حين تجلس الكاميرا في مقعد القاضي

فرحات جنيدي . القاهرة

ماذا يمكن أن يحدث عندما تجلس الكاميرا نفسها على مقعد القاضي؟
ربما تصبح الصورة أكثر قسوة من الكلمات، وأكثر عدلا من كثير من الأحكام. وربما تكتشف السينما، في لحظة نادرة، أن من يملك حق محاكمة الصورة هو ذلك الفنان الذي قضى عمره في صناعتها.
في الدورة الرابعة من مهرجان السينما الفلسطينية في السويد، الذي تستضيفه مدينة مالمو من الثلاثين من أكتوبر إلى الأول من نوفمبر، لا يبدو الأمر مجرد مهرجان يعرض أفلاما فلسطينية، ولا مجرد مناسبة ثقافية عابرة. فحين تكون السينما هي وسيلة الحكاية، تصبح الصورة نفسها موقفا من الذاكرة والهوية والحق في أن يروي الإنسان حكايته بصوته.
ولهذا يبدو اختيار لجنة تحكيم الأفلام الروائية أمرا يستحق التوقف.
تضم اللجنة الممثلة جوزفين إزيامو، والممثل والمخرج صلاح الحوراني، والكاتب والمخرج فجر يعقوب، والإعلامي والمخرج ماهر حشاش.
لكن العين تتوقف طويلا عند الرجل الذي يترأس هذه اللجنة.
كمال عبد العزيز.
مدير التصوير الذي يعرف أن الكاميرا ليست آلة ترى فقط، وإنما عين تختار ما تراه، وما تخفيه، وما تتركه للمتفرج كي يكتشفه وحده.
وهنا تكمن أهمية وجوده في هذه اللجنة.
فمدير التصوير الحقيقي لا يتعامل مع الضوء باعتباره زينة للمشهد، ولا مع الظل باعتباره نقصا في الإضاءة. إنه يعرف أن الضوء قد يكشف الحقيقة، وأن الظلام قد يكون أحيانا أكثر صدقا من النور.
كمال عبد العزيز ينتمي إلى هذا النوع من الفنانين.
لم يكن حضوره في السينما مجرد حضور تقني خلف الكاميرا. الصورة عنده ليست مرحلة تالية للسيناريو، بل لغة أخرى للسيناريو. لغة تستطيع أن تقول ما يعجز الحوار عن قوله، وأن تجعل وجه إنسان واحد أكثر بلاغة من صفحة كاملة من الكلام.
ولهذا فإن جلوسه على رأس لجنة تحكيم لأفلام تتصل بفلسطين يحمل معنى يتجاوز فكرة اختيار الأفلام ومنح الجوائز.
ففلسطين في السينما ليست خبرا.
إنها وجه وبيت وشارع وذاكرة وطفل ينتظر أباه وامرأة تحمل تاريخ عائلتها في نظرة واحدة.
والكاميرا التي تقترب من هذه التفاصيل لا تستطيع أن تكون محايدة تماما.
إنها تختار.
تختار أين تقف، ومتى تقترب، ومتى تبتعد، وماذا تجعلنا نرى.
وهنا يصبح وجود مدير تصوير كبير على رأس لجنة التحكيم أكثر من مجرد اختيار اسم معروف. إنه اختيار لرؤية تعرف قيمة الصورة قبل أن تنشغل ببريقها.
فالسينما العظيمة لا تصرخ دائما.
أحيانا تكتفي بلقطة.
لقطة لوجه.
لباب مغلق.
لطفل ينظر إلى مكان كان فيه بيت.
أو لامرأة تصمت بينما يقول الصمت كل شيء.
ومن يعرف قيمة هذه التفاصيل يستطيع أن يرى الفيلم من الداخل، لا من سطحه.
لهذا أرى أن حضور كمال عبد العزيز في هذه اللجنة يحمل دلالة خاصة. فالرجل الذي أمضى عمره خلف العدسة يعرف أن الصورة الجميلة ليست بالضرورة صورة عظيمة، وأن الفيلم لا يصبح مهما لأنه مصور بإتقان فقط، وإنما لأنه يمتلك شيئا يريد أن يقوله، وشيئا يظل عالقا في عين المشاهد بعد انتهاء التترات.
وربما لهذا تحديدا تصبح المعادلة أكثر إثارة.
هذه المرة لن تكون الكاميرا أمام لجنة التحكيم.
الكاميرا ستكون على رأس اللجنة.
وحين تجلس الكاميرا في مقعد القاضي، يصبح السؤال مختلفا:
أي صورة ستنجح في إقناع العين التي قضت عمرها تبحث عن الحقيقة داخل الضوء؟
هنا لا تعود الجائزة مجرد تمثال أو شهادة.
تصبح اعترافا بصورة استطاعت أن تعيش بعد أن انتهى الفيلم.
وهذه هي العدالة الأصعب في السينما.
أن تنطفئ الشاشة…
ولا تنطفئ الصورة.

  • Related Posts

    Poetry, Academia and the Silk Road Converge at Shaanxi College

    International poets honored as Visiting Professors in a celebration of literature, awards and cultural exchange Shaanxi, China — Poetry, literature and international cultural exchange took center stage at Shaanxi College…

    Nutifafa Takes the Mic at UniMAC Freshers’ Jam

    ACCRA, Ghana — October 2, 2026 — Fresh energy, youthful creativity and a passion for entertainment took center stage this evening as Nutifafa Dela Ahiawor returned to the microphone for…

    اترك تعليقاً

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *