
فِي تَجْرِبَةِ مُحَمَّدِ الشَّارْنِي، لا نَقْرَأُ قَصِيدَةً فَقَطْ، بَلْ نَسْمَعُ وُجْدَانًا يَتَنَفَّسُ وَيَتَكَلَّمُ، يُصَوِّغُ مَعْنَى الوُجُودِ بِلُغَةٍ لا تُشْبِهُ إِلَّا صَاحِبَهَا. اخْتَارَ الشَّارْنِي أَنْ يُجَنِّبَ قَصِيدَتَهُ الشَّكْلَ الكَلَاسِيكِيَّ، وَيَنْطَلِقَ فِي فَضَاءٍ شِعْرِيٍّ حُرٍّ وَنَابِضٍ، يُنْبَثِقُ مِنْ مَشَاعِرِهِ بِكُلِّ صِدْقٍ وَسَلَاسَةٍ، رَافِضًا القَوَالِبَ الجَاهِزَةَ، وَمُؤْمِنًا أَنَّ لِلشِّعْرِ حَقًّا فِي أَنْ يُجَدِّدَ نَفْسَهُ. والمعنى فِي قَصَائِدِهِ فَضَاءٌ مَفْتُوحٌ عَلَى كُلِّ أَسْئِلَةِ الإِنْسَانِ، بِلَا سُقُوفٍ، وَبِلَا مُجَازَاتٍ مُغْلَقَةٍ، بَلْ بِمَا يُشْبِهُ الحِوَارَ الفَلْسَفِيَّ الشِّعْرِيَّ، فِيهِ يَسْتَجْلِي الشَّارْنِي أَعْمَاقَ الذَّاتِ، وَيُوَظِّفُ الحُرُوفَ كَمَفَاتِيحَ أَصْدَرَ دِيوَانَهُ الأَوَّلَ بِعُنْوَانِ “الجَنَّةُ الضَّائِعَةُ”، وَيَتَضَمَّنُ قَصَائِدَ ذَاتَ نَزْعَةٍ فَلْسَفِيَّةٍ، تَغُوصُ فِي أَسْئِلَةِ الوُجُودِ وَالهُوِيَّةِ وَالمَعْنَى.
في مَلَامِحُ أُسْلُوبِهِ الشِّعْرِيِّ يسعى محمد الشارني الى التَّحَرُّرُ مِنَ البُحُورِ الكَلَاسِيكِيَّةِ فـيَتَجَاوَزُ أَوْزَانَ الخَلِيلِ (كَالطَّوِيلِ، وَالوَافِرِ…) لِصَالِحِ بِنْيَةٍ شِعْرِيَّةٍ أَكْثَرَ تَحَرُّرًا، تُرَاعِي المُوسِيقَى الدَّاخِلِيَّةَ وَتَنْسِيقَ الصَّوْتِ وَالمَفْرَدَةِ. تأخُذُه النَّزْعُ إِلَى الشِّعْرِ الحُرِّ وَالتَّفْعِيلَةِ تَسِيرُ قَصَائِدُهُ عَلَى نَمَطِ التَّفْعِيلَةِ فِي مَوَاضِعَ الرَّمْزِ وَالطَّرْحِ الفَلْسَفِيِّ، وَتَنْقَطِعُ أَحْيَانًا بِـمَسَاحَاتٍ نَثْرِيَّةٍ خَالِصَةٍ تُجَسِّدُ الفِكْرَةَ. يُوصَفُ أُسْلُوبُهُ بِأَنَّهُ شِعْرٌ حُرٌّ بِوَعْيٍ إِيقَاعِيٍّ، لا نَثْرٌ شِعْرِيٌّ. لُغَةٌ تَأَمُّلِيَّةٌ وَتَجْرِيدِيَّةٌ يَعْتَمِدُ عَلَى تَرَاكِيبَ مَفْتُوحَةٍ وَرُمُوزٍ كَثِيفَةٍ، وَتَغِيبُ الجُمَلُ التَّقْرِيرِيَّةُ لِصَالِحِ الاسْتِعَارَاتِ وَالمَجَازَاتِ. قَصِيدَتُهُ مَشْهَدٌ دَاخِلِيٌّ، لا سَرْدٌ خَارِجِيٌّ. في مُرَاوَحَةٌ بَيْنَ الإِيقَاعِ وَالمَعْنَى يَسْتَخْدِمُ الإِيقَاعَ عِنْدَمَا يُضْفِي طَاقَةً شِعْرِيَّةً، وَيَتَحَرَّرُ مِنْهُ عِنْدَ البَحْثِ عَنْ أُفُقٍ فِكْرِيٍّ أَوْسَعَ. وَصَفَهُ بَعْضُ المُتَابِعِينَ بِـأَنَّهُ «يَكْتُبُ قَصَائِدَ فَلْسَفِيَّةً بِتِقْنِيَاتٍ شِعْرِيَّةٍ حَدِيثَةٍ، وَيَسْتَلْهِمُ مِنَ الحَرْفِ طَاقَةً رَمْزِيَّةً لا تُحَاصِرُهَا قَافِيَةٌ وَلا وَزْنٌ»، فَيُبْرِزُ ذَلِكَ نَزْعَتَهُ لِخَلْقِ شَكْلٍ شِعْرِيٍّ خَاصٍّ لا يَنْسَخُ أَحَدًا، وَلا يَسْتَقِرُّ فِي قَالِبٍ جَامِدٍ.حَظِيَ الشَّاعِرُ مُحَمَّدُ الشَّارْنِي بِاهْتِمَامِ نُخْبَةٍ مِن الشُّعَرَاءِ، تَوَاصَلَ مَعَهُمْ فِي أُمْسِيَاتٍ شِعْرِيَّةٍ قَدَّمَ خِلَالَهَا نُصُوصًا مُنْتَقَاةً مِنْ دِيوَانِهِ “الجَنَّةُ الضَّائِعَةُ”، وَقَدْ وَصَفَ بَعْضُهُمْ أَعْمَالَهُ بِأَنَّهَا وَاعِدَةٌ، وَتَحْمِلُ فِي بِنْيَتِهَا أَطْرُوحَاتٍ فَلْسَفِيَّةً تَسْتَحِقُّ التَّقْدِيرَ وَالتَّقْصِّي فِي القِرَاءَةِ. في استعماله الرَّمْزِيَّةُ الثَّقَافِيَّةُ يُوظِّفُ شاعرُنا الرُّمُوزَ المُرْتَبِطَةَ بِالتُّرَاثِ التُّونِسِيِّ وَالعَرَبِيِّ (كَالنَّخْلَةِ، وَالبَحْرِ، وَبَابِ المَدِينَةِ، وَالخَيْمَةِ…). تُسَاهِمُ هَذِهِ الرُّمُوزُ فِي بِنَاءِ شَبَكَةٍ دَلَالِيَّةٍ تَرْبُطُ بَيْنَ المَاضِي وَالحَاضِرِ. و تُظهِر شُعُورَالانْتِمَاءِ المُمَزَّقِ بِلُغَةٍ تَأَمُّلِيَّةٍ، تُطْرَحُ فِيهَا أَسْئِلَةُ الوُجُودِ وَالذَّاتِ. يَتَجَلَّى الطَّرْحُ الفَلْسَفِيُّ وَالنَّقْدِيُّ فِي نُصُوصِ الشَّاعِرِ محمد الشارني، مُثْقِلًا القَصِيدَةَ بِمَفَاهِيمِ عَميقَةٍ كَمِفْهُومِ “العَدَمِ”، وَمَنْطِقِ “التَّفَكُّكِ”، وَثِقَافَةِ “الجَدَلِ”. وَهَكَذَا تَغْدُو القَصِيدَةُ وَسِيلَةً لِطَرْحِ الأَسْئِلَةِ، لا لِبَسْطِ الإِجَابَاتِ الجَاهِزَةِ، وَتُــفْسِحُ المَجَالَ لِبِنَاءِ حِوَارٍ نَقْدِيٍّ وَاعٍ بَيْنَ الثَّقَافَةِ العرِبِيَّةِ وَالثَّقَافَاتِ الأُخْرَى. يَتَوَزَّعُ الدِّيوَانُ عَلَى 99 قَصِيدَةً، تُمَثِّلُ كُلٌّ مِنْهَا وَقْفَةً أَمَامَ المَجْهُولِ، أَوْ ارْتِطَامًا بِاليَقِينِ المُرَاوِغِ.






