جاليري

الفنان عبد الرازق عكاشة بين لوحتين

بقلم رئيس التحرير

الفنان عبد الرازق عكاشة : مصر الفاطمية

تحول البنية التشكيلية والألوان المستخدمة في اللوحة الواقع إلى فن، وفي لوحة الفنان عبد الرازق عكاشة التي تستلهم أحياء مصرالفاطمية  تهيمن تدرجات اللون الأزرق على التكوين، مما يمنحها طابعًا حالمًا ومغرقًا في الحنين.

عبد الرازق عكاشة

اختيار الأزرق ليس مجرد توظيف جمالي، بل يحمل دلالات رمزية تتعلق بالعمق الروحي والصفاء، لكنه هنا مشوب بحركة ديناميكية توحيبالزخم الحياتي في العتبة وحارة اليهود والحسين، حيث تتداخل المعالم المعمارية بأسلوب شبه تجريدي. هكذا تحول الزحام في الواقع إلىحوار حي بين الخطوط تحت سماء اللوحة. لقد أهداني لوحته المفكر، ويبدو أن ازدحام الشارع الذي أذابه في الباليتة الزرقاء هو نفسهازدحام الأفكار لدى الشخص الذي أمال رأسه بعد أن مالت بها الأفكار، في لوحة أهداها لي الفنان العالمي.

في لوحة مصر الفاطمية للفنان عكاشة، يتسلل اللون الأصفر كمُعادل بصري للأزرق، مما يخلق توازنًا بين البرودة والدفء، كما أن خطوطالحبر الياباني السوداء المائلة والمتداخلة تضيف إحساسًا بالحركة والضجيج، مما يعكس الروح النابضة بالحياة في هذه الأحياء العريقة.

تعتمد هذه اللوحة على بناء هرمي غير صارم، تتداخل فيه العناصر البصرية وتتشابك بشكل يجعل العين تتنقل بين المستويات المختلفةبحرية. نلاحظ استخدام الفنان لتقنية التنقيط والتسييل اللوني، مما يضفي على المشهد حسًّا ضبابيًا وكأننا نرى انعكاسات هذه الأماكنعبر طبقات من الزمن والذاكرة. كما يخلق تداخل الخطوط السوداء تأثيرًا بصريًا يوحي بالأزقة والأسواق والأسوار، وهي عناصر أساسيةفي النسيج العمراني لمصر الفاطمية. كما أن بعض الأشكال شبه البشرية المموهة في الخلفية تضيف حسًّا إنسانيًا ضمن هذا الزحامالعمراني، ما يعزز مفهوم المكان باعتباره فضاءً للعيش والتفاعل وليس مجرد كتل معمارية صامتة.

البعدان الرمزي والفني

تمثل هذه اللوحة رحلة حسية عبر أحياء القاهرة التاريخية، حيث تذوب الحدود بين الماضي والحاضر. استخدام الأكريليك والأحبار اليابانيةعلى الكانفاه يعكس حرية التجريب لدى الفنان، ويوحي بتقنيات قريبة من التعبيرية التجريدية التي تركز على الشعور أكثر من النقلالواقعي. أما التسييل اللوني في أجزاء معينة فيشبه آثار الزمن أو زخات المطر التي تغسل ملامح المدينة، وكأن الفنان يوثق لحظة منالتحول الدائم الذي يعيشه المكان. هذه التقنية تعطي للوحة بعدًا متغيرًا، حيث تبدو التفاصيل وكأنها تظهر وتختفي حسب زاوية الرؤية، ممايزيد من عمق التفاعل البصري معها.

تنجح اللوحة في إيصال الإحساس بالحركة والصخب، لكنها في الوقت نفسه تمتلك بعدًا شاعريًا يوحي بالحنين والتأمل. المشاهد يشعروكأنه يتجول في تلك الشوارع، يتنفس رائحة التاريخ، ويستمع إلى أصوات الباعة والحرفيين، بينما تتلاشى الحدود بين الرؤية والذاكرة. هذهاللوحة ليست مجرد تمثيل بصري لمكان، بل هي قراءة حسية وتجريدية لمصر الفاطمية، تقدمها عكاشة بأسلوبه الفريد الذي يجمع بينالحداثة والتراث في قالب تشكيلي معاصر.

As a token of appreciation, Abdel-Razek Okasha presented Ashraf Aboul-Yazid with his painting “The Thinker”, symbolizing his vision of the honoree.

مقاربة للوحةالمفكر

في أمسية رمضانية احتضنها متحف دارنا لمؤسسه الفنان عبد الرازق عكاشة، أهداني لوحته (المُفكّر)، التي اعتمدت على طيف واسع مندرجات اللون الأزرق وحده، مما منحها إحساسًا بالهدوء والتأمل، ويعكس البعد الفكري والعقلي للشخصية المصوَّرة، هكذا اعتقدت أنهاتمثلني. التدرجات اللونية المتداخلة، وتأثيرات التسييل اللوني، عززتا من الطابع التجريدي، فتلاشت بعض الحدود بين الشكل والخلفية، ممايوحي بحالة فكرية عميقة يعيشها الشخص الجالس في المشهد.

يتمحور التكوين حول شخصية رئيسية جالسة في وضعية تأملية، وإلى جوارها طاولة عليها كوب، وهو تفصيل يضفي طابعًا يوميًا وإنسانيًاعلى المشهد. تميل الأشكال إلى التجريد، لكن مع الاحتفاظ بحد أدنى من الواقعية يتيح التعرف على الموضوع الأساسي. الخطوط العموديةفي الجزء السفلي، إلى جانب ضربات الفرشاة العريضة والسائلة، تمنح اللوحة ديناميكية داخلية، كما لو أن الفكر ذاته يتحرك عبر الفضاءالبصري.

لوحة (المفكر) للفنان عبد الرازق عكاشة

اختيار الألوان الباردة، وخصوصًا الأزرق العميق، يرتبط تقليديًا بالحكمة، الهدوء، والتأمل، مما يجعل اللون ذاته أداة سردية تعبر عن الحالةالذهنية للشخصية. أما تأثيرات التسييل والتنقيط في الخلفية، فهي تخلق انطباعًا بأن المفكر غارق في أفكاره، حيث تبدو حدود جسدهوكأنها تتلاشى في فضاء التأمل.

الطاولة الصغيرة التي تحوي كوبًا قد تكون إشارة إلى لحظة استراحة وسط التفكير، أو ربما تعبيرًا عن الحوار الداخلي الذي يخوضه المفكرمع ذاته. وضعية الجلوس، حيث تبدو إحدى اليدين ممدودة والأخرى أكثر خفاءً، تعزز الإحساس بالعمق النفسي، وكأنها تعكس توازنًا بينالوجود المادي والانشغال الذهني.

هكذا تمنح اللوحة إحساسًا بالسكينة والانغماس الذاتي، حيث يتم استدعاء لحظة من التفكير العميق وتجسيدها بلغة تشكيلية تمزج بينالتعبيرية والتجريد. النجاح في جعل المشاهد يشعر بوجود طاقة فكرية غير مرئية، رغم بساطة التكوين، يُعد من أبرز نقاط القوة في العمل. إنها لوحة تفتح مجالًا للتأويل، حيث يمكن أن يراها كل متلقٍ من زاوية مختلفة وفقًا لتجربته وتأملاته الخاصة. “المفكرليست مجرد صورةلشخص، بل هي مشهد لحالة عقلية، لحظة من الزمن تتحول إلى مساحة بصرية تستدرج المشاهد إلى عالم من التأمل والبحث عن المعنى.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى