدا ما يقولانه سخرا من تصرفاتها.

كانت عمّتي تشعر بكل ذلك، لكنها كانت تلوذ بالصمت ولا تقول شيئًا. وحدي كنت أستطيع أن أتحدث معها من القلب إلى القلب، وكنا أحيانًا نتبادل الرأي في بعض الأمور. لكنني كنت أرى كيف كانت تذوب أمام عيني يومًا بعد يوم مثل جليد الربيع.

وفي أحد الأيام، ما إن عادت من الدكان حتى سألتني، كمن يبحث عن دواء لجرحه:

لماذا حدث كل شيء على عكس ما أردت؟ لماذا؟ هل أنا مذنبة لأن العالم مليء بالحمقى؟

ومهما حاولت أن أستدرجها إلى الكلام، لم تضف شيئًا آخر، وكعادتها كانت تترك لعينيها أن تتحدثا نيابة عنها. وتكررت مثل هذه المواقف لاحقًا مرات عديدة.

لقد أصبحت هكذا منذ وفاة زوجها وطفليها. تلك المرأة المرحة الضاحكة لم تعد كما كانت. وكان أهل القرية يقولون إن عقلها لن يلبث أن يختل من شدة المصيبة. ففي ذلك الوقت لم يكن في القرية بيت واحد فقد ثلاثة أفراد من أسرته في يوم واحد كما حدث لها.

حتى كتيبة المتطوعين التي كان يقودها العم سيد مر، والذي ذاع صيته في القرى المجاورة، لم تستطع إنقاذ القرية من تلك الكارثة المفاجئة، رغم أنها قتلت ثلاثة من المهاجمين.

عندما وقعت المأساة كانت عمّتي عندنا. جاءت لتأخذ شيئًا ما. وفجأة دوّى صراخ الناس. كان الصوت يأتي من أعلى القرية، حيث كان يقع البيت الذي بنته عمّتي وأسرتها حديثًا. وفي لحظة عمّت الفوضى. أخذ الناس يركضون ويصرخون وسط وابل متواصل من إطلاق النار، وكانوا ينادون بعضهم بعضًا بعويل مرعب.

وحين صعدنا إلى التلة القريبة من منزلنا، كان بيت عمّتي قد أصبح كتلة من النار. كانت ألسنة اللهب تكاد تلامس السماء. وبعد نحو ساعة ونصف لم يبق من ذلك البيت، الذي طالما نظر إليه الحاسدون بعين الحقد، سوى جدران سوداء متفحمة.

وكان منظر عمّتي وهي تزحف على ركبتيها وتكاد تلعق تلك الجدران يذكرني بحيوان يلعق جرحه النازف. فبين تلك الجدران احترق زوجها الحبيب وطفلاها وتحولوا إلى رماد.

وفي المساء راحت الخالة فستة، التي شهدت الحادثة بعينيها، تروي للناس ما حدث. قالت إن الوحوش أمسكوا بالأب وطفليه مرتين بعدما حاولوا الهرب من البيت، ثم ألقوهم في أكثر مواضع النار اشتعالًا.

وحين سمعت النساء ذلك، أطلقن صرخات جديدة. كن يشققن وجوههن من البكاء، وينتفن شعورهن، ويمطرن العدو اللعين باللعنات. أما الرجال العزّل فلم يستطيعوا الاتفاق على وسيلة يأخذون بها ثأرًا يليق بما فعله أولئك الجبناء.

وفي اليوم نفسه الذي حلّت فيه تلك المصيبة بعمّتي، طرقت الأخبار السوداء أبواب خمسة بيوت أخرى في قريتنا. وكأن الحرب منذ اندلاعها جعلت البيوت تصطف في طابور طويل؛ تخرج المصيبة من بيت لتدخل بيتًا آخر، ثم تنتقل إلى ثالث ورابع، تتسول الأبواب كمتشرد وقح لا يعرف الحياء.

وفي إحدى المرات جلست أحسب: هل بقي في القرية بيت لم تمسه الكارثة؟ وكان ما يقوله الجميع، ولا سيما الشيوخ، يدل على أنهم لم يروا في حياتهم مصيبة أشد من تلك التي نزلت بعمّتي، بل لم يسمعوا بمثلها قط.

لكننا لم نكن نعلم آنذاك أن الكارثة الحقيقية التي تنتظرها كانت ما تزال أمامها.

ففي أحد أيام أوائل الربيع، وعند الظهيرة، انتشر خبر في القرية بأن مجموعة من الناس كانوا يقلمون كروم العنب قد وقعوا في الأسر. وبعد هذه الحادثة خفتت هيبة رجال العم سيد مر، الذين كان أهل القرية يلقبونهم بـ«الأسود»، إذ أصبحت الحوادث تقع الواحدة تلو الأخرى حتى في وضح النهار.

وكانت عمّتي بين الأسرى.

وكان ذلك بالنسبة لنا مصيبة حقيقية.

أما أبي فكان حاله أشد من الجميع. أخذ يبحث عن مكان يختبئ فيه من الخزي، ولا يدري على من يلقي اللوم ليهدأ قلبه. والغريب أنه لم يحزن يوم احترق زوج أخته وطفلاها كما حزن يوم أُسرت هي نفسها.

وربما لو وقعت عمّتي يومها بين يديه لخنقها بيديه.

لم يكن قادرًا على أن يفهم لماذا لم تمت مع من ماتوا، ولماذا ذهبت أصلًا إلى الكرم؟ ماذا كانت تفعل هناك؟

والحقيقة أن الجميع كانوا قد فقدوا الرغبة في العمل والحياة، ولم يعد لأحد أمل في الغد. أما عمّتي فكانت تلقي بنفسها في العمل لتشغل رأسها وتنسى أحزانها، فحسب.

في البداية كنت أظن أن قسوة أبي سببها أمي، فبعض الرجال يستمتعون بإظهار شدتهم أمام زوجاتهم. لكنني حين رأيته يغطي وجهه بكلتا يديه ويقول:

يا إلهي، كيف صرت موضع فضيحة أمام الناس! امنح هذه الفتاة موتًا سريعًا!

عندها أدركت أنه يتمنى موت عمّتي من أعماق قلبه.

أما أمي فكانت تحاول تهدئته قائلة:

لا حيلة أمام ما كُتب في القدر.

وكان مؤلمًا بالنسبة لي أيضًا أن أرى أبي يستقبل المعزين بذلك القدر من الخجل والانكسار.

وحين أخذ الناجون الذين تمكنوا من الفرار يروون تفاصيل الحادثة، وسمعنا أن عمّتي ألقت بنفسها من فوق صخرة كي لا تقع في يد العدو، بدا أن أبي، الذي اسود وجهه كالفحم منذ وصول الخبر، قد شعر بشيء من الراحة.

وكان الناس يواسونه قائلين:

لا تحزن، فظلم الدنيا كثير، لكن رحمة الله أكبر.

ولم تمضِ سوى ستة أسابيع حتى وصل إلى القرية خبر جديد: الرجال الذين أُسروا في ذلك اليوم قد أُعدموا رميًا بالرصاص.

ولم ينجُ منهم إلا العم فرّوخ، إذ أبقوه حيًا لمبادلته بالأسرى. لكن الشيخ العجوز، الذي لم يعد يختلف كثيرًا بين الحياة والموت، كان بالكاد يستطيع الوقوف على قدميه. ولم يكن أحد يعلم أصلًا كيف وصل إلى الكرم في ذلك اليوم، أو لأي غرض ذهب إليه.

وطلبوا مبلغًا طائلًا من المال مقابل تسليم الجثث. وكنت أظن أن أحدًا لن يوافق على دفع مثل ذلك المبلغ. فما الفرق بالنسبة لأهل الميت أين يكون من لم يعد موجودًا في هذه الدنيا؟ لكن من كان ليأخذ برأيي؟ وسرعان ما نُصبت بيوت العزاء في تسعة منازل. وعندما سألتُ ما الذي يريدون إثباته بإحضار جثث موتاهم وتكريمها بهذا الشكل، أجاب أبي، وقد غرق في تفكير عميق، ببرود:

ليت مثل هذه السعادة تحل بنا يومًا ما. أقسم بالله أنني كنت سأقيم عرسًا في هذا الفناء!

ثم أطلق زفرة طويلة ملأت صدره.

كان من الصعب عليّ أن أتخيل نفسي ابنًا لرجل يتمنى موت أخته الشابة بهذا القدر من الصدق والإخلاص. وكم تمنيتُ حينها لو أن أبي كان مكان عمّتي حيثما كانت!

عمّتي! منذ متى لم يعد أحد يعرف عنها خبرًا يقينًا؟ أما الشائعات فكانت لا تُحصى ولا تُعد. وقد لاحظت أن معظمها كان ينتشر بعد كل زيارة يقوم بها عبد العلي، ابن العم سرتيب، إلى القرية. كان هذا الشاب، الذي فرّ إلى باكو ما إن اضطربت الأحوال، يعود أحيانًا إلى القرية وكأن هدفه الوحيد أن يزرع بين الناس بذور الأقاويل والقصص التي لا يصدقها عقل.

ومع ذلك كان له محبوه؛ إذ لم يكن يعود من باكو إلا ومعه ما يعز وجوده من المواد الغذائية والمؤن، مهما كان ثمنها باهظًا. وما إن تخرج كلمة من فمه حتى تملأ الشائعات أرجاء القرية. وكان كثيرون يضيفون إلى ما يسمعونه شيئًا من عندهم، ثم إذا ضُيّق عليهم قالوا:

والله، أنا لا أنقل إلا ما سمعته!

بل إنك أحيانًا كنت تسمع هذه الأحاديث على ألسنة أكثر الناس رصانة.

وفي تلك الأيام راجت شائعة تقول إن عمّتي ومن معها نُقلوا إلى المركز، أي إلى يريفان. وكان الناس يروون، بخجل وارتباك، ما قيل إنهم تعرضوا له هناك من صنوف العذاب والإهانة.

وقال لي عبد العلي يومًا:

لو كانت عمتك وحدها لهان الأمر. لكنهم سيستوفون منها ثمن تلك العصا الصوفية أيضًا.

وكانت «العصا الصوفية» لقبًا ساخرًا يطلقونه على الخالة غولبوتا، المرأة الهزيلة النحيلة التي تكاد تبدو كأنها تعيش على الهواء.

في اليوم الذي سمعت فيه ذلك الخبر من عبد العلي شعرت بشفقة على عمّتي لم أشعر بمثلها حتى تجاه الخالة شايسته التي اعوجّ فمها حتى كاد يصل إلى أذنها بعدما حلفت زورًا على المصحف.

ولو أن عبد العلي تأخر قليلًا قبل أن يضيف خبرًا آخر قائلًا:

ربما باعوهن في الخارج أيضًا…

لما كنت أعلم إلى أين كان يمكن أن يصل الأمر بيني وبينه.

ومنذ تلك اللحظة بدأت معاناتي الحقيقية.

فحتى ذلك الوقت كنت أعيش على أمل أن عمّتي ستعود إلى بيتنا يومًا ما مهما كانت الأخبار التي قد نسمعها عنها. كان الجميع يقولون إنهم لا يرحمون هناك طفلًا ولا امرأة ولا شيخًا إذا اقتضى الأمر، لكنهم غالبًا ما يقتلون الرجال، ولا سيما الشباب، فورًا.

وكنت أدعو الله في سري باستمرار ألا يكونوا قد باعوا عمّتي إلى الخارج، مهما حدث لها.

ولهذا السبب لم تهزني كثيرًا الأحاديث التي كانت تنتشر عن استخدام الفتيات الجميلات في أفلام مخزية. أما ما كان يوشك أن يفقدني صوابي فعلًا فهو التفكير في المكان الذي توجد فيه عمّتي الآن.

وكنت أتخيل دائمًا أنها لو أخبرتهم بأنهم أحرقوا زوجها الشاب وطفليها حتى صاروا رمادًا، فربما يرحمونها ويعفون عنها. فهي لم يعد لديها ما تخسره.

وفي تلك الأيام كنت ألومها في خيالي، لأنها لا تقول لهم ذلك. وكنت أظن أنها تمتنع عن الكلام حفاظًا على كرامتها، أو لأنها لا تريد أن تُذل نفسها. فالكبرياء كان دائمًا من صفاتها القديمة.

ومضى نحو شهر ونصف على هذه الحال، ثم وصل إلى القرية ذات يوم خبر سار: قيل إن الأسرى الذين كانت عمّتي بينهم سيُبادلون بأسرى من الطرف الآخر.

كما شاع همسًا أن العدو طلب مبلغًا من المال مقابل الإفراج عن بعضهم، وخاصة النساء.

ومنذ أن سمع أبي هذا الكلام بدا وكأنه فقد توازنه. لم يكن واضحًا هل هو سعيد أم منزعج. لكن عندما رأيت أمي تحاول إقناعه وإلحاحها عليه، فهمت كل شيء.

ربما كانت قد شعرت بتردده، ولهذا أخذت تضغط عليه. فهو لم يكن يوافق صراحة، كما لم يكن يرفض نهائيًا. والحق أن لأمي ما يبرر قلقها؛ إذ ربما لو ضاعت الفرصة لاحقًا لألقى أبي اللوم عليها.

قالت له:

إذا قال الناس غدًا إن إلخان خاف على ماله، فلا تلقِ بالذنب علينا!

وأعتقد أن هذه الكلمات جعلت أبي يدرك أن المرأة الأسيرة هي أخته في النهاية، وأن مسؤوليتها، مهما كانت الظروف، تقع على عاتق أخيها قبل أي شخص آخر.

ثم غلبني النعاس، ولم أعرف كيف انتهى ذلك الحديث.

وعندما أشرقت شمس الصباح رأيت أن خمسة رؤوس من الماشية كانت في حظيرتنا لم يبق منها سوى رأس واحد فقط.

(متابعة الترجمة إلى العربية)

بعد أن ذهب أبي إلى المنطقة المجاورة لاستقبال عمّتي في مكان تبادل الأسرى، أخذت أمي تدعو لعبد العلي طويلًا، وقالت إنه لولا عبد العلي لما اشترى أحد الأبقار بذلك السعر في هذه الظروف العصيبة، فقد باعها كلها تقريبًا ليؤمّن المال المطلوب. ولأول مرة شعرت في قلبي بشيء من الامتنان تجاه ذلك الثرثار الذي لا يمل من نقل الأخبار والتواصل مع من وراء الحدود، لكنني كنت أعلم أن هذا الشعور لن يدوم طويلًا.

عاد أبي ومن معه بعد ثلاثة أيام. وكانت عمّتي قد تغيّرت إلى حد أنني احتجت إلى ما يقرب من نصف دقيقة أحدق فيها لأتأكد أنها هي. ولم يكن السبب في ذلك تغير ملامحها فحسب، بل لأن تلك المرأة التي كانت في يوم من الأيام تمشي بخفة ودلال فتشعل القلوب، كانت الآن تسير خلف أبي متعثرة، تعرج بخطوات ثقيلة. وشعرت لحظتها بغصة تكاد تخنقني في مكاني.

احتضننا بعضنا بعضًا بعاطفة جارفة. وعندما انفجرت عمّتي بالبكاء أحسست أنها ترتجف من خوف خفي. حتى عندما التقت بأهل القرية كانت تسلم عليهم بحذر وتوجس. ثم أحطنا بها وسرنا بها إلى البيت. وكانت بعض النساء تمسكن بذراعيها، بينما كان الجميع يتنهدون بصمت.

ولم يخطر ببالي أبدًا أن تلك التنهدات قد تكون تنهدات فرح.

في ذلك اليوم أُفرج أيضًا عن العم فرّوخ والخالة غولبوتا، لكن معظم أهل القرية تجمعوا في بيتنا. وأخذوا يمطرون عمّتي بالأسئلة: إلى أين اقتادوهم بعد الأسر؟ هل عذبوهم أم لا؟ كيف كان المكان الذي احتُجزوا فيه؟ كم مرة كانوا يقدمون لهم الطعام في اليوم؟ وما إلى ذلك.

وكانت عمّتي، التي بدت مريضة ومرهقة وآثار الكدمات لا تزال واضحة على جبينها وخديها، تروي القصة نفسها مرارًا وتكرارًا. فما إن تنتهي من روايتها لشخص حتى تجد نفسها بعد دقائق تعيدها لآخر، ثم تعود فتكررها من جديد.

ومع أن الناس كانوا قد سمعوا الحكاية عشرات المرات، فإنهم كانوا ينصتون إليها في كل مرة وكأنهم يسمعونها لأول مرة.

وعندما أخبرتهم أن الطبيب الذي عالجها في المستشفى كان قد انتقل من باكو ولم يخسر إنسانيته ولا ضميره، انهالت النساء بالدعوات الطيبة على الناس الشرفاء حتى كأنهن نسين عمّتي نفسها.

ثم أخذ كل واحد يروي ذكرى أو موقفًا عن إنسان طيب صادفه في حياته.

أما أكثر ما بقي عالقًا في ذاكرتي من حديث عمّتي فكان ما روته عن الذين عُذبوا حتى الموت. وعلى الرغم من قسوة تلك الروايات، فإنني لم أكن أرغب في سماع شيء غيرها. كنت أتمنى في أعماقي أن يحدث في اللحظة الأخيرة شيء أشبه بالمعجزة، وأن ينجو أولئك المظلومون ويأخذوا ثأرهم العادل.

لكن عمّتي واصلت خلال الأسبوعين التاليين رواية تلك الأحداث لكل من جاء لزيارتنا، ولم تحدث أي معجزة في أي من تلك القصص.

ومع ذلك بدا لنا في تلك الأيام وكأن كثيرًا من أحزاننا قد خفت وطأتها، رغم أن أبي كان يزداد عبوسًا وحدةً يومًا بعد يوم. وسرعان ما انتقلت هذه الكآبة إلى أمي أيضًا.

ولم يكن من الممكن أن تغيب هذه التغيرات عن عمّتي. فمع مرور الوقت أصبحت هي الأخرى أكثر انطواءً ونفورًا من الناس، وكأنها تشعر أن الجميع لا يتحدثون عنها بالخير الذي يظهرونه أمامها.

وفي أحد الأيام قالت إن ساقها المكسورة — وكانت قد أصيبت بها عندما ألقت بنفسها من فوق الصخرة — تحتاج إلى أن يفحصها طبيب. عندها تغيّر وجه أبي بصورة جعلت من المستحيل التصديق أنهما أخ وأخت، حتى لو أعيدت جدتي من العالم الآخر لتشهد بذلك.

بعد ذلك لم تعد عمّتي تفتح الموضوع مرة أخرى. ومنذ تلك الحادثة أدركت إلى أي حد كانت تتحمل آلامها بصبر مذهل، وتكتم معاناتها في داخلها.

وكلما رأيتها تتلوى أيامًا طويلة من ألم أصابعها المتورمة والزرقاء اللون، ازددت يقينًا بقسوة أبي التي بدت لي أشبه بقسوة مصاصي الدماء.

ومهما حاولت إقناعها بالذهاب معي إلى الطبيب، رفضت.

وعندما سألت أبي لماذا لا يأخذها إلى المستشفى، خيّل إليّ أن ستارًا داكنًا هبط على وجهه.

فقال لي بحدة:

أنت مجرد طفل، فاذهب وافعل حماقات الأطفال. لا أحد يحتاج إلى نصائحك.

وفي إحدى المرات سألت عمّتي:

هل صوروك هناك في فيلم؟

فاجتمعت حاجباها الجميلان الدقيقان من شدة الدهشة، وبدا جبينها أصغر مما هو عليه.

أي فيلم؟ ماذا تقصد بفيلم؟

ومن رد فعلها شعرت أنه لو كان شيء من هذا القبيل قد حدث فعلًا، لكان مجرد ذكر الكلمة كافيًا لإحياء ذكريات مؤلمة في نفسها. كما أنها لا بد أدركت أنني سمعت ذلك من أحد، لأن مثل هذه الفكرة لا يمكن أن تخطر ببال طفل من تلقاء نفسه.

قالت بعد لحظة:

إذن فمثل هذه الأقاويل تنتشر أيضًا؟

ثم أطلقت صوتًا يشبه هذيان النائم، ومشت نحو النافذة شاردة الفكر ويداها مطويتان على صدرها.

قلت لها:

عبد العلي يقول إنهم يختارون أجمل الفتيات لمثل تلك الأفلام. ويقول إن هذه الأفلام هي الأكثر رواجًا في العالم الآن لأنها تدر أموالًا كثيرة.

استدارت نحوي عمّتي، وكانت تراقب المارة في الشارع، ثم قالت:

لكنني لست جميلة أصلًا يا عزيزي. لماذا تصدّق كلام كل أحمق؟

لم أجبها. تركتها في الغرفة وخرجت.

في الحقيقة خرجت لأنني شعرت بخجل لا يوصف من نفسي ومن كلامي. ولو انشقت الأرض تحت قدمي في تلك اللحظة لدخلت فيها من شدة الحرج.

ولم تكن عمّتي لتعرف أبدًا كم مرة ذرفت الدموع في الخفاء كلما سمعت خبرًا جديدًا عنها.

ولكي تعرف ذلك، كان ينبغي أن أجلس أمامها وأروي لها واحدًا واحدًا كل ما سمعته عنها خلال تلك الأشهر القاسية.

 

ثم غلبني النعاس، ولم أعرف كيف انتهى ذلك الحديث.

وعندما أشرقت شمس الصباح رأيت أن خمسة رؤوس من الماشية كانت في حظيرتنا لم يبق منها سوى رأس واحد فقط.

بعد أن ذهب أبي إلى المنطقة المجاورة لاستقبال عمّتي في مكان تبادل الأسرى، أخذت أمي تدعو لعبد العلي طويلًا، وقالت إنه لولا عبد العلي لما اشترى أحد الأبقار بذلك السعر في هذه الظروف العصيبة، فقد باعها كلها تقريبًا ليؤمّن المال المطلوب. ولأول مرة شعرت في قلبي بشيء من الامتنان تجاه ذلك الثرثار الذي لا يمل من نقل الأخبار والتواصل مع من وراء الحدود، لكنني كنت أعلم أن هذا الشعور لن يدوم طويلًا.

عاد أبي ومن معه بعد ثلاثة أيام. وكانت عمّتي قد تغيّرت إلى حد أنني احتجت إلى ما يقرب من نصف دقيقة أحدق فيها لأتأكد أنها هي. ولم يكن السبب في ذلك تغير ملامحها فحسب، بل لأن تلك المرأة التي كانت في يوم من الأيام تمشي بخفة ودلال فتشعل القلوب، كانت الآن تسير خلف أبي متعثرة، تعرج بخطوات ثقيلة. وشعرت لحظتها بغصة تكاد تخنقني في مكاني.

احتضننا بعضنا بعضًا بعاطفة جارفة. وعندما انفجرت عمّتي بالبكاء أحسست أنها ترتجف من خوف خفي. حتى عندما التقت بأهل القرية كانت تسلم عليهم بحذر وتوجس. ثم أحطنا بها وسرنا بها إلى البيت. وكانت بعض النساء تمسكن بذراعيها، بينما كان الجميع يتنهدون بصمت.

ولم يخطر ببالي أبدًا أن تلك التنهدات قد تكون تنهدات فرح.

في ذلك اليوم أُفرج أيضًا عن العم فرّوخ والخالة غولبوتا، لكن معظم أهل القرية تجمعوا في بيتنا. وأخذوا يمطرون عمّتي بالأسئلة: إلى أين اقتادوهم بعد الأسر؟ هل عذبوهم أم لا؟ كيف كان المكان الذي احتُجزوا فيه؟ كم مرة كانوا يقدمون لهم الطعام في اليوم؟ وما إلى ذلك.

وكانت عمّتي، التي بدت مريضة ومرهقة وآثار الكدمات لا تزال واضحة على جبينها وخديها، تروي القصة نفسها مرارًا وتكرارًا. فما إن تنتهي من روايتها لشخص حتى تجد نفسها بعد دقائق تعيدها لآخر، ثم تعود فتكررها من جديد.

ومع أن الناس كانوا قد سمعوا الحكاية عشرات المرات، فإنهم كانوا ينصتون إليها في كل مرة وكأنهم يسمعونها لأول مرة.

وعندما أخبرتهم أن الطبيب الذي عالجها في المستشفى كان قد انتقل من باكو ولم يخسر إنسانيته ولا ضميره، انهالت النساء بالدعوات الطيبة على الناس الشرفاء حتى كأنهن نسين عمّتي نفسها.

ثم أخذ كل واحد يروي ذكرى أو موقفًا عن إنسان طيب صادفه في حياته.

أما أكثر ما بقي عالقًا في ذاكرتي من حديث عمّتي فكان ما روته عن الذين عُذبوا حتى الموت. وعلى الرغم من قسوة تلك الروايات، فإنني لم أكن أرغب في سماع شيء غيرها. كنت أتمنى في أعماقي أن يحدث في اللحظة الأخيرة شيء أشبه بالمعجزة، وأن ينجو أولئك المظلومون ويأخذوا ثأرهم العادل.

لكن عمّتي واصلت خلال الأسبوعين التاليين رواية تلك الأحداث لكل من جاء لزيارتنا، ولم تحدث أي معجزة في أي من تلك القصص.

ومع ذلك بدا لنا في تلك الأيام وكأن كثيرًا من أحزاننا قد خفت وطأتها، رغم أن أبي كان يزداد عبوسًا وحدةً يومًا بعد يوم. وسرعان ما انتقلت هذه الكآبة إلى أمي أيضًا.

ولم يكن من الممكن أن تغيب هذه التغيرات عن عمّتي. فمع مرور الوقت أصبحت هي الأخرى أكثر انطواءً ونفورًا من الناس، وكأنها تشعر أن الجميع لا يتحدثون عنها بالخير الذي يظهرونه أمامها.

وفي أحد الأيام قالت إن ساقها المكسورة — وكانت قد أصيبت بها عندما ألقت بنفسها من فوق الصخرة — تحتاج إلى أن يفحصها طبيب. عندها تغيّر وجه أبي بصورة جعلت من المستحيل التصديق أنهما أخ وأخت، حتى لو أعيدت جدتي من العالم الآخر لتشهد بذلك.

بعد ذلك لم تعد عمّتي تفتح الموضوع مرة أخرى. ومنذ تلك الحادثة أدركت إلى أي حد كانت تتحمل آلامها بصبر مذهل، وتكتم معاناتها في داخلها.

وكلما رأيتها تتلوى أيامًا طويلة من ألم أصابعها المتورمة والزرقاء اللون، ازددت يقينًا بقسوة أبي التي بدت لي أشبه بقسوة مصاصي الدماء.

ومهما حاولت إقناعها بالذهاب معي إلى الطبيب، رفضت.

وعندما سألت أبي لماذا لا يأخذها إلى المستشفى، خيّل إليّ أن ستارًا داكنًا هبط على وجهه.

فقال لي بحدة:

أنت مجرد طفل، فاذهب وافعل حماقات الأطفال. لا أحد يحتاج إلى نصائحك.

وفي إحدى المرات سألت عمّتي:

هل صوروك هناك في فيلم؟

فاجتمعت حاجباها الجميلان الدقيقان من شدة الدهشة، وبدا جبينها أصغر مما هو عليه.

أي فيلم؟ ماذا تقصد بفيلم؟

ومن رد فعلها شعرت أنه لو كان شيء من هذا القبيل قد حدث فعلًا، لكان مجرد ذكر الكلمة كافيًا لإحياء ذكريات مؤلمة في نفسها. كما أنها لا بد أدركت أنني سمعت ذلك من أحد، لأن مثل هذه الفكرة لا يمكن أن تخطر ببال طفل من تلقاء نفسه.

قالت بعد لحظة:

إذن فمثل هذه الأقاويل تنتشر أيضًا؟

ثم أطلقت صوتًا يشبه هذيان النائم، ومشت نحو النافذة شاردة الفكر ويداها مطويتان على صدرها.

قلت لها:

عبد العلي يقول إنهم يختارون أجمل الفتيات لمثل تلك الأفلام. ويقول إن هذه الأفلام هي الأكثر رواجًا في العالم الآن لأنها تدر أموالًا كثيرة.

استدارت نحوي عمّتي، وكانت تراقب المارة في الشارع، ثم قالت:

لكنني لست جميلة أصلًا يا عزيزي. لماذا تصدّق كلام كل أحمق؟

لم أجبها. تركتها في الغرفة وخرجت.

في الحقيقة خرجت لأنني شعرت بخجل لا يوصف من نفسي ومن كلامي. ولو انشقت الأرض تحت قدمي في تلك اللحظة لدخلت فيها من شدة الحرج.

ولم تكن عمّتي لتعرف أبدًا كم مرة ذرفت الدموع في الخفاء كلما سمعت خبرًا جديدًا عنها.

ولكي تعرف ذلك، كان ينبغي أن أجلس أمامها وأروي لها واحدًا واحدًا كل ما سمعته عنها خلال تلك الأشهر القاسية

لم أظهر أمام عمّتي يومين كاملين. ويبدو أنها هي أيضًا لم تكن متحمسة للقائي وجهًا لوجه.

وفي اليوم التالي كنت جالسًا على غصن شجرة توت كثيفة الأوراق، ألهو وحدي، عندما رأيت عمّتي عائدة من جلب الماء. وما إن لمحَت العم سيد مر قادمًا من بعيد حتى شعرت بأنها أبطأت خطواتها.

وصل الرجل إليها وتوقف.

بعد أن ألقت عليه السلام، راح الاثنان يتأمل أحدهما الآخر بنظرات غامضة.

في الحقيقة، لم أكن أتوقع أن يتجاهل العم سيد مر تحية عمّتي. فمن ذا الذي لا يعرف في القرية أنه كان في يوم من الأيام مولعًا بها إلى حد الجنون، وأنه لم يتزوج حتى الآن بسببها؟

ثم إن السلام سلام الله، ورده واجب. وكان تجاهل تحيتها في مثل ظرفها هذا أمرًا لا ينسجم مع الرحمة أو المروءة.

أليس هو نفسه الذي ترجاني قبل خمس أو ست سنوات أن أوصل إليها رسالة كتبها لها؟

لكن من يدري؟ ربما كان العم سيد مر قد سمع هو أيضًا ما سمعته أنا من شائعات. وربما كانت هناك أمور أخرى لا أعرفها ولا أفهمها.

ظل يرمقها بنظرات ساخرة ثم مضى في طريقه.

وبعد أن ابتعد قليلًا، توقف فجأة، واستدار من جديد، وأخذ يتفحص عمّتي التي بقيت واقفة في مكانها كأنها متحجرة. ثم هز رأسه ومضى مرة أخرى.

وبعد قليل كنت قد صعدت إلى الشرفة عندما سمعت صوت أمي وهي تحدث عمّتي. كانت تخاطبها بالنبرة نفسها التي يُخاطَب بها طفل صغير.

في تلك الليلة لم تخرج عمّتي من غرفتها حتى الصباح.

وبين الحين والآخر كنت أتسلل إلى الباب، وأنظر من ثقب المفتاح، فأراها تبكي.

وكعادتهما في الأيام الأخيرة، لم يدعها أبي وأمي إلى مائدة العشاء.

وبعد أن تأكدت من أنهما ناما، أخذت بعض الطعام خلسة وذهبت إلى غرفتها.

فلما رأت ما أحمله ابتسمت ابتسامة حزينة.

ومن مجيئي المفاجئ والمضطرب أدركت فورًا ما يجول في خاطري.

وضعت الطعام على الطاولة ووقفت أمامها.

كانت تبدو كمن مات ثم عاد من الموت.

وفي تلك اللحظة، حتى لو نزل الله من السماء ليؤكد لي أنها ستعيش حتى الصباح، لما استطعت أن أصدق.

ولكي أمنع نفسي من الصراخ من شدة الخوف، أحطت عنقها بذراعيّ وقلت:

أحبك كثيرًا يا عمّتي… أحبك كثيرًا جدًا.

كانت تنظر إلى ألبوم صور أمامها.

فابتسمت ابتسامة خفيفة وقالت:

وأنا أيضًا.

لكن وجهها لم يشرق حتى بهذه الابتسامة.

ومع ذلك، ظلت عمّتي جميلة كما كانت دائمًا.

وكانت جدتي تقول باستمرار:

هذه الفتاة جميلة، لكن الحظ لم يكن جميلًا معها.

وقد رحلت جدتي عن الدنيا وهي تردد شكواها من سوء حظ ابنتها.

ثم مدت إليّ صورة كانت قد أبعدتها جانبًا وقالت:

عندما تكبر، احتفظ بهذه الصورة. لا تُرها لأحد. ضعها بين صفحات كتابك، وستبقى محفوظة.

قلت دون تفكير، كما يفعل الرجال عندما يقطعون وعدًا:

بالتأكيد.

ثم نظرت بحزن إلى الصورة التي جمعت أفراد أسرتها الأربعة.

وحتى أنا دهشت من المكان الذي اختارته عمّتي لحفظ الصورة. فقد أوصتني أن أضعها داخل كتاب، وكان لدي بالفعل كتب لم أفتحها منذ سنوات طويلة، حتى قبل الحرب.

جلسنا قليلًا بعد ذلك.

ثم قالت عمّتي، وقد اغرورقت عيناها بالدموع، إنها تريد أن أبقى وحدها.

وفي الحقيقة، لم أكن أنوي البقاء طويلًا. كنت أريدها أن تأكل بهدوء وراحة.

في صباح اليوم التالي، وقبل انبلاج الفجر، أيقظنا صوت العم علمدار وهو يصرخ بفزع:

حريق! حريق!

كان يصرخ وكأنهم يقطعون جسده أمام عينيه.

ورغم أننا اعتدنا منذ زمن على أصوات الفواجع، هرعنا جميعًا إلى الشرفة.

كان شيء ما يحترق في وسط الساحة.

وامتلأ المكان برائحة خانقة كريهة تكاد تفجر الرأس.

وكانت ظلال الناس الطويلة، وهم يركضون هنا وهناك محاولين إطفاء النار وهم يصرخون، ترسم على الأرض والجدران مشهدًا مرعبًا.

لكن عمّتي لم تكن بينهم.

فاندفعت إلى الداخل لأحذرها.

كانت الغرفة فارغة.

حتى الطعام الذي جئت به الليلة الماضية بقي كما هو فوق الطاولة.

ركضت إلى الخارج مرة أخرى.

وأول من وقعت عليه عيناي كان أبي، يقف على جانب الساحة شبه عارٍ، يبكي بصمت.

ثم سمعت أحدهم يذكر اسم عمّتي.

وكان الجميع يرددون اسمها للقادمين الجدد.

وعندها فقط بدأت أفهم ما حدث.

وفجأة صرخت كالمجنون:

عمّتي! … عمّتي!

وخُيّل إليّ أن صوتي هز القرية كلها.

لكنني لم أرَ سوى العم سيد مر واقفًا في حزن، يحمل بندقيته الآلية، وقد أضاءت النيران وجهه.

ولسبب لا أعرفه، شعرت في تلك اللحظة أن كل الذنوب، وكل الأخطاء، وكل ما حدث… كان يقع على عاتقه هو وحده.

يوليو 1992

Related Posts

Academy of the Kingdom of Morocco Launches Landmark Seminar Cycle on African and Diasporic Literatures

Rabat, Morocco – June 9, 2026 – The Chair of African Literatures and Arts at the Academy of the Kingdom of Morocco has inaugurated a major year-long academic initiative entitled…

Десять лет серии Литература Шёлкового пути

Празднование трансконтинентального литературного проекта и объявление Культурной личности 2026 года Каир — Музей «Дарна» В этом месяце культурное сообщество отмечает десятилетие со дня основания серии «Литература Шёлкового пути», созданной в…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *