في عالم الأدب، يكتب كثيرون، لكن القليل منهم يحوّل الأدب إلى جسرٍ بين الثقافات. وأشرف أبو اليزيد من هذه القلة. فقلمه لا يروي التجارب الشخصية فحسب، بل هو جدولٌ يرتوي من ينابيع ثقافية متعددة، ليصبّ في النهاية في بحر الإنسانية الكبير. ولذلك تفوح من أعماله رائحة السفر؛ سفرٌ في المكان، وسفرٌ في التاريخ، وسفرٌ في روح الإنسان.

في زمنٍ تُقيم فيه ضوضاء السياسة أحياناً جدراناً عالية بين الشعوب، فتح هو، بلغة الشعر والثقافة، نوافذ للحوار. إن إيمانه بالأدب إيمانٌ عميق وإنساني؛ فهو لا يراه زينةً للمجالس الفكرية، بل قوةً لتقريب القلوب. ومن هذا المنظور، فإن كل قصيدة لديه جسرٌ بين ضفتين، وكل كتابٍ مصباحٌ في طريق التعارف المتبادل بين الأمم.
وأكثر ما يتجلّى في شخصية أشرف أبو اليزيد الثقافية هو روحه الباحثة المستكشفة. فقد سار، كقائد قافلة ثقافية، سنواتٍ طويلة في دروب آسيا وأفريقيا وأوروبا، وترك في كل محطة أثراً من الصداقة والتآلف. ومشروعاته الأدبية الدولية، ولا سيما «إبداعات طريق الحرير»، دليلٌ واضح على أن الثقافة ما زالت قادرة على أن تكون اللغة المشتركة بين البشر.
وليس من قبيل المصادفة أن يعدّه كثير من شعراء العالم وكتّابه من أكثر الشخصيات الثقافية تأثيراً في عصرنا. فدوره البارز في بناء جسور التواصل بين الشعوب، والتعريف بالشعراء والكتّاب والمفكرين من مختلف اللغات والثقافات، يُعد خدمةً خالدة للتراث الإنساني المشترك. فهو لم ينقل صوت الأدب العربي إلى العالم فحسب، بل قرّب أيضاً أصوات الشعوب القريبة والبعيدة بعضها من بعض.
يمكن اعتبار أشرف أبو اليزيد من جيل الأدباء الذين عرّفوا رسالتهم بما يتجاوز مجرد الإبداع الأدبي. فهو ليس شاعر الكلمات فحسب، بل شاعر اللقاءات أيضاً؛ وليس كاتب الكتب فقط، بل كاتب فصولٍ من التفاهم بين الأمم. وفي نظره، ليس العالم مجموعة جزرٍ معزولة، بل حديقةً كبيرة تمثل كل ثقافة فيها زهرة، ويكمن جمال الحديقة في هذا التنوع والتعايش.
وبالنسبة لكثير من أهل القلم، فإن التعرف إلى شخصية كهذه يُعد مصدر فخر؛ إذ يمكن في شخصه أن نرى الشاعر والكاتب والصحفي والمفكر والإنسان المحب للخير في آنٍ واحد. فالصداقة معه ليست مجرد علاقة أدبية، بل فرصة لمجالسة عقلٍ مستنير ورؤيةٍ عالمية تعتبر الأدب طريقاً للسلام والمعرفة والتعاطف بين البشر.
ولعل سر خلود مثل هذه الشخصيات يكمن في أنها تفكر للمستقبل أكثر مما تعيش لزمنها الحاضر. وأشرف أبو اليزيد من هذا الطراز؛ أديب تجاوز صوته حدود وطنه، ووصل إلى أصقاع مختلفة من العالم. وهو يذكّرنا بأن الثقافة هي أقوى المعابر بين الشعوب، وأن الأدب لغة تفهمها جميع القلوب.
والدليل على هذه الكلمات هو كاتبها نفسه، إذ أقيم في إحدى المحافظات الشمالية من إيران، وهي جيلان، ومن قرية عليسرا التابعة لناحية كوجصفهان. وقد قادتني نشاطاتي الثقافية والأدبية إلى التواصل مع الأستاذ أشرف أبو اليزيد، فاستقبلني برحابة صدر وقبل صداقتي. وهو يُعد من الشخصيات الفريدة والمؤثرة في مختلف المجالات الثقافية والفنية في العالم المعاصر.
وهنا أرى من واجبي أن أذكر السيد فاديم ترخين، الشاعر والكاتب الروسي المثقف، مؤسس رابطة كتّاب البريكس والرئيس المشارك للشبكة الوطنية لآداب دول البريكس، إذ بدعوته أصبحتُ أحد الأعضاء المؤسسين لرابطة كتّاب البريكس، وهناك تعرّفت إلى الشخصية الاستثنائية للأستاذ أشرف أبو اليزيد.
إنه شخصية هادئة، وإنسان مثقف بكل ما تحمله الكلمة من معنى في عالمنا المعاصر. فملامحه الهادئة والودودة تجذب كل من يلتقيه. وهو لا يعرف الكلل، ويظل على مدار ساعات الليل والنهار متفاعلاً مع أهل الثقافة والأدب من مختلف البلدان.
وأحتفظ في مكتبتي بمجموعة شعرية بعنوان «بر بند مرگ» تُرجمت إلى اللغة الفارسية ونشرتها مترجمة إيرانية، وقد قرأت قصائدها مراتٍ عديدة. إن قصائده حيّة، وتدخل في حوارٍ مع القارئ، وهذا هو سر شعر أشرف دالي. وأحياناً أشعر أن أشرف دالي إيراني ومن أبناء محافظتي، يعيش في جيلان الخضراء ومدينة رشت كثيرة الأمطار؛ فهذا الإحساس استمددته من قصائده.
وأرى أن أشرف أبو اليزيد أسطورة الثقافة والأدب في العالم المعاصر. فهو يعامل الجميع بلطف، ويمكن القول إنه أبٌ حنون لجميع أهل الثقافة والفن والأدب في العالم. وإن الكتابة في بضعة أسطر عن شخصيته الرفيعة أمر بالغ الصعوبة، ويتطلب جرأة كبيرة لحمل القلم والكتابة عنه.
ومن هنا، يمكن تسجيل اسم أشرف أبو اليزيد في عداد المثقفين الذين لم يتركوا أثرهم على صفحات الكتب فحسب، بل على خريطة العلاقات الثقافية بين الأمم أيضاً؛ رجلٌ عبر الحدود ليعيد اكتشاف الإنسان في رحاب الإنسانية الكبرى.
حميد نظرخواه عليسرائي
جيلان – إيران
يونيو 2026





