ثلاثة شعراء ضيوف في مهرجان كستريتش الدولي للشعر يختبرون دفء الحياة الريفية في كينيا
اليوم، تجاوزت روح الشعر منصّة المهرجان، ومضت إلى قلب قرية ريوجيمبو، حيث استُقبل ثلاثة من الشعراء الضيوف المرموقين في الدورة الثانية عشرة من مهرجان كستريتش الدولي للشعر: الدكتور أشرف أبو اليزيد من مصر، وهاني نديم من سوريا، وحاتم الشهري من المملكة العربية السعودية. وهناك، انفتح أمامهم عالمٌ تُعدّ فيه الضيافة تقليدًا حيًّا، ويغدو فيه المجتمع بيتًا كبيرًا يتقاسمه الجميع، ولا تحتاج فيه الصداقة إلى ترجمة.

لم يصل الزوّار الثلاثة بوصفهم شعراء يمثّلون بلدانًا وتقاليد أدبية مختلفة فحسب، بل باعتبارهم سفراء للغة إنسانية مشتركة؛ لغة الحكايات والكرم والرغبة في مدّ الجسور بين البشر. لقد كرّس الشاعر والروائي والصحفي والمترجم والرحّالة المصري الدكتور أشرف أبو اليزيد جانبًا كبيرًا من رحلته الأدبية للتقريب بين الثقافات عبر الكلمات. أما الشاعر والكاتب السوري هاني نديم، فيستمدّ أدبه من انشغاله العميق بالتجربة الإنسانية وما تختزنه عوالم العرب من مشاعر وذكريات. وانضم إليهما الشاعر السعودي حاتم الشهري، ليضيف صوتًا آخر إلى احتفاء المهرجان بالشعر الذي يعبر الحدود.
وهكذا، حمل الشعراء الثلاثة رسالة المهرجان إلى قريةٍ لم تكن أجمل قصائدها لتُكتب على الورق، بل لتتجسّد في حفاوة الاستقبال، والموائد المشتركة، وضحكات الأطفال، وأغنيات الوداع.
ثلاثة بيوت واستقبال واحد
استضاف الشعراءَ عددٌ من النساء المتميّزات، المعروفات بمودة باسم «أمهات ريوجيمبو». وتصدّرت مراسم الترحيب جوديث نيابوتو، رئيسة المجموعة، وسلاي كيمونتو، نائبة الرئيسة، ووينفريدا أنتوني، أمينة السر، فحوّلن زيارة القرية إلى احتفال حميم بروح الحياة الجماعية.

توزّعت الضيافة على ثلاثة بيوت في القرية، حيث قُدّمت للزوّار – كل على حدةـ’ الفواكه والأطعمة المُعدّة بعناية، وأكواب الشاي الساخن المتصاعد منه البخار. وتحول كل بيت إلى ملتقى صغير، امتدّ دفء أجوائه إلى ما وراء جدرانه، ليحتضن ضيوفًا قطعوا آلاف الكيلومترات حتى بلغوا كينيا.
كشفت ريوجيمبو عن نفسها من خلال بساطة ريفها ووفرة عطائه. فكانت أشجار الموز جزءًا مألوفًا من المشهد اليومي، فيما أضفت فاكهة الباشن فروت بألوانها المميّزة ومذاقها الحامض الحلو نكهة خاصة على المكان. وامتدّت حقول الذرة شاهدةً على صبر الأسر الزراعية، وعلى المكانة الراسخة للأرض في حياتها. وتحركت الماعز بين المنازل، فيما اتخذت القطط الصغيرة أركانها الهادئة في البيوت والأفنية، مضيفةً لمساتها العفوية إلى تفاصيل الحياة اليومية.
لم تكن هذه مجرد عناصر في مشهد ريفي؛ بل كانت جزءًا من الشعر اليومي للقرية، وتذكيرًا بأن الثقافة تنمو من التربة، مثلما تنمو من الكتب.
بدأ الاستقبال بالصلوات، مانحًا اللقاء لحظةً من التأمل والامتنان. وفي تلك الأجواء، اختبر الشعراء الثلاثة لونًا من الضيافة تتعانق فيه العقيدة والطعام وروح الألفة. لم تحتج نساء ريوجيمبو إلى قاعة فخمة أو منصّة أدبية رسمية كي يُظهرن قوة التبادل الثقافي؛ فقد وفّرت بيوتهن كل ما له قيمة حقيقية: مكانًا حول المائدة، وكوبًا من الشاي، واستعدادًا كريمًا يجعل الغرباء يشعرون بأنهم أصدقاء.
مسابقة للرسم وحَكَمٌ صغير
في منزل وينفريدا أنتوني، اتخذ اللقاء منحًى مفاجئًا وممتعًا. فقد اقترح الدكتور أشرف أبو اليزيد إقامة مسابقة للرسم، متحديًا شادريك، ابن وينفريدا، في منافسة فنية ودّية.

وهكذا، استبدل الشاعر المصري، الذي اعتاد التنقّل بين عوالم الأدب والصحافة والترجمة والسفر، بالكلمة المكتوبة لغةَ الخطوط والأشكال والخيال. ولبرهة، وقف الضيف الأدبي والفنان الكيني الصغير على أرض واحدة: متنافسان، يأمل كل منهما أن تمنحه شرارة الإبداع الفوز.
لكن مَن سيحكم بينهما؟
هنا اكتسبت المسابقة بُعدها الإنساني الأكثر تأثيرًا. فقد أُسندت مهمة التحكيم إلى طفل يتيم احتضنته وينفريدا وتولت تربيته، مانحةً إياه حنان الأمومة، بعدما كانت تعرف والدته الراحلة صديقةً لها. وقد منح إسناد مسؤولية التحكيم إليه دورًا ذا معنى في احتفالات ذلك اليوم؛ فلم يكن مجرد طفل يراقب الضيوف، بل أصبح مشاركًا في تحديد نتيجة اللقاء الإبداعي.
في ذلك المشهد الصغير، تجاوزت مسابقة الرسم حدود اللعبة، لتكشف عن بعض الروابط التي تحفظ تماسك المجتمع: امرأة توسّع معنى الأمومة إلى ما وراء روابط الدم، وطفل تُمنح له الثقة والمسؤولية، وشاعر زائر يختار أن يتقاسم وقته وخياله مع الصغار.
وبعد انتهاء المسابقة، ازدادت المسافة بين الزائر المصري والحَكَم الصغير قربًا وألفة. فقد لعب الطفل والدكتور أشرف كرة القدم معًا، وانتقلا من سكون الرسم إلى حركة اللعب وإثارته. وهكذا وجد الشاعر الذي جاء من ضفاف النيل نفسه يتقاسم متعة بسيطة مع طفل كيني: متعة كرة القدم.

لم تكن هناك حاجة إلى مترجم؛ فالكرة تملك مفرداتها الخاصة، التي يفهمها كل من يجتمع للعب، أينما كان، من الأطفال إلى أولئك الذين احتفظوا في قلوبهم بروح الطفولة.
أغنيات تحمل الوداع
مع اقتراب الزيارة من نهايتها، اجتمعت «أمهات ريوجيمبو» من جديد، هذه المرة لتقديم وداع موسيقي لضيوفهن. وانطلقت أغنياتهن تعبيرًا عن الامتنان والمودة والاعتزاز بروح الجماعة، فأضفت على لحظة الرحيل جمالًا تعجز الكلمات العادية عن نقله.

فالنساء اللواتي استقبلن الشعراء بالصلوات والفواكه والطعام والشاي، أرسلنهم الآن في طريقهم محمّلين بالألحان. وغدت الأغنيات هدية القرية الأخيرة، وصوتًا سيظل حاضرًا في ذاكرة الزوّار بعد أن يغادروا بيوتها ودروبها بوقت طويل.
وبالنسبة إلى هاني نديم السوري وحاتم الشهري السعودي، كما بالنسبة إلى رفيقهما المصري، فقد منحتهم هذه الزيارة تجربة تتجاوز الإيقاع المعتاد لمهرجانات الشعر. لقد تعرّفوا إلى كينيا ليس من خلال طبيعتها وأصواتها الأدبية فحسب، بل أيضًا من خلال كرم أهلها وحميمية بيوتها.
أما الدكتور أشرف أبو اليزيد، الذي انشغلت رحلته الأدبية طويلًا باستكشاف الروابط بين الثقافات، فقد قدّمت له مسابقة الرسم ومباراة كرة القدم مثالًا حيًّا على الكيفية التي يمكن أن تبدأ بها الصداقة من أبسط الإيماءات. فورقة رسم، أو لعبة مشتركة، أو كوب شاي، أو أغنية، يمكن أن يتحول أيٌّ منها إلى جسر يصل بين أناس تشكّلت حيواتهم بلغات مختلفة وفي بلدان متباعدة.
وبالنسبة إلى أمهات ريوجيمبو، كانت الزيارة فرصة لاستقبال العالم في قريتهن، دون أن يتخلّين عن طابعها المألوف وروحها الأصيلة. وظلت حقول الذرة وأشجار الموز وثمار الباشن فروت والماعز والقطط الصغيرة شهودًا هادئة على يوم اكتسب استثنائيته من اللقاء الإنساني.
وعندما غادر الشعراء الثلاثة أخيرًا، حملوا معهم أكثر من ذكريات زيارة إلى قرية. فقد حملوا دفء ثلاثة بيوت، وضحكات الأطفال، وكرم النساء، وألحان مجتمع استقبلهم بوصفهم أصدقاء.
في ريوجيمبو، نزل الشعر من صفحات الكتب ودخل الحياة اليومية. جلس إلى موائد الأسر، وخاض منافسة في الرسم، وركض خلف كرة القدم، وأصغى إلى الأغنيات تحت سماء كينيا.
وكانت خلاصة ذلك اليوم بسيطة وعميقة في آنٍ واحد: إن أخلد القصائد لا يكتبها الشاعر وحده دائمًا، بل يكتبها كل من يفتح بابًا، ويتقاسم وجبة، ويرحّب بغريب، ويحوّل لحظة لقاء عابرة إلى ذكرى لا تزول.





