أدبإعلامشخصيات

لقاء إبداعي على طريق الحرير

أصوات عربية في أنطولوجيا هندية بسبع لغات

 في إطار سلسلة اللقاءات الإبداعية على طريق الحرير، يعقد السبت القادم  لقاء شعري تستضيف فيه السلسلة نخبة من الشاعرات والشعراء العرب المشاركين في الأنطولوجيا العالمية الجديدة التي أعدتها وحررتها الشاعرة والمترجمة الهندية ميسنا تشانو. وسيتاح للمبدعيات والمبدعين قراءة قصائدهم المختارة، بينما ستقدّم المحررة قبسًا من النصوص بالإنجليزية التي أنجزها محرر القسم العربي في الإصدار.

يأتي هذا اللقاء ليُعلن عن شراكة ثقافية جديدة، بعد الاتفاق مع الشاعرة والمحررة الهندية على إهدائها مجموعة من الأصوات الشعرية العربية، لتضمها إلى مشروعها العالمي، الذي دأبت على نشره منذ سنوات، مقدّمةً فيه سبع لغات في كل إصدار. وفي هذا الإصدار، ستكون العربية إحدى هذه اللغات المختارة، وستصدر القصائد في المجلد باللغتين العربية والإنجليزية. أما اللغات الست الأخرى فهي المانيبورية، والروسية، والسندية، والنيبالية، ولغة الماليالام، والبودو.

أنطولوجيا متعددة اللغات: جسر بين الذاكرة والمستقبل

ليست هذه الأنطولوجيا مجرد تجميع نصوص شعرية؛ إنها حوار حضاري يعبر القارات. هنا تصبح الصورة الشعرية جسرًا بين الذاكرة والنبوءة، بين المنفى والعودة، بين الألم والجمال. وفي كل نص، يبعث الشعراء أماكن منسية، ويمنحون صوتًا لتواريخ صامتة، ويرسمون ملامح مستقبل مبني ليس على القهر بل على الرحمة والكرامة الإنسانية. وتتميز هذه المجموعة بخصوصيتها اللغوية؛ إذ تتنفس القصائد بلغتها الأصلية وبترجمتها، احترامًا للغة الأم وانفتاحًا على العالم.

وقد حرصت ميسنا تشانو في رؤيتها التحريرية على أن يُسمَع كل صوت بثرائه الكامل، ليصل القارئ من خلف الحدود إلى جوهر التجربة، دون أن تفقد القصيدة ظلها أو هويتها.

في مقدمتها، كتبت ميسنا تشانو – المحررة والجامعة – أن المجلد الثالث من سلسلة «ما وراء اللغة» يواصل رحلة أدبية متعددة الثقافات تؤكد الجوهر الإنساني المشترك رغم اختلاف اللغات. فالشعر، بالنسبة لها، ليس مجرد شكل فني؛ بل هو نبض كوني يسبق التاريخ ويجمع البشر في الحب والحزن والفرح والحنين والأمل. يهدف هذا الأنتولوجيا المكوّن من سبع لغات – المانيبورية، العربية، المالايالامية، الروسية، السندية، النيبالية، والبودو – إلى إحياء تلك الحقيقة الأساسية: أن الضحك والدموع يتجاوزان الحدود، وأن الشعر يظل ملاذاً في عالم يهدده الصراع والتشظي.
وتؤكد أن الترجمة ليست فعلاً ميكانيكياً، بل هي إعادة خلق لروح القصيدة في لغة أخرى. فإذا كان الشعراء هم المبدعون، فإن المترجمين هم الأنفاس التي تمنح القصيدة حياة جديدة مع الحفاظ على جوهرها. يعكس هذا المجلد سنوات من التعاون مع محررين مرموقين من تقاليد لغوية مختلفة، أضاف كل منهم عمقاً ثقافياً وبصيرة شعرية للمشروع.
ومع هذا الإصدار، تتخيل ميسنا الكتاب سفينة تتجه نحو الوحدة والسلام والفهم الإنساني. ومن خلال جمع أصوات من قارات مختلفة، تؤكد أن اللغة لا تفرّق إلا على السطح؛ أما في الجذور فالبشر يتشاركون لغة وجدانية واحدة. فالشعر—إذا تُرجم وتُبادل وتُحتفل به—هو الجسر.

في تقديمها للأنطولوجيا، تعود البروفيسورة مالاشري لال إلى مقولة نيلسون مانديلا الخالدة: «إذا تحدثتَ إلى رجلٍ بلغته، فإنك تصل إلى قلبه». وتجسّد هذه الأنطولوجيا تلك الحقيقة، إذ تقدم شعراً بسبع لغات إلى جانب ترجماته الإنجليزية، مما يتيح للقراء رؤية المشهد العاطفي لثقافات تتجاوز عالمهم المباشر. وتشيد بقدرة المحررين على توحيد هذه الأصوات المتنوعة في مجلد متماسك وجذاب، في زمن يشهد حروباً ونزوحاً وانقسامات سياسية.
وتبحث لال كيف يمكن للشعر أن ينمّي التعاطف حيث تسود العداوة، وكيف يمكن للذاكرة الثقافية أن تواجه التماثل القسري. فكل قسم يعكس فسيفساء فريدة من التاريخ والهوية: الشعر المانيبوري يمزج بين الطبيعة والتقاليد وألم الحاضر؛ القسم العربي يعكس ميراث النيل والاغتراب والتعدد اللغوي؛ الشعر المالايالامي يجمع بين الكلاسيكية والحساسية ما بعد الحداثية؛ أما الشعر الروسي فيتردد فيه صدى التأمل الفلسفي والسياسة؛ بينما تقدم أقسام السندية والنيبالية والبودو نماذج من الصمود الثقافي المتجذر في الهجرة والتقاليد الشفوية والقيم المجتمعية.
وتثمّن الأنطولوجيا لفتحها نافذة نادرة على التنوع اللغوي، ولتمكين التعاون بين المترجمين والمحررين والشعراء. بالنسبة لها، يشكل المجلد مورداً علمياً وعاطفياً مهماً يشجع على تخيّل إنسانية مشتركة من خلال الشعر.

أما أشرف أبو اليزيد فقد قدّم القسم العربي بوصفه ملتقى لأربع عشرة صوتاً تعبر الحدود والتاريخ واختلاف الأجيال. فالشعر بالنسبة له فضاء مقدس يتكلم فيه الناس بما يتجاوز السياسة، ويحملون فيه ذاكرة وأحلاماً وعمقاً روحياً. الشعراء هنا—من مصر وسورية وفلسطين والأردن ولبنان والسعودية وتونس والمملكة المغربية —يجسدون طيفاً واسعاً من التجارب المتشكلة بالمنفى والهوية والصراع والتأمل الداخلي. ومهما كانت اللغة—العربية أو الإنجليزية أو الفرنسية أو الإسبانية أو الإيطالية—فإن الأصوات تتناغم في توق مشترك للكرامة والحرية والانتماء.
ويؤكد أن الأنطولوجيا ليست مجرد مجموعة نصوص؛ بل هي حوار بين الحضارات. تتحول فيها كل قصيدة إلى جسر بين الأسطوري والراهن، بين الوطن والشتات. ويحيي الشعراء أماكن منسية، ويواجهون تواريخ صامتة، ويتخيلون مستقبلاً قائماً على الرحمة لا على الانقسام. ويمنح الشكل متعدد اللغات القصائد حياة مزدوجة في لغاتها الأصلية وترجماتها.
ويحتفي أشرف برؤية ميسنا التحريرية التي تتيح لكل صوت أن يتردد بكامل طاقته، محافظاً على الأنساق الثقافية، وداعياً القارئ العالمي إلى المشاركة لا المقارنة. ويقدّم هذا القسم بوصفه شهادة—أدبية وإنسانية وروحية—تؤكد أن الشعر ليس جمالاً فحسب، بل هو نفس ومقاومة وأمل دائم.

حين يدخل القارئ إلى هذه المساحة الشعرية المتعددة، لا يُطلب منه أن يقارن، بل أن يتآلف؛ فالأصوات الأربعة عشر لا تتزاحم بل تتكامل، وتضيء بعضها بعضًا. وفي زمن الضجيج، تُبقي هذه التجارب أصواتها واضحة، جريئة، ومضيئة. إنّ هذا القسم العربي، الذي اخترتُ أصواته بعناية، يُقدَّم لا بوصفه أدبًا فقط، بل شهادة إنسانية. لا بوصفه جمالاً فحسب، بل نَفَسًا حيًّا ينبض في كل سطر.

وفي صفحات “ما وراء اللغة”، لا تقدّم لنا ميسنا تشانو مجرد أنطولوجيا، بل ملتقى أرواح، تتلاقى رغم تباعد الخرائط، وتتحدث جميعها بلغة واحدة: لغة العمق، والكرامة، والأمل الذي لا ينطفئ.

اللقاء تستضيفه منصة جوجل المخصصة للقاءات، السبت, 6 ديسمبرالعاشرة والنصف صباحا  بتوقيت القاهرة، الحادية عشر والنصف صباحا بتوقيت القدس، والرياض ودمشق، السابعة والنصف صباحا بتوقيت جرينتش، والثانية بعد الظهر بتوقيت الهند.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى