قراءة نقدية في الجسد في الفنون البصرية تحت عباءة شيوخ وقساوسة الفنون الجميلة

يأتي مقال الفنان العالمي والناقد والروائي عبد الرازق عكاشة، في افتتاح حلقته الأولى من سلسلة «الجسد في الفنون البصرية تحت عباءة شيوخ وقساوسة الفنون الجميلة»، ليقتحم منطقة شديدة الحساسية في الثقافة العربية المعاصرة: منطقة التماس بين الجسد والفن والدين والتعليم والحرية.


مدرسة الجراند شومير وسط باريس
ما يلفت النظر منذ البداية أن عكاشة لا يكتب دفاعًا بسيطًا عن «الموديل العاري»، ولا يكتفي بمهاجمة الرافضين له أو الانتصار للمدافعين عنه، بل يحاول ــ وإن بدا أسلوبه أحيانًا مشحونًا بالدهشة والغضب ــ أن يعيد السؤال إلى مستواه الذي يراه جديرًا به: المستوى الفلسفي والإنساني والتاريخي والتعليمي.

وهنا تكمن القوة الأساسية في المقال.
فالمشكلة، في رأيه، ليست في أن يكون الإنسان مع العري أو ضده، وإنما في الكيفية التي تحوّل بها نقاش أكاديمي وفني معقد إلى مسابقة علنية في إثبات التدين أو الدفاع عن الحرية، على صفحات التواصل الاجتماعي.

حين يصبح الفيسبوك بديلاً عن المؤسسة
من أهم الأسئلة التي يطرحها عكاشة، ولو في صيغة احتجاجية، سؤال السلطة المؤسسية. فهو يرى أن قضية إدخال الموديل العاري إلى التعليم الفني أو منعه ليست قرارًا فرديًا يصدر عن أستاذ أو مجموعة من الأساتذة، ولا قضية تحسمها التعليقات والإعجابات على «فيسبوك».
وهذه ملاحظة تستحق التوقف عندها.
فالتعليم الفني ليس فضاءً عشوائيًا، بل يقوم على مناهج ولوائح وأهداف تربوية ومسؤوليات إدارية وقانونية. ومن ثم فإن تحويل قضية تتصل بطبيعة التدريب الأكاديمي إلى مواجهة شخصية بين «المتدين» و«المتحرر» هو في ذاته، كما يوحي المقال، هروب من جوهر القضية.
إن السؤال الحقيقي ليس:
هل أنت مع العري أم ضده؟
بل:
ما موقع دراسة الجسد في منهج تعليم الفن؟ وما البدائل العلمية الممكنة؟ وما الشروط الأخلاقية والقانونية والنفسية التي تحكم هذه الممارسة؟

هذه الأسئلة أكثر تعقيدًا بكثير من ثنائية الحلال والحرام، كما أنها أكثر احترامًا للفن وللمؤسسة التعليمية وللطالب وللإنسان الذي يصبح جسده موضوعًا للدراسة.
الجسد ليس مرادفًا للفجور
أقوى أطروحات عكاشة تتمثل في رفضه التسطيح الذي يجعل الحديث عن الجسد العاري مساويًا تلقائيًا للحديث عن الفجور أو الممارسة الجنسية.
وهنا ينتقل المقال من المعركة الاجتماعية إلى جوهر الفلسفة الجمالية.
فالجسد في تاريخ الفن ليس مجرد موضوع للرغبة، بل كان أحد أهم أدوات المعرفة البصرية. لقد درس الفنانون الجسد بوصفه بناءً وتشريحًا وحركة ونسبة وضوءًا وكتلة وفراغًا. ومنذ الفنون القديمة حتى عصر النهضة والمدارس الحديثة والمعاصرة، كان الجسد أحد مختبرات الفنان الكبرى لفهم الإنسان.

وهذا لا يعني أن كل تمثيل للجسد متحرر من الرغبة أو من الإيحاء الجنسي، فالفن نفسه قادر على إنتاج المعاني المتناقضة. لكن الخلط بين الجسد بوصفه موضوعًا فنيًا والجسد بوصفه موضوعًا جنسيًا هو اختزال معرفي لا يقل خطورة عن اختزال الفن نفسه في وظيفة أخلاقية أو وعظية.
ولهذا فإن غضب عكاشة من استخدام كلمات مثل «الفجور» و«المحرم» في نقاش أكاديمي يبدو مفهومًا، حتى لو اختلفنا مع بعض نبرته الحادة في توصيف خصومه.
فالاعتراض الأخلاقي حق، كما أن الدفاع عن المرجعية الدينية حق، لكن تحويل الحكم الديني وحده إلى بديل عن التاريخ وعلم النفس وفلسفة الفن والتربية يضعف النقاش بدل أن يقويه.

«شيوخ وقساوسة الفنون»: استعارة تستحق النقاش
اختيار عكاشة لعبارة «تحت عباءة شيوخ وقساوسة الفنون الجميلة» ليس مجرد عنوان صحفي صادم؛ إنه استعارة عن انتقال بعض الأكاديميين، في نظره، من وظيفة التعليم والتحليل وإنتاج المعرفة إلى وظيفة الوصاية وإصدار الأحكام المطلقة.
وهو يرفض، بوضوح، أن يصبح أستاذ الفن مجرد رجل دين جديد داخل قاعة الدرس.
لكن هنا يمكن توسيع النقد الذي يفتحه المقال.
فالمشكلة ليست في الدين ذاته، ولا في حضور الأخلاق داخل التعليم الفني. فلا يوجد تعليم، في الحقيقة، بلا منظومة قيم. المشكلة تبدأ حين تتحول القيمة إلى أداة لإغلاق السؤال.
الفنان أو الأستاذ يستطيع أن يقول: «أنا أرفض هذا النوع من التدريب لأسباب أخلاقية أو ثقافية أو نفسية». هذا موقف قابل للنقاش.
لكن القول إن المسألة انتهت لأنها «حرام» فقط، دون بحث في تاريخ الفن أو في احتياجات الطالب أو في البدائل التعليمية أو في شروط العمل، هو ما يجعل الحوار يخرج من فضاء المعرفة إلى فضاء الفتوى.
ومن هنا تأتي قيمة اعتراض عكاشة: إنه يطالب، في جوهره، بأن يتحدث أساتذة الفنون بلغة الفن أيضًا.
باريس: حين تكون المفاجأة أكثر تعقيدًا من الأسطورة
من أكثر أجزاء المقال إثارة للانتباه انتقال عكاشة إلى تجربة باريس، وتحديدًا إلى تاريخ دراسة الجسد في مدرسة الفنون الجميلة.
وهنا يحاول الكاتب تحطيم صورة ذهنية شائعة في النقاش العربي: أن «الغرب الحر» يقف دائمًا مع الجسد العاري، بينما «الشرق المحافظ» يقف دائمًا ضده.
إن هذه الثنائية، في الحقيقة، غير كافية لفهم التاريخ.
فقصة منع أو تقييد الموديل العاري في مؤسسة فنية لا يمكن قراءتها تلقائيًا باعتبارها انتصارًا للمحافظة أو هزيمة للحرية. كما أن السماح به لا يعني تلقائيًا التحرر الكامل.
وهذا هو الجانب الأكثر إثارة في مقال عكاشة: أن المنع نفسه يمكن أن يصدر عن منطلقات إنسانية واجتماعية، وليس بالضرورة دينية.
فإذا كان رفض بعض الطلاب لاستعمال الجسد العاري نابعًا من التعاطف مع هشاشة النموذج الاقتصادية، أو من رفض تحويل حاجة الإنسان إلى المال إلى وسيلة لعرض جسده، فإننا نكون أمام سؤال مختلف تمامًا عن سؤال التحريم.
وهنا يصبح الجسد مركزًا لقضية اجتماعية: هل نحن أمام حرية فردية حقيقية؟ أم أمام علاقة اقتصادية غير متكافئة بين المؤسسة ومن يبيع وقته وجسده من أجل المال؟
هذا السؤال شديد المعاصرة، ويتجاوز بكثير الصراع التقليدي بين المحافظين والليبراليين.
المفارقة: المنع لا يصنع الأخلاق، والسماح لا يصنع الحرية
يلفت عكاشة الانتباه إلى مفارقة تاريخية مهمة حين يشير إلى وجود مدارس فنية أخرى استمرت في دراسة الجسد العاري، ومنها أكاديمية غراند شوميير، التي ارتبط تاريخها بعدد من التجارب الفنية الكبرى.
وهنا تتضح حقيقة أساسية:
لا توجد مؤسسة واحدة تحتكر تعريف الحرية الفنية.
يمكن لمؤسسة أن تمنع ممارسة معينة وتظل منتجة لفن عظيم، ويمكن لمؤسسة أخرى أن تسمح بها وتنتج تجارب مختلفة. لذلك فإن ربط قيمة الفن الأخلاقية أو الجمالية بوجود الموديل العاري أو غيابه هو بدوره تبسيط.
وربما كان السؤال الأكثر عمقًا، الذي يمكن أن نضيفه إلى مقال عكاشة، هو:
هل يستطيع التعليم الفني المعاصر أن يدرس الجسد بوسائل جديدة، تجمع بين المعرفة التشريحية والوسائط الرقمية والنماذج الحية والبدائل الافتراضية، دون أن يفقد العمق الإنساني للخبرة الفنية؟
هذا السؤال قد يخرج النقاش المصري من الحرب الأيديولوجية إلى مساحة التطوير الأكاديمي.
بين نقد عكاشة وبعض ما يحتاج إلى مراجعة
مع الاتفاق مع كثير من المنطلقات الأساسية للمقال، فإن القراءة النقدية تقتضي الإشارة إلى أن بعض العبارات الواردة فيه تحتاج إلى قدر أكبر من التوثيق والفصل بين الوقائع والتحليل الشخصي.
خصوصًا عندما ينتقل النقاش إلى تفسير أحداث ثورة مايو 1968 في فرنسا، أو إلى الحديث عن «المال اليهودي» بوصفه قوة مفسرة للحركات الاجتماعية والاقتصادية والفنية.
فهذه منطقة تحتاج إلى حذر علمي شديد.
إن تاريخ ثورة 1968 الفرنسية، والحركات الطلابية والعمالية، والتغيرات الاقتصادية والثقافية التي صاحبتها، أكثر تعقيدًا من اختزالها في تفسير إثني أو ديني أو في «مافيا مالية». كما أن نقد الرأسمالية العالمية أو تحليل تأثير رأس المال في الفنون والثقافة لا يحتاج إلى ربطه بجماعة دينية أو إثنية بعينها.
والقوة الفكرية التي يطالب بها عكاشة خصومه ــ أي الاحتكام إلى الفلسفة والتاريخ والإنسانية ــ هي نفسها القوة التي ينبغي أن تحكم كل تفسير تاريخي يقدمه الكاتب.
فالمقال يصبح أكثر تأثيرًا عندما يظل نقده موجَّهًا إلى البنى الاقتصادية والمؤسسات والسلطات الثقافية، بدلًا من الانزلاق إلى تعميمات قد تضعف القيمة البحثية لفكرته الأساسية.
ما الذي يريده عبد الرازق عكاشة في الحقيقة؟
خلف الغضب الظاهر في المقال سؤال أكثر هدوءًا وعمقًا:
هل نريد لفنوننا الجميلة أن تكون مكانًا لإنتاج المعرفة أم مكانًا لإعادة إنتاج الأحكام الجاهزة؟
هذا هو السؤال الحقيقي.
فالمقال لا يدافع فقط عن «موديل عارٍ»، بل يدافع عن حق الفن في أن يناقش موضوعاته بأدواته: التاريخ، والفلسفة، والجماليات، وعلم النفس، والتشريح، والأنثروبولوجيا، والاقتصاد الاجتماعي.
والأهم من ذلك أنه يدعو، بصورة غير مباشرة، إلى إعادة الاعتبار للإنسان.
فالإنسان في هذا النقاش هو الطالب، والأستاذ، والفنان، والموديل، والمتلقي، وصاحب المعتقد، وصاحب الحق في الاختلاف.
وحين يغيب الإنسان، تتحول القضية إلى شعارات.
في انتظار الحلقة التالية
تبدو الحلقة الأولى من «الجسد في الفنون البصرية تحت عباءة شيوخ وقساوسة الفنون الجميلة» بداية لنقاش أكبر مما توحي به المعركة الفيسبوكية التي انطلقت منها.
لقد وضع عبد الرازق عكاشة إصبعه على جرح حقيقي في الثقافة العربية: سهولة تحويل الأسئلة المعقدة إلى أحكام بسيطة.
لكن قيمة المشروع ستكون أكبر كلما اتسع النقاش في الحلقات القادمة ليشمل تاريخ الجسد في الفن المصري والعربي، والمناهج الأكاديمية، وتجارب الفنانين، وحقوق النماذج البشرية، وأخلاقيات العمل، والبدائل التعليمية الحديثة، والفارق بين حرية الفنان وحرية المؤسسة.
فالجسد، قبل أن يكون عاريًا أو مستورًا، هو أول حقيقة يلتقي بها الإنسان.
والفن، قبل أن يكون مساحة للمحظور أو المسموح، هو محاولة مستمرة لفهم تلك الحقيقة.
لعل أهم ما يقوله مقال عكاشة، حتى في صخبه وجدليته، هو أن الفن لا يحتاج إلى شيوخ يمنعونه من السؤال، ولا إلى دعاة حرية يمنعونه من التفكير في المسؤولية.
إنه يحتاج إلى أساتذة.
وإلى فنانين.
وإلى بشر يعرفون أن الإنسان أكبر من جسده، وأن الجسد نفسه أكبر من أن يُختزل في الخطيئة.
ننتظر مقال الجمعة القادم!
د. أشرف أبو اليزيد




