جاليريشخصيات

مُتحف دارنا … يوتوبيا عُكاشة

رحلة يكتبها أشرف أبو اليزيد

سرنا بموازاة نهر النيل، وكأننا نسابق مياهه، حتى جاءت الإشارةالرقمية بأن علينا أن ندور، ليصبح الكورنيش على اليمين، حين توقفتإشارة التطبيق الإلكتروني، بدأت الحيرة، فنحن لا نرى متحفا، ولكنعلى مرمى البصر كانت هناك جزيرة، وكأنها تقول لنا أن علينا اجتيازالماء لننتقل إلى الحلم، ولم تكن هناك سوى فلوكة خشبية ومراقبيبمجدافين، ساعدنا الشباب لنقل الكتب، وتوازن أسرتي التي جاءتبصحبتي، وكان الغروب على جزيرة القرصاية في نهر النيل بالجيزةشاعريا، وكأن الدقائق بين ضفتي النهر الخالد والجزيرة التشكيليةكانت كافية لتنقلنا من عصر إلى عصر.

تركنا الجزر الخيالية التي وردت في الحكايات الشعبية والروايات،فالقرصاية ليست أطلانتس الأسطورية التي ذكرها أفلاطون فيمحاورة تيمايوس وكريتياس، وليست جزيرة الكنز الغامضة فيرواية روبرت لويس ستيفنسون بكنوزها  الدفينة، وهي ليست جزيرةنيفرلاند، موطن بيتر بان وأصدقائه في رواية جيمس ماثيو باري،وبالتأكيد غير جزيرة يوليسيس في أوديسة هوميروس، أو  جزيرةليلبوت فيرحلات جاليفرالتي ابتكرها جوناثان سويفت، وحتماليست جزيرة الكآبة التي ظهرت في رواية دانيال ديفو الأشهر؛روبنسون كروزو، تركنا ذلك كله لنمضي الساعات التالية في جزيرةحقيقية تحمل كنزًا معرفيا وتاريخيا، عبر نهر السين، والبحر المتوسط،ليسكن في قلبٌ نيل مصر. يتوجها متحف دارنا الذي يمثل يوتوبياالفنان التشكيلي عبد الرازق عكاشة.

في متحف دارنا

باريس من قلب القاهرة

كانت تلك رحلتي الأولى للمتحف، متحف دارنا، لمؤسسه الفنانالتشكيلي المصري الفرنسي عبد الرازق عكاشة. أعرف عكاشة منذ عقود،وأتابع تجربته، سجلتها في كتابي (سيرة اللون) الذي صدر عن الهيئةالمصرية للكتاب قبل ربع قرن، وحتى معرضه الأحدث، قبالة المجلسالأعلى للثقافة، ودار الأوبرا المصرية، كانت شمسُ القاهرة قد غربت علىنيلها، لتتسرب أضواء باريسية تضيء مساءها، جلبتها باليتة الفنانالتشكيلي المصري عبد الرازق عكاشة في معرضه الفني الجديد، بقاعةإيزيس، في مركز محمود مختار الثقافي، وجعل عنوانهباريس من قلبالقاهرةلعشرة أيام بدأت بالسادس والعشرين من يناير (كانونالثاني) 2025، في تجربة بصرية فريدة تستكشف التفاعل بينالثقافتين المصرية والفرنسية، ومن خلال أعمال ديناميكية تجمع بينالألوان الزاهية والأشكال التجريدية، يثير فيها عكاشة حوارًا بين الهويةوالتراث والحداثة، مسلطًا الضوء على الإنسانية المشتركة الكامنة فيالتعبير الفني. احتفى المعرض بأسلوب الفنان المبتكر الذي يمزج بينالتقنيات التقليدية والمعاصرة لتسليط الضوء على موضوعات إنسانيةواجتماعية تتعلق بالاتصال الثقافي والإبداع.

نشرت الرحلة في عدد مارس من مجلة أقلام عربية التي تصدر في اليمن

جسدت الأعمال في معرض  باريس من قلب القاهرةعفوية عفية،وجرأة صاخبة، واستدعت رحلة عكاشة وكأنه معرض استعادي، لا يقدمإنتاجه المعاصر، بل يعود لسنوات قبله، وخاصة الأعمال الزيتيةالعملاقة، والتي تتفق جميعا على أنها تترك مساحة ذهنية للمتلقي، منأجل التأويل، وإعادة التأويل، وكأنها ريشة طفل ثائر ، تتأرجح ألوانهبتلقائية ولا يؤطرها إلا تكوين راسخ وكأنه يملأ فراغ اللوحة بمجسماترصينة ذات بعدين! اخترت ثلاثة أعمال وجدتها تمثل رحلة الفنانالتشكيلي عبد الرازق عكاشة وأظهرت تداخلاً غنياً بين التعبيريةوالتجريد، مما يعكس ارتباطاً بالحركات الفنية العالمية. اللوحة الأولى(ألوان ترابية دافئة، أشكال مجردة) تحمل تأثيرات التكعيبيةوالتعبيرية، خصوصًا أعمال جورج روو وأوسكار كوكوشكا. حيث تبدوالأشكال مبسطة إلى حدود التجريد، وهو نهج مشابه لما ظهر في أعمالبيكاسو التكعيبية المتأخرة. ويبدو أن العناصر المتكدسة في الخلفيةتمثل سلالًا منسوجة أو مشنّاتٍ تقليدية لحمل الأغراض على الرأس،مما يستدعي مشاهد الأسواق الإفريقية والمصرية تحديدا. كما أن هيكلةالوجوه داخل التكوينات الهندسية تستحضر لوحات الوجوه الفيوميةالمصرية. تعتمد هذه اللوحة على التبسيط الهندسي للوجوه، وهو مانجده بوضوح في التكعيبية المتأخرة لبيكاسو، خصوصًا في لوحاتهعن النساء (مثلنساء الجزائر” 1955). هناك أيضًا تأثير قوي منجورج روو، حيث تشابه الخطوط السوداء السميكة والملامح التعبيريةالمبهمة أسلوبه في تصوير الشخصيات الدينية والاجتماعية، لكنالفرق الأبرز بين عكاشة وروو هو أن الأخير كان يركز على الدراما الدينيةوالروحية، بينما يحمل عمل عكاشة طابعًا ثقافيًا شرقيا في عناصرالحياة اليومية. أما اللوحة  الثانية (خلفية مقوسة داكنة مع شخصياتغامضة)، فتتصل بقوة بـالتعبيرية الألمانية، وخاصة أعمال إميل نولدهوإيجون شيلي، نظرًا لاستخدامها للأجواء الكئيبة، والأشكال المشوهة،والتعبير العاطفي القوي. ليس ذلك بمستغرب، فمن الكتب التي أهداهالي عكاشة مؤلفه القيم ؛ الثورة والفن التشكيلي العالمي، وهو الجزءالأول لتناوله كناقد أثر الثورات في العقل التشكيلي، وضمّنه عكاشةقراءاته النقدية لإيجون شيلي وغيره.

استخدام عكاشة للونين الأزرق والأخضر الداكنين يُشابه تقنية التضادالضوئي لدى رمبرانت، بينما تبدو الشخصية البيضاء الغامضة فيالمركز مشابهة للصور الصوفية أو الدينية في أعمال فرانسيسكو جوياالمتأخرة. فالإضاءة الدرامية والتباينات اللونية القوية تذكّر بأسلوبرمبرانت، خصوصًا في لوحاته التي تصور مشاهد روحية أو تاريخية(مثلالحفل الليلي“)كما أن الأشكال المشوهة والبنية المعمارية التيتبدو وكأنها تنهار، تحمل بصمات التعبيرية النمساوية لدى إيجونشيلي، الذي كان يستخدم الفرشاة الخشنة والخطوط المتشابكة لإظهارهشاشة الإنسان. مع ذلك، فإن عكاشة يضيف عنصر الحركة والازدحام،مما يمنح اللوحة طابعًا سرديًا يوحي بالمجتمع أو الطقوس الدينيةأكثر من التركيز على الفرد.

وفي لوحته  الثالثة(ألوان جريئة، ثلاث نساء)، فتحمل بصماتالحوشية، لا سيما أعمال هنري ماتيس وأندريه ديرين، بالنظر لألوانهاالمكثفة والفرشاة العريضة التعبيرية. وقفتُ مع الفنان علي المريخينتأملها، واتفقنا أيضا أن هناك من استلهم هذه الفرشاة التعبيرية،كالفنان جبر علوان، لكن لوحة عكاشة مميزة بالأشكال المطوّلةللشخصيات والتي تذكّر بتأثير الأقنعة الإفريقية القبلية، وهو أسلوبمشابه لما استلهمه موديلياني من الفنون غير الغربية. كما أن استخدامالأحمر والأصفر والأزرق كلون رئيسي يتماشى مع أساليب الجداريينالمكسيكيين، مثل دييجو ريفيرا. استخدام الألوان المشعة والخطوطالحرة في تصوير الأجساد يقترب من نهج هنري ماتيس في لوحات مثلالرقصة” (1909) أونساء في الحديقة“. الطابع الطقسي لتجمّعالنساء يذكّر بأسلوب دييجو ريفيرا وجدارياته التي تصور مشاهداجتماعية تعكس حياة الطبقات العاملة. أما الامتداد الطولي للأجسادوالملامح المبسطة للوجوه، فتشبه تأثير الأقنعة الإفريقية الذي يظهربوضوح في أعمال موديلياني، حيث تتحول الملامح إلى رموز مجردةبدلاً من تفاصيل دقيقة. يمكن اعتبار عبد الرازق عكاشة امتدادًا حديثًاللتكعيبية التعبيرية، حيث يدمج الرؤية الحداثية الغربية مع السردالبصري التراثي. تتجلى في أعماله أصداء لبيكاسو، روو، شيلي،وماتيس، لكنه يطوّرها ليخلق عالمًا بصريًا يعكس الثقافة العربية فيروحها الشعبية والاجتماعية، مما يجعل فنه متجذرًا في الهوية الشرقأوسطية، مع امتدادات عالمية في الأسلوب والتقنيات.

سيرة ثرية

ولد عبد الرازق عكاشة في القاهرة، وهو الفنان العالمي المعروفبإسهاماته في الفن التعبيري الحديث. وكنت قرأتُ له أعماله السرديةالأولى التي قدمت الفنانين وتجاربهم في إصدارات أنيقة. متجذرًا فيالتراث الفني المصري، اكتسب عكاشة شهرة دولية بفضل قدرته علىدمج الأصالة المحلية بالجماليات العالمية. واليوم، تجسد أعماله جسرًابين التقاليد الفنية المختلفة، وتعكس فلسفة شخصية ترى أن الفن لغةعالمية تعزز الحوار والتفاهم. ويُعد هذا المعرض الأحدث شهادة أخرىعلى تفانيه في الاحتفاء بالاتصال الإنساني من خلال الفن.

خلال مسيرته الفنية المميزة، عرض أعماله في أماكن مرموقة، بما فيذلك صالات عرض في باريس والكويت وتونس واليابان. وقد حاز علىالعديد من الجوائز، مثل الجائزة الأولى من أصدقاء صالون الخريف،باريس (2008) والميدالية الذهبية في مهرجان المحرس، تونس. وشاركعكاشة أيضًا في العديد من المبادرات الثقافية والفنية حول العالم، بمافي ذلك تمثيل مصر في معارض بمقر اليونسكو ومنتديات دوليةأخرى.

عشرات النقاد كتبوا عن تجربة عكاشة الفريدة، لكني اختار المرور بقلمنويل كوريه، رئيس صالون الخريف ، وهو أحد أهم نقاد أوروبا، إذ كتب: صرخات وهمسات فنان مصري وفرنسي في نفس الوقت بالغ الشهرةفي العالم العربي.أما فرنسا التي تعتبر بلده الثاني. فلقد بدأت أخيراتعرفه وتعترف به لأنه من التشكيلين النادرين في عام 2010 الذينيتطلعون إلي متابعة البحث لاكتشاف خبايا الحداثة بكل إصرار وحزملن نقف كثيرا حول السيرة الذاتية العامرة بالمعارض والتكوين سواء فيالقاهرة أو في احتكاكه الدولي المستمر. بأساتذة بلده . كما لن نقف عندالتضحيات التي قدمتها عائلته كي تتيح المناخ المناسب حتى وصولهإلي اعلي الدرجات في التمكن من فنه؛ فهو فنان مبدع ناقد فني يتمتعبكفاءة فائقة من الواضح انه نهل وتشبع من تاريخ الفن الغربي منذالبدائيين حتى عظماء ومبدعي الفن الحديث في القرن العشرين لم يتركشيئا من مصطلحات الفنون بانوعها ومدارسها . الوحشية أو التكعيبةأو مدرسة باريس أو مدرسة نيويورك أو التجريد دون أن يكون كل ذلكواضح في ذهنه وعلي أتم الوعي به. كفنان له تعبيره الفني الخاصالذي ينبع من داخله حيث إصراره الدائم علي البحث في تاريخ الفنالقديم عبر أصوله المصرية المتأصلة داخله أو في خضم التياراتالتشكيلية الغربية بأخر صيحاتها فبالرغم من وجوده وسط دواماتالتأثيرات التي سبق ذكرها. إلا أن عكاشة لا يتنازل أبدا عما يعتبرهأساسيا في رسالته فهو فرض هويته بنغماته الخاصة وبشاعريةبصمته المميزةومن الواضح أن جدلية عكاشة التشكيلية لا تحمل أيمراوغات أو غش يتحفنا بها المحترفين بالتظاهر . فعكاشة حينما يبدعبمرسمه يكشف لنا بكل سخاء قوته كفنان فيهدينا خبابا كائناته يبالغفي انحناء خطوطه فيفاجئنا بأشكال تعبر عن بصمته من أول وهلهفهو شديد الحرص علي توازن الخط مع اللون . كما عهدنا عند (أوسكاركوكو شكا) الذي يعشقه عكاشة . دائم البحث عن كشف خصوصيةالموديل من وراء قناع وجعله منحنيات خطوطه التعبيرية تكشف عنحساسيته المرهفة وقلقه الدائم. فبرغم أن اللون عنده مواز للخط كماالحال عند( فرنان لجيه) مثلا فهو يستخدمه بحرية مطلقة مكتشفا لامحالة كل إمكانيات توظيفه محللا لنفسه صياغة نوتته الموسيقية عاليةالصدى.. وتارة أخر بموسيقي هادئة مؤنسة . إن صرخات اللونوهمساته وتدرجاته وتنوعاته ليس إلا أدوات يستخدمها الفنان. كييصل إلي درجة التعبيرية التي يريد وضعها في التركيبة النهائيةللوحة, فيصبح العمل الكامل توليفة بين الواقع والخيال . بين الحاضروالماضي . بين الصرخة والصمت … “

ويضيف نويل كوريه: “لقد أسعدنا الحظ يوما بزيارة الفنان في حصةعمل له وحضرنا بأنفسنا هذا التفاعل الغنائي المدهش بين عكاشة وفنهوكيف يبدء تكوين السطح بضربات فرشاته العريضة فتبني لنا إيقاعاتمتداخلة تتحول فجأة إلي إشكال بشرية مفككة ..يتعامل معها كمادةحية فيضع طبقاته اللونية الواحدة تلو الاخري ..وينحت المادةليصنعها ويخلق منها بعض الشفافيات والمنحدرات والمطبات حتىيصل إلي تعبيريته المرادة. يغني عكاشة لوحاته أحيانا بملصقاتوتوظيف مواد متعددة ومختلفة يربط بينهما بمهارته المعهودة . حينيعشق الخط بالمادة واللون بنغمة موسيقية متناسقة ..ليدخلنا عالمافنيا مبهرا حيث يتعايش الجمال الهادئ الصافي مع أضواء خافته . حيث يتحول المرء من الهدوء النفسي إلي التشنج البالغ إلي الإحساسبأوضاع تنسي الغرق الذي نستشف منه الصرخات المكتومة.

هو عالمي خيالي يسعى للربط الدائم بين ذاكرة مصرية عريقة ومجتمعحديث لإنسانية متاءلمة وحيدة مكممة بإحكام . أي لوحة من لوحاتعكاشة تشهد بذلك له نظرة العاشق الفنان والإنسان, نظرة العاشقالملتهب بألوانه الطبيعة الزاهية الصارخة أحيانا وبأشكاله الحائرة. تحتل المومياوات المكتومة والمتزاحمة حيزا هاما في أعماله الفنية. ذلكدليل أخر علي عمق ارتباط عكاشة بتاريخه وأصوله. ان ذاكرة عكاشةبمثابة الميناء التي تنطلق منها السفن إلي عالم يرنو إليه الفنان يناديهبكامل قوة ملكاته الفنية. فهو عالم شعر وسلام يتوفر فيه التضامنالإنساني والحوار واحترام الأخر . نحن الفرنسيين من جيل ما بعدالخمسينيات وربما يجعلنا هذا الموقف المثالي نبتسم في أيامنا هذهالتي أصبحت جاذبية المادة فيها المقياس الوحيد للتقييم بين البشر!”

الفنان والناقدروائيا

استمعت إلى مقابلته مع الإعلامية جابي لطيف ضمن برنامجحواربإذاعة مونت كارلو، تحدث فيها الفنان التشكيلي والروائي عن روايتهثلاثية ليالي باريسوعن علاقته بعاصمة الثقافة الفرنسية. وأوضحأنه سعى لتعلم الدروس من السابقين مع رسم مسار موازٍ خاص به. تستكشف روايةثلاثية ليالي باريسجزءًا من باريس لم يتناوله أيروائي عربي من قبل، كما قال، حيث تروي رحلة بطلها عبر الجغرافياوالتاريخ وعلم النفس والفلسفة.

بدأ عبد الرازق عكاشة رحلته الفنية في باريس، حيث صقل هويته الفنيةبزيارة المتاحف وحضور الندوات والتجمعات الثقافية. ويصف عكاشةعلاقته بباريس، بأنها علاقة مليئة بالإنجازات والتكريمات والميداليات،ويعتبر هذه المدينة خطوة محورية في تشكيل شخصيته، معربًا عنامتنانه للروافد الثقافية التي قدمتها له. وأكد عكاشة أنه يمتلك أدواتثقافية وطاقة إيجابية يسعى لمشاركتها والدفاع عنها، مشددًا على أنالنجاح لا يمكن تحقيقه دون وعي ثقافي وسلام داخلي ومصالحة معالذات. وأعرب الفنان عن سعادته بتكريمه في بورسعيد بمناسبة إطلاقثلاثية ليالي باريس، معتبرًا المدينة رمزًا للنضال والصمود، مماألهمه الإيمان باستمرارية الحياة وتحمل مسؤولية الترويج لبورسعيدكعاصمة ثقافية كوزموبوليتية.

في مقدمة النسخة الفرنسية لروايةديزلللكاتب والفنان المصري عبدالرازق عكاشة، كتب الناقد عبد الله الحيمر، أننا نرافق شخصية تجمعبين خجل الفلاحين وكبرياء الرجال في تجربتها الباريسية. وجاء فيالمقدمة: “وجدتُ نفسي أمام عمل روائي مكتمل، يُلقي الضوء على أزمةوجودية لمواطن محاصر بالتهميش وسراب الانتماء. لقد اختار المنفىالطوعي وشكل هذه التجربة في الرواية جماليًا وتاريخيًا. تعكسالرواية منظوره الشخصي لكتابة حكايات الأرواح المهمشة والمطحونةفي الغربة، متعمقًا في رؤاها وصراعاتها. ومنذ البداية نسأل: هل كانعبوره لجسر المعنى وصفًا للذات وذائقتها الاجتماعية في سياقهاالتاريخي كمهاجر؟ أم كانت مغامرة إنسانية نحو اللاعودة واللاهوية؟رؤية الناقد عبد الله الحيمر توجز عند قراءة الرواية، إذ يجد القارئ نفسهموزعًا بين ثلاثة فضاءات متميزة: فضاء ما قبل الهجرة (مصر، حيثالجذور الثقافية والتاريخية للبطل)، فضاء الهجرة (فرنسا، كوجهةللمنفى الدائم)، وفضاء ثالث يحاول فيه عكاشة التوفيق بين الماضيالكامن خلفه وواقع المستقبل أمامه. تبقى هذه الأبعاد الثلاثة مترابطةوفي حوار دائم طوال الرواية. ما أثار إعجابي في الرواية هو مفهومالزمن وتفسيره داخل جسد الاغتراب. عبر عنوانديزل” – وهو اسمساعة يد فرنسية شهيرةيبدو وكأن الكاتب يشير إلى خلل في الزمنالعربي. وهذا أحد الأسئلة الأهم التي تطرحها الرواية بشكل تفسيري: مفهوم الزمن العربي من منظور فني وفكري وسياسي. الزمن الذيتصوره الرواية زمن جامد، لا يتحرك سوى على السطح بشكل مضلل،يجعلنا نعتقد أنه ديناميكي. إنه زمن يرفضالآخرويزدهر بالانكفاءعلى الذات، معتبرًا هويته وانتماءه في خطر دائم من النفي أوالاجتثاث.

أمسية تكريمية

سنعود بكم للمتحف، فقد افتتح عكاشة مشروعه الطموحمتحفدارنا، كأول متحف خاص مكرس للتراث المصري والأفريقي والعالمي. يقع المتحف الفريد في جزيرة القرصاية على ضفاف نهر النيل بالقاهرة،ويضم أعمالًا وتحفًا تراثية لا مثيل لها كمرآة لقرون فنية عدة. من خلالمشروع متحفه بجزيرة القرصاية، يسعى عكاشة إلى بناء جسر ثقافيبين فرنسا والعالم العربي، وتعزيز المصالحة داخل المنطقة العربية،وتقديم ورش عمل وندوات للشباب بالتعاون مع جهات دولية.

كانت المعرض فرصة للقاء أصدقاء، كالروائي أشرف عبد الشافي صاحبالتجربة الإعلامية النوعية (فودكا)، وصديقه الكاتب عبد الجليلالشرنوبي، وصديقنا المصور المبدع حسام ربيع، والناقد التشكيليوالكاتب حسين دعسة، والفنان التشكيلي الدكتور علي المريخي الذيفاجأني وأسعدني بأنه اقتنى في طريقه للمعرض كتابي (نجيبمحفوظ السَّاردُ والتشكيلي)، وقد أهديت ترجمة هذا الكتاب بالإنجليزيةللصديق عكاشة، ومعها مختاراتي الشعرية (قصائد) الصادر العامالماضي. واتفقنا على الأمسية التي استضافها المتحف، ووصلنا إليهاعلى المركب الخشبي، بعد أن طمأننا الريّس فرج على سلامة الرحلة.

أعلن الفنان عبد الرازق عكاشة، عن تكريمي بأمسية نُظمت في (مُتحفدارنا)، أدارها الدكتور حسين عبد البصير، الباحث والروائي ومديرمتحف الآثار بمكتبة الاسكندرية.

جرت الأمسية في إطار أنشطة (متحف دارنا) الموازية لمعرض القاهرةالدولي للكتاب 2025، وفي إطار الجسور الثقافية التي يتبناهاويبنيها (متحف دارنا)، استضافت الأمسية صوتين من الأدبالتونسي، الذي مثلته الروائيتان نسرين المؤدب ود. حنان جنان. مشاركةالمؤدب هي الثانية مع جمهور المتحف وعرضت فيها تجربتها السردية،خاصة مع الدكتورة حنان جنّان، الكاتبة والأستاذة الجامعية فيالقانون. وقرأ ضيوف الندوة مختارات شعرية وروائية من مؤلفاتهم. وكانت لفتة طيبة من الفنان مهندس الديكور مصطفى غريب أن أهدىالحضور ، من ضيوف المنصة وجمهور الأمسية، لوحات خطيةلأسمائهم. وأهديت المتحف مائة نسخة من مؤلفاتي، لتكون نواة مكتبةتحمل اسمي، ومنها روايتي (شماوس).

في العام 2007 صدرت رواية (شماوس) عن دار العين في مصر، التياستضافت حفل توقيعها الأول في القاهرة، كما استضافت الكويت فينوفمبر من العام نفسه حفل التوقيع الثاني بمعرض الكويت الدوليللكتاب. ثم رشحت الرواية لجمعية كوريا والشرق الأوسط لتترجم إلىاللغة الكورية، باعتبارها نموذجا للأدب المصري المعاصر، وأن تكونضمن الروايات التي بتم تدريسها في جامعة اللغات الأجنبية هناك. وبعد صدورها في الترجمة الكورية، في طبعة أنيقة، بدأ نشر الروايةمسلسلة على موقع آسيا إن، باللغتين الكورية والإنجليزية، وحملتحينها العنوان الجديد (الطريق إلى شماوس). على مدى سنوات، كتبالعديد من النقاد العرب والأجانب مقالاتهم، ومراجعاتهم للرواية، حتىاختارتها الباحثة الهندية سبينة كي لتكون في متن دراستها للدكتوراه،والتي جاءت بعنوان (شعرية السرد في روايات أشرف ابو اليزيد)، فيكلية اللغة العربية بجامعة كاليكوت، كيرالا الهند.وكانت الترجمةالكورية لرواية (شماوس) أحد أسباب فوزي بجائزة مانهي الكوريةالمرموقة في الأدب (2014)، ثم صدرت بالإنجليزية طبعتها الأولى عندار (الناشر) في القاهرة (2024). وقد صدرت في دوسلدورف، ألمانيا،الطبعة الإنجليزية الثانية من رواية (شماوس) بعد أن اختارها الفرعالأفريقي لنادي الكتاب التابع لأهداف التنمية المستدامة للأمم المتحدة(UN SDG) ضمن الكتب التي تولت شركة كانون Canon طباعتهاخلال معرض دروبا للطباعة المتكاملة DRUPA 2024. منظمو هذهالمبادرة الأدبية الأفريقية هم شبكة الناشرين الأفارقة (APNET)، وأدبالحدود لجميع الأمم، ورابطة الكتاب الأفارقة (PAWA)، ورابطة تطويرالتعليم في أفريقيا (ADEA)، وجمعيات ومؤسسات المكتباتوالمعلومات الأفريقية (AfLIA) )، ورابطة باعة الكتب الأفريقية (PABA) ومركز الأمم المتحدة للإعلام، ناميبيا.

مدير الأمسية د. حسين عبد البصير، روائي وأثري مصري معروف،تخصص في الآثار المصرية القديمة ونشر عددا من الروايات الأدبيةالتي تدور أحداثها في مصر القديمة، من بينها (البحث عن خنوم)،و(الأحمر العجوز)، وقد نال الدكتوراه بجامعة جونز هوبكنز بالولاياتالمتحدة الاميركية، وتترجم أعماله دوريا إلى الإنجليزية ولغات أخرى،للكبار واليافعين.

استعرضت أعمالي، ورحلتي في الكتابة من الشعر إلى الرواية، وصولالأدب الرحلة الذي رأيت فيه جماعًا لفنون الأدب العربي، وأشرت إلىأحدث مؤلفاتي التي نشرتها هذا العام بيت الحكمة في معرض القاهرةالدولي للكتاب، روايةأبي رسام خرائطو التي تبحر بقرائها إلى عالمالخرائط الغامض مع بطلنا ووالده الذي يرسمها؛ لنعرف ظواهرناالجغرافية من خلال مغامرة مثيرة وممتعة، فبدون خريطة لا يمكننا أبدامعرفة الطرق والمسافات والمواقع والمساحات.    وتحدثت عن كتابي (نونالنسوة .. نهر الفن) الذي صدر في سلسلة (كتاب الهلال)، وفيه يتعرفالقاريء على أم كلثوم كاتبة للقصة القصيرة، ومارلين مونرو شاعرة، وأمناظم حكمت جليلة خانوم رسامة، وديوان سافو مترجما، وسيرة فدوىطوقان، ومارجو فيون رسامة الروح الشعبية المصرية ، وسيرة فريداكالو.

كانت جليلة خانوم (هانم)  رمزا للمرأة التي تناضل من أجل فنها،وكرست حبها لابنها الشاعر ناظم، وكانت سنده في أكثر من مناسبة،وهو شاب غض، أو حينما بادرته الحياة بمصاعبها بسبب آرائهوأشعاره، وخاصة أنها انفصلت عن والد ناظم في سن صغيرة. لا شك أنتمرد الشاعر التركي المعروف كان يستمد عنفوانه من أمه. فخلال سنواتسجنه في مدينة بورصة التركية، ولكي تكون إلى جواره، استأجرتجليلة بيتا قريبا من السجن. وكان من بين مواقفها الأشهر للدفاع عنابنها يوم علقت لافتة على جسر غلطة تعلن دعوتها لجمع توقيعاتتدعم ناظم حكمت الشاعر السجين، الذي كان قد بدأ إضرابه عن الطعام. أثارت دعوتها الكثيرين، وسدت الجماهير الطريق فوق جسر غلطة. وحين ظهرت الشرطة، وأخذ العسكر جليلة للسؤال عن مدى تورطها فيالمظاهرة، وعمن وضع اللافتة لها فوق الجسر، أجابت بأن التوقيع علىاللافتة يقول: جليلة الرسامة. وفي سيرة الترجمة، استعرضت ترجماتيللشعر العالمي، وأشرت على وجه الخصوص إلى ترجمتي (أناوالسُّوريالية، الاعترافات السرية لسلفادور دالي)، الصادر في سلسلةكتاب دبي الثقافية، دبي، يوليو 2010، وألف حياة وحياة ، الشاعرالكوري كو أون، عن السلسلة نفسها، 2012، وقِديسٌ يحلق بعيدًا،الشاعر الكوري تشو أو ـ هيون، بيت الغشام للنشر والترجمة، مسقط،سلطنة عمان، 2013، وفضاء رتيب يبعث على الكآبة، للشاعر الهنديهيمانت ديفاتي، سلسلة إبداعات طريق الحرير، المشارق، القاهرة،2016، وعطايا الخلايا الجذعية ، د. جيونج تشان را، بتانة، القاهرة،2018، وامتطي غيمة لأبحث عنك، قصائد للشاعر الكوري مانهي،سلسلة إبداعات طريق الحرير، فهرس للنشر والتوزيع، القاهرة، 2019،أما الشّعرُ في تايوان، فكان له كتابان مترجمان (4 شعراء هاكّا منتايوان)، و(هنّ بناتُ سيرايا)، فضلا عن كتاب الشاعرة ألكسندراأوتشيروفا ومتواليتها الشعرية (آفاقي).

مع عائلتي أمام جدارية الحب في متحف دارنا

واستعرضت مع دكتور حسين عبد البصير، ختاما، موسوعتي الصادرةعن مكتبة الإسكندرية (طريق الحرير)، كأول مؤلف عربي في كتابمستقل قسم أبوابه بين مدن ومعالم، وفنون وآداب، وممالك وأعلام علىطريق الحرير. وعادت بنا الفلوكة إلى شاطيء نهر النيل، فتركنا جزيرةالقرصاية، ويوتوبيا عكاشة، وكأن الرحلة وأمسية كلها كانت حلما رسمهالواقع بريشة سخية وقلب نابض، وحب كبير.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى