الشعر، الذاكرة والمقاومة: أعمال سالاي بوبو بالي

 وُلد سالاي بوبو بالي في عام 1963 في زونكوتو-باندا، وهو كاتب من النيجر متعدد المواهب. شاعر، روائي، معلم باحث، صحفي وناشط ثقافي، وقد قام بتكوين مسيرة غنية وملتزمة. نشأته في بيئة ريفية غذتها التقاليد العتيقة، لكنها أيضًا تأثرت بتعليم المدرسة الفرنسية. بعد المدرسة الابتدائية، تابع دراسته الثانوية بعيدًا عن قريته الأصلية، حيث اكتشف واقع الحياة الحضرية وتكيف معها تدريجيًا.

يشكل عام 1983 نقطة تحول مؤلمة في حياته مع فقدان والده. دفعه هذا الحزن للجوء إلى الكتابة، ليكتب أول قصيدته “عكازات”، وهي مرثية مؤثرة تضم حوالي ستين صفحة. نُشر هذا النص في قسم “الشاعر الناشئ” في الصحيفة اليومية الوحيدة في النيجر آنذاك، وقد تأثر بالكتاب “دفتر العودة إلى الوطن” للكاتب إيميه سيزير، حيث عبر بقوة عن يأس شاب يواجه المصير المحتوم.

حاصل على شهادة بكالوريا، واصل سالاي بوبو بالي دراسته في الأدب الفرنسي في جامعة عبدو مومنوني في نيامي، حيث حصل على الماجستير. ثم عزز تكوينه الأكاديمي من خلال فترات دراسية في أبيدجان (كوت ديفوار) وإيلورين (نيجيريا)، حيث حصل في عام 2006 على شهادة الدكتوراه (Ph.D) في أغنية النساء الزارما-صونغهاي، وهو دراسة رائدة في الأدب الشفوي النسائي. منذ عام 2012، يعمل كأستاذ في جامعة أندري ساليفو في زندر (النيجر الشرقي). أسس هناك قسم الأدب والفنون والاتصال في عام 2013، ثم أسس المعهد الوطني للفنون والثقافة في عام 2021، مساهمًا بذلك في هيكلة وتعزيز الدراسات الأدبية والثقافية في النيجر.

خلال ما يصفه بـ “التشرد الفكري”، والذي اتسم بالبحث المتنوع والكتابة الغزيرة، طور سالاي بوبو بالي أعمالًا عميقة الجذور في الثقافة النيجرية. يترجم من خلالها ممارسات مثل الطقوس المتعلقة بالملكية، ومسارات الأشخاص المهمشين، وكذلك مصائر الأطفال الذين يعانون من التحيزات الاجتماعية. رواياته مثل “تيبوندي أو مصير طفل” (2009)، “باندادو، الفتاة ذات الجفون السوداء” (2010)، “ابن الحكيم” (2010) و”كومساي أو فخ العبودية” (2024) تستكشف تعقيد هوية الأطفال الأفارقة الذين تمزقهم التقاليد، واضطرابات التعددية الثقافية، والتحديات المعاصرة. قصائده، التي تتسم بالصور الشعرية والالتزام، تعكس شعورًا عميقًا بالضيق إزاء الحالة الإنسانية الحديثة. مجموعة “قطرات من الدموع” تندد بفراغ الأوهام وتدعو للمقاومة ضد إغراءات التفاهة والمديح. بينما يستفسر “التشرد” عن عبثية الحياة، بين الأمل وخيبة الأمل.

من خلال جميع كتاباته، يتناول الكاتب بحساسية قضايا الهوية، والتهميش، والثقافة، والتنمية في إفريقيا ما بعد الاستعمار. نشأ وهو محاط بالقصص والتقاليد الشفهية، يستلهم منها جمالية فريدة. إن اهتمامه بالأشكال الشعرية التقليدية، مثل شعر المعركة (الجلد، النضال، الملاكمة)، يتجسد بشكل خاص في “قطرات من الدموع” (2018). تدعم دراسته الأكاديمية حول الأدب الشفوي النسائي منهجه، حيث يعيد للأصوات المنسية ذاكرة جماعية طالما تم تجاهلها. تأثير الشاعر الطوارقي حواد، الذي يعتبره معلمه الروحي والفكري، واضح في أعماله. مثل حواد، يدافع سالاي بوبو بالي عن شعر مقاومة، يجمع بين الفوريغرافي والنقد، مدينًا التنازل الثقافي والاقتصادي للشعوب المضطهدة.

دوره كأستاذ باحث يتيح له تعميق أفكاره النظرية حول الأدب، والثقافة، والمجتمع، مع تساؤلات حول القيم الداخلية كرافعات محتملة للتنمية الأفريقية. وقد مكنته أبحاثه حول التقاليد الشفهية النسائية من فهم الديناميكيات الاجتماعية والمكانة الأساسية للنساء في نقل المعرفة. بشكل أوسع، يقدم قراءة للعالم المعاصر من خلال عدسة الثقافة الإفريقية، مع التركيز على قضايا التنمية، والنهضة الثقافية، والمواطنة. كما يبني جسورًا بين نماذج الحوكمة التقليدية، مثل تلك التي سادت في إمبراطورية الماندينغ، والتحديات الحالية، داعيًا إلى اعتبار القيم الثقافية جوهرية في أي سياسة تنموية. من وجهة نظره، لا يمكن أن تكون الثقافة مجرد زينة، بل هي الأساس الذي يجب أن يُبنى عليه مستقبل مستدام، متجذر في تاريخ ومعرفة وقيم المجتمعات الأفريقية.

نشر المقال بالفرنسية في لو ناسيونال

Related Posts

ولكنّ زهرَ البرتقالِ أحبّني … جديد الشاعرة إيمان جبل

 ديوانٌ يستكشف تضاريس الحب بين الشعر والموت صدر حديثًا عن دار «المحرر» للنشر ديوان «ولكنّ زهرَ البرتقالِ أحبّني» للشاعرة إيمان جبل، في تجربة شعرية تتخذ من الحب نقطة انطلاق لاستكشاف…

الفنانة التشكيلية مروى حياصات:  الكتب الصامتة من أرقى وأصعب أشكال أدب الطفل 

حوار أجراه : طارق العمراوي       العلاقة المثالية بين الكاتب والرسام هي علاقة شراكة إبداعية قائمة على التناغم والتكامل الكتب الصامتة (Silent Books) هي من أرقى وأصعب أشكال أدب الطفل فهي تعتمد كليًا على الرسام   س1كيف تُقدّمين الفنانة التشكيلية مروى حياصات ؟ مروى حياصات فنانة ومصممة متعددة المجالات بدأت من عالم المعمار.. لكنها اختارت أن تبني عوالم من نوع آخر… عوالم مليئة بالألوان، بالدهشة، وبخيال لا ينتهي فدخلت عالم كتب الأطفال، انتقلت من بناء بيوت إلى بناء عوالم صغيرة داخل صفحات, التحول ما كان مخطط لكنه كان طبيعي مليء مفاجآت وتعلّم.   س2: ما أهمية ورشات الرسم والبراعات اليدوية بمعارض الكتاب؟  تُمثّل هذه الورشات نقطة التفاعل الحي والمباشر بين القارئ الصغير وعالم الكتاب، وتكمن أهميتها في كسر الجمود بين الكتاب كمنتج جامد إلى تجربة تفاعلية ملموسة, تُطلق العنان لخيال الطفل وتطور مهاراته التعبيرية والفنية و تتيح للمربين اكتشاف شغف الأطفال وتوجيهه مبكرًا, من ناحية أخرى تتيح للفنانين الاطلاع بشكل مباشر على ردة فعل الأطفال على الكتب والرسوم و كيفية تفاعلهم معها مما ينمي ادراكهم لما يجذل الطفل والمربي و يطور مهارتهم و يصقلها. س3: كيف يتم التعامل بين صاحب النص وصاحب الريشة؟ هل تقرؤون النص وتتخيلون المشاهد أم الكاتب هو من يوجهكم أم العمل مشترك؟ العلاقة المثالية بين الكاتب والرسام هي علاقة شراكة إبداعية قائمة على التناغم والتكامل, يبدأ العمل بقراءة عميقة للنص من قبل الرسام لفهم روح النص وأبعاده ثم بناء رؤية بصرية بصرية مبدئية , ولا بد من ترك مساحة حرية للرسام  لقراءة ما بين السطور وإضافة تفاصيل بصرية لا يذكرها النص اللفظي. و يتم التواصل والتشاور حول النقاط المفصلية (مثل الملامح العامة للشخصيات أو الروح العامة للقصة) لضمان اتساق الرؤية دون تقييد الحرية الإبداعية للمصمم والرسام. س4: ما هو تقييمكم للرسومات المصاحبة للنص في قصص الأطفال؟  تطورت الرسومات في أدب الطفل المعاصر بشكل ملحوظ؛ فلم تعد مجرد توضيح حرفي للكلمات، بل أصبحت تحمل تفاصيل خفية، وأبعادًا نفسية، وظلالًا تعبيرية تتيح للطفل إسقاط خياله عليها. وأصبحت أكثر قدرة على إثارة الدهشة، ومراعاة الفئات العمرية، والابتعاد عن التكرار والنمطية التقليدية.  س5: هل هناك ملتقيات للفنانين التشكيليين الذين يتعاملون مع أدب الطفل؟ نعم، هناك اهتمام متزايد بهذه الملتقيات عربيًا ودوليًا، ومن أبرزها المهرجانات والمعارض الدولية مثل مهرجان الشارقة القرائي للطفل وما يرافقه من معارض ورش إقليمية، ومعرض بولونيا لكتب الأطفال في إيطاليا والذي يعد الملتقى العالمي الأكبر لرسامي كتب الأطفال. س 6ما هي القصص التي تستهويكم وتريدون تزويدها برسوماتكم؟ تستهويني القصص التي تحمل قيم تعكس هويتنا الإسلامية وثقافتنا العربية بطريقة إبداعية غير نمطية أو ممله , قريبة للطفل جذابة و تترك بصمة في تكوين وبناء و ربط أطفالنا بهويتنا الإسلامية والعربية . و بفضل الله توجد الأن دور نشر عربية رائدة في هذه المجالات سواء بتخصص كامل في هذه الموضوعات او من خلال بعض الإصدارات … فأطفالنا و شبابنا في هذا الزمن في أشد الحاجة إلى ما يربطهم بهويتهم و دينهم بطريقة جذابة وفعالة في ظل التنافس الشديد من التيار المعاكس س7: هل تفكرون في معارض خاصة للرسومات التي تؤثث القصص المنشورة؟  نعم، إقامة معارض خاصة للوحات الأصلية التي تُصمم لقصص الأطفال تُعد خطوة أساسية ومهمة جدًا لأنها تُسلط الضوء على قيمة “اللوحة الأصلية” كعمل فني تشكيلي مستقل قائم بحد ذاته قبل تحويله لصفحة مطبوعة .ويوجد العديد من المعارض الخاصة برسوم قصص الأطفال من أهمها معرض الرسوم في معرض الشارقة القرائي للطفل , وقد شاركت في معرض رسوم قصص الأطفال في ملتقى العويس لأدب الطفل في الإمارات , وأطمح للمشاركة في معارض أخرى. س8: تنافسكم المنصات المصورة للقصص، كيف تقرؤون المشهد وما هو تصوركم؟ المنصات الرقمية والتطبيقات التفاعلية لا تُشكل تهديدًا بقدر ما تُشكل تحديًا يُحفّز على الابتكار, يبقى الملمس الحقيقي للورق، ورائحة الطباعة، وتجربة تقليب الصفحات رفقة الأهل تجربة حية لا يمكن للمظاهر الرقمية استبدالها بالكامل. س9: هل رفضتم مرة التعامل مع كاتب لأن النص ما عجبكم؟  يرفض الرسام أحيانًا العمل على نص معين إذا كان النص يحمل أفكارًا مكررة ومباشرة (أسلوب التلقين والموعظة المباشرة) التي تحد من خيال الطفل والرسم. س10: ما تقييمكم للقصص المرسومة بلا متن وكلمات والتي بدأت في تزايد، وهذا ما يلزمكم برسومات معبرة وموجهة للطفل القارئ؟ الكتب الصامتة (Silent Books) هي من أرقى وأصعب أشكال أدب الطفل فهي تعتمد كليًا على الرسام تجعل الرسام هو المؤلف والمخرج والراوي الرئيسي. وتمنح الطفل حرية قراءة القصة بأسلوبه الخاص وتخيل الحوارات بنفسه، مما يكسر حاجز اللغة والعمري.  

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *