فرناندو ريندون أحد أبرز شعراء كولومبيا وأكثرهم تأثيرًا… مؤسس مهرجان ميديين الدولي للشعر… المهرجان الحدث الذي حوّل مدينته إلى مركز عالمي للشعر…. على امتداد مسيرته، لم يكتفِ ريندون ببناء تجربة شعرية لافتة، بل جعل من الشعر أداةً لمواجهة التحديات الاجتماعية والسياسية والثقافية في كولومبيا. في هذا الحوار، حديث شامل عن رحلته الإبداعية بوصفه شاعرا وعن تطور مهرجان مديين الدولي، والتقاطع العميق بين الفن والسياسة في حياته وإبداعه.
الهوية والبدايات والتكوّن الشعري
أحمد عمر زعبار: أنت معروف بوصفك شاعرًا ومؤسس مهرجان ميديين الدولي للشعر. كيف تعرّف نفسك اليوم؟ وماذا يعني لك أن تكون شاعرًا؟
فرناندو ريندون: يبدو الشعر غير قابل للتعريف، ومع ذلك يحاول بعض الشعراء تعريفه بطرائق مختلفة. وبما أننا عاجزون عن التعريف الدقيق، فلا يسعنا سوى توضيح جوانب متعدّدة من الوجود. كل شيء في العالم متحوّل ونسبي. وبالتحالف مع قوة الشعر وروحه، يمكننا الإسهام في تغيير واقعنا. إن أثر الفعل الشعري غير ملموس… كل شيء يتغير في كل لحظة والشعر شكل من أشكال المعرفة وعنصر تغيير للأفراد والشعوب.. أن تكون شاعرًا يعني أن تطوّر وتعبّر عن فكر ورؤية وإدراك متجدّد ومجدِّد، وأن تكون في الوقت ذاته جزءًا من الوجود الواحد. الشاعر يجسّد ويحمل حلم حياة بديلة.
أحمد زعبار: هل يمكن أن تحدثنا عن طفولتك وبداياتك الأولى؟ ما الذي دفعك نحو الشعر، ومتى شعرت أنه لم يعد مجرد اهتمام، بل قدرًا؟
لا أعرف ردًا على القمع السياسي أجمل من الشعر
فرناندو ريندون: كانت طفولتي سعيدة، مفعمة بالخيال والمرح. كان الشعر حاضرًا في ألعابنا. غير أن الحياة في الصف الدراسي كانت تعبيرًا عن دوغما قاسية قاومتها، عقيدة تناهض البحث الدائم عن الحقيقة المتغيرة. إن الصراع ضد الدوغما والجمود لا يزال مستمرًا في حياتي وفي حياة ملايين البشر… لا وجود لحقيقة شاملة مطلقة… دخلتُ عالم الشعر عبر أصدقاء والدي الشعراء، ومن خلال الاحتكاك بالتجربة الشعرية وكتب الشعر. وفي مراهقتي، أصبح الشعر طريقة جديدة للعيش، ولفهم الوجود، وتغيير رؤيتي للأشياء وللحياة وأصبح قدرًا.
أحمد عمر زعبار: كيف غيّرك الشعر إنسانيًا عبر السنين؟
فرناندو ريندون: نعم، لقد غيّرني الشعر. منحني الشجاعة لمواجهة الحياة والموت. علّمني أن أحلامنا يمكن أن تتحقق، حتى وإن كلّفنا ذلك حياتنا. قادني الشعر في طرقات العالم، وشهدتُ قوته وتأثيره. أثريتُ حياتي بقراءات الشعراء المهمّين. كما تعلّمت من الشعر والتأمل أن الحياة تجربة وأنها محيط من الطاقة يتدفّق فينا، ويتجدّد باستمرار، ويتحرك حيث يشاء.
ميديين، المكان، والسياق التاريخي
أحمد عمر زعبار: لميديين تاريخ معقّد ومؤلم. كيف أثّر العيش والكتابة في ميديين على صوتك الشعري ورؤيتك للعالم؟
فرناندو ريندون: كانت ميديين مدينة هادئة، لكن الصراعات المسلحة المتواصلة في البلاد وتداعياتها خلّفت إرثًا من التفسخ الاجتماعي المتراكم. إن التجربة الشريرة المتمثلة في تحويل النباتات المقدسة إلى مخدرات كيميائية جلبت الدمار والموت إلى كولومبيا. وقد أشعل الاتجار بالمخدرات حروبًا أودت بحياة 45 ألف شخص في ميديين بين عامي 1990 و2000. تأثرت قصائدي بتلك المأساة، كما تحركتُ مع أصدقائي بقوة ضد القتل، لمواجهة الدمار وزهق الأرواح، وفتحأفقٍنحوالسلام.، ومحاولة تغيير المناخ الروحي للمدينة.
أحمد عمر زعبار: ماذا يعني أن تكتب الشعر في بلد موسوم بالعنف واللا مساواة والجراح الاجتماعية؟
فرناندو ريندون: أن تكتب الشعر في مواجهة العنف في كولومبيا يعني أن تعيش وتحارب ضد الموت. الشعر دواء قوي ضد الكراهية. من دون الشعر، يستحيل شفاء جراح الحرب والمضي قدمًا في خلق مناخ سلمي من المصالحة وإعادة البناء، حتى وإن تطلبت هذه العمليات وقتًا طويلًا. التناقضات مرضية وهَوَسِية، والعلل الاجتماعية ضاربة في القِدم وتحتاج قرونًا لتلتئم.
مهرجان ميديين الدولي للشعر: النشأة والتطور
أحمد عمر زعبار: كيف وُلدت فكرة تأسيس مهرجان ميديين الدولي للشعر؟ وما الدوافع وراء تأسيسه؟
فرناندو ريندون: بحلول عام 1991، أصبحت ميديين عاصمة للجريمة. كان كل من الدولة الكولومبية والمافيا كيانين إرهابيين. أصدرت الدولة أوامر بالتصفية الجسدية لستة آلاف من قادة ومناضلي المعارضة اليسارية، فيما قررت المافيا إعدام مئات من رجال الشرطة، واضعةً مكافآت لقتلهم. كانت الجماعات الثورية المسلحة تقاتل الجيش الكولومبي وقوة شبه عسكرية كبيرة (قوات عصابات المخدّرات). أصبح القتل المأجور مهنة مربحة. انفجارات القنابل كانت أمرا يوميًا شبه عادي. وبسبب ذلك، خلت شوارع المدن، لا سيما ميديين. كان الجميع معرضون للقتل في أي لحظة. مُنعت التجمعات التي تزيد عن ثلاثة أشخاص. كنا جميعًا تحت التهديد. ولمواجهة واقع الموت المطلق والقتل اللامحدود، أسسنا مهرجان ميديين الدولي للشعر.
أحمد عمر زعبار: ماهي أبرز التحديات في السنوات الأولى؟ وهل كانت هناك لحظات شعرت فيها أن المهرجان قد لا ينجح؟
فرناندو ريندون: كان التحدي الأكبر هو تبديد الخوف، وجعل الجَمال يزيح الذعر من الشوارع. كما شكّل التحدي المالي مظهرًا آخر من مظاهر المقاومة الشعرية. فبما أن الشعر لا يدر أرباحًا مادية، فلا مال يُخصص له. في البداية، كنا نجري المكالمات من كبائن الهاتف العامة، وكان كل العمل تطوعيًا. وخلال السنوات العشر الأولى، وهي الأعنف في تاريخ ميديين، كان التحدي الأكبر هو البقاء أحياء، يقظين، وفاعلين. وكما كتب الشاعر الفرنسي إيف بونفوا، فقد أقيم المهرجان على تخوم الشر. تحملنا التهديدات والضغط والحرمان، وكنا نخاف الموت، لكن خوفنا من الجمود والتقاعس كان أشد. انتصر حبنا للحياة، وكذلك ثقتنا بالشعر بوصفه تجلّيًا للمعركة الروحية لشعب ميديين.
أحمد عمر زعبار: كيف تغيّر المهرجان فنيًا واجتماعيًا منذ بداياته حتى اليوم؟
فرناندو ريندون: مرّ المهرجان بتجارب وأزمات صعبة، ونجا، مثلنا، لأكثر من خمسة وثلاثين عامًا، واختبر معظم أشكال الموت والحياة، ونضج في رؤيته الشعرية وجودته الفنية. استضفنا أكثر من ألفي شاعر من 197 دولة، من بينهم وول سوينكا، سعدي يوسف، عبد اللطيف اللعبي، كو أون، إدواردو سانغينِتي، أندريه فوزنيسنسكي، بلانكا فاريلا، خوان خيلمان، ومازيزي كونيني. وشارك آخرون افتراضيًا مثل أدونيس، أنطونيو غامونيدا، تشارلز سميك، وبول مولدون. ومع الجائحة تراجع الجمهور، لكنه بدأ يعود تدريجيًا. لا يزال المهرجان قويًا وحيويًا، ورياح الشعر تواصل هبوبها فوق المدينة.
أحمد عمر زعبار: كيف ترى مستقبل مهرجان ميديين الدولي للشعر؟
فرناندو ريندون: لقد تحسّن الوضع السياسي في البلاد تدريجيًا. إذ باتت قوة سياسية تقدمية هي الحاكمة اليوم، ما أدى إلى تغييرات سياسية واقتصادية واجتماعية، في ظل أفق يبدو مستقرًا نسبيًا، رغم المعارضة المتوقعة من اليمين الذي يستخدم شتى الأساليب والمناورات وحملات التشويه للنيل من هذه القوة الصاعدة الساعية إلى التغيير الإيجابي. نأمل أن تمتد هذه التحولات إلى المجال الثقافي أيضًا، وأن يُنظر إلى الشعر بوصفه قوة قادرة على إسناد عملية التحول. فإذا تحقق ذلك، يمكننا أن نتطلع إلى مستقبل أفضل لكولومبيا وللمهرجان. أما إذا لم يحدث، فسنواصل النضال كما فعلنا دائمًا، كي يظل الشعر حاضرًا وفاعلا في ميديين وفي كل مكان.
السياسة والسلطة والمقاومة
أحمد عمر زعبار: في ظل تاريخ سياسي كولومبي شديد الاضطراب، كيف تعامل المهرجان مع تأثيرات السياسة، من رقابة وضغوط ومظاهر عداء؟
فرناندو ريندون: كما هو الحال في العديد من البلدان، يُطلب من الشعر أن يكون سياسيا، ولا يُسمح للشعراء بالتعبير عن أفكار نقدية تجاه الواقع وهذا بحد ذاته شكلٌ من أشكال الرقابة، لقد تعرّض المهرجان لاتهامات متواصلة بسبب روحه الحرة، وهو مُلاحَق ومُراقَب، ويخضع لأساليب الترهيب والتهديد والتشهير به. وعندما تصبح السياسة متداخلة إلى هذا الحد مع المهرجان، نُدفَع إلى التعبير عن أنفسنا سياسيًا. إن المهرجان حصنٌ لحرية الفكر والتعبير. فالحياة لا يمكن أن تنمو في الأسر. الشعر موجود ولا يمكن إلا أن يوجد ويكون حاضرا، هذه هي كرامته. وعندما تتماهى دولةٌ وشعبٌ مع مثل هذه الروح، فإنهما مع مرور الزمن سيصبحان عصيّين على الانكسار. الشعر يُغذّي روح الحرية في كل الأزمنة، ويحافظ عليها حيّة وسليمة.
أحمد عمر زعبار: في السنوات الأخيرة، كانت هناك محاولات من السلطات المحلية للتدخل في المهرجان أو إيقافه. هل يمكنك أن تصف ما الذي حدث، وكيف أثّرت هذه التحديات السياسية والبيروقراطية في عمل المهرجان وعلاقته بالمجتمع؟
فرناندو ريندون: تعرّض المهرجان لقطع التمويل الوطني والمحلي، بما في ذلك حصار مالي كامل فرضه خمسة رؤساء بلديات… قبل ست سنوات رفضت وزارة الثقافة تقديم دعمها المالي للمهرجان، ونتيجة لذلك بدا وكأنه على وشك الاختفاء. عندها أطلقنا حملة دولية لجمع التوقيعات، وروّجنا لزيارات ورسائل من شعراء أجانب إلى السفارات الكولومبية في الخارج. وقد أدى العدد الكبير من الرسائل التي أُرسلت إلى الوزيرة إلى إغراق بريدها الإلكتروني وشلّه. وفي النهاية، اضطرت الحكومة الوطنية إلى إعادة النظر في قرارها العدائي. وفي الأزمة الأخيرة التي تسبب فيها سياسي يميني محلي سعى إلى إلغاء القانون الذي يخصص ميزانية سنوية للمهرجان، تلقّينا 500 رسالة دعم من شعراء من 150 دولة، وكان ذلك تعبيرًا قويًا عن التضامن، ومصدر فرح لنا، واستراحةقصيرة من التهديد الدائم، وانتصارًا مؤقتًا في مواجهة الأعداء الأبديين للشعر والحياة.
أحمد عمر زعبار: ماذا يعني لك، وللمجتمع الشعري في ميديين، الحفاظ على استمرار المهرجان رغم هذه المحاولات لعرقلته؟
فرناندو ريندون: إن إقامة المهرجان على مدى 35 عامًا تجعل من استمراره رمزًا لمقاومة الروح، انطلاقًا من ضفةٍ لم يكن من الممكن تخيّلها في الأزمان الماضية… إن انتشار الشعر في العالم بات اليوم أكثر ضرورة من أي وقت مضى؛ فالشعر يعبّر عن تفكير مستقل وخلاق تجاه الواقع، وهو واقع أصبح أكثر غموضًا مع السقوط الحتمي للإمبراطورية والصهيونية. ومن خلال الرسائل التي تلقيناها من بلدان كثيرة في جميع القارات، يمكن تلمّس شعور بالهوية المشتركة وبالإجماع على أن المهرجان، بوصفه ركيزة من ركائز الشعر العالمي، يجب أن يظل حيًا وفاعلًا. ونحن نتخذ كل الإجراءات اللازمة لضمان ذلك، وللمساهمة في بقاء الشعر مركزًا ورمزًا للأمل الإنساني الذي لا يرضخ ولا يستسلم.
الشعر والسياسة
أحمد عمر زعبار: كيف تتعامل شخصيًا مع العلاقة بين الشعر والسياسة؟ وهل تعتقد أن على الشعر أن يتخذ موقفًا سياسيًا، أم أن يبقى مستقلا عن الإيديولوجيا؟
فرناندو ريندون: لقد فرضت السياسة اليمينية وإيديولوجيتها نفسها فجأة على العالم، ولا يمكن تجاهلها. وكما يجب على الشعراء أن يُظهروا تضامنهم مع غزة، فمن الضروري أيضًا رفض الوجود العدواني للسفن والطائرات والقوات الأمريكية قبالة سواحل فنزويلا. إن غزو غزة وفنزويلا هما معًا أفعال تسلّط وعنف تمارسها قوى خطيرة للغاية. وكل أشكال العدوان على الحياة في أي بلد تُعدّ اعتداءً على الإنسانية، ويجب أن نواجهها بالمطالبة بالسلام واحترام الشعوب. إن حياة الجميع على المحك. ومع ذلك، يجب أن يُعبَّر عن موقفنا من خلال الشعر. فحلم الربيع الإنساني هو حلم شعري، وليس شعارًا سياسيًا. الشعر يوحّد البشر فوق اختلافاتهم الفكرية. فليس الفكر هو ما يربط، بل القلب هو الذي يوحّد.
أحمد عمر زعبار: إذن أنت ترى في الشعر شكلًا من أشكال المقاومة؟
فرناندو ريندون: الشعر يقاوم التدمير الأبدي للكائنات والأشكال الاجتماعية للموت. المقاومة هي الحفاظ على اللغة المُحرِّرة، والذاكرة الحيّة للأسلاف. المقاومة هي وحدة الشعراء، والفعل الشعري الدائم دفاعًا عن الحياة. نحن نقاوم الخراب بالاحتفاء بالوجود. ويجب أن تقود المقاومة إلى ثورة شعرية عالمية بوصفها حالة من التحوّل الروحي، تُفضي بالإنسانية إلى تحقيق السلام والعدالة والانسجام، وتجنب الكارثة.
أحمد عمر زعبار: كيف تعرّف مسؤولية الشاعر تجاه المجتمع؟
فرناندو ريندون: لا يستطيع الشعراء تغيير المجتمع، لكنهم قادرون على المشاركة في ومواكبة نضال الشعوب التي تقاوم الاضطهاد وتسعى إلى تغيير العالم. الشعر هو صوت الجنس البشري وحلمه وهو فنّ التحوّل والشاعر يجسّد خيال حياة جديدة.
الممارسة الشعرية والعالم الداخلي
أحمد عمر زعبار: في شعرك الخاص، كيف توازن بين الشخصي، والوجداني، والسياسي؟
فرناندو ريندون: أنا لا أسعى إلى تحقيق توازن بينهم فالتوازن يأتي بشكل طبيعي. القضايا الشخصية أو الوجدانية أو السياسية نعيشها يوميًا، ونحن نستجيب لها في وقتها بالإصرار والتفاني. الحياة والشعر يتأثران بالتاريخ الإنساني، ونحن نواجه بطاقتنا وبقصائدنا. ولا يمكن أن يكون الأمر على نحوٍ آخر، لا أعرف ردًا أجمل على القمع السياسي من الشعر.
أحمد عمر زعبار: ماهي الموضوعات التي تتكرر أكثر من غيرها في قصائدك، ولماذا؟
فرناندو ريندون: التهديد النووي اليومي، ومحاولات سحق إرادة الشعوب عبر حروب فاشية لا إنسانية، وحتمية ومواجهة مشاعر الموت والحياة، كل ذلك تعيدني إلى التفكير في خلود الشعوب وأبطالهم ورموزهم الثقافية عبر القرون. أنا مهووس باستمرار الحياة البشرية على الأرض رغم عدم اليقين.
أحمد عمر زعبار: ما الدور الذي يمثله الأمل والتضامن في شعرك وفي المهرجان بوصفه فضاءً شعريًا عالميًا؟
فرناندو ريندون: سنة 2011، أسّسنا في ميديين حركة الشعر العالمية بوصفها تعبيرًا عن إرادة الشعر وأمله في انتصار الحياة على قوى الظلام والتدمير. وفي إطار هذه الحركة، القائمة على التضامن والأمل الكامنين في طبيعة الشعر، يعبّر شعراء من جميع أنحاء الكوكب عن أنفسهم. وخلال 14 عامًا، قامت الحركة ب23 نشاطا شعريًا عالميًا، من بينها عدة فعاليات دفاعًا عن غزة.
الشعر اليوم ونصيحة للمستقبل
أحمد عمر زعبار: ماهي مكانة الشعر اليوم في عالم تهيمن عليه السرعة والضجيج والتشتت؟
فرناندو ريندون: يحتل الشعر مكانة حيوية في أوساط شباب العالم. والشاعر يشكّل نموذجًا يُحتذى به في العديد من البلدان فالمهرجانات، والمنشورات الإلكترونية والمطبوعة، وورش الكتابة الشعرية تتزايد في كل مكان.. الأمر يتعلّق بالإيمان بالوجود والثقة به، وبالكتابة والنضال بشغف من أجل ابتكار أشكال ثورية جديدة للحياة. إن خلود الحلم مصنوع من ألياف قوية. الشعر موجود بكثرة في اللقاءات اليومية، وفي المنتديات، وفي كل أشكال الفنون، ويكتشف يوميا مسارات جديدة. الشعر يُغلق كل الطرق المؤدية إلى اليأس.
أحمد عمر زعبار: ماهي النصيحة التي تودّ توجيهها إلى الشعراء الشباب في كولومبيا وحول العالم؟
فرناندو ريندون: اقرأوا كبار الشعراء، وتفاعلوا مع قصائدهم، وابحثوا عن مسارات الشعر وغوصوا في أعماقه، ودوّنوا كل شيء. بدلًا من التنافس، اتحدوا لاحتضان معجزة الوجود وحمايتها. احملوا في قلوبكم العالم الذي شهد ولادتكم، ودافعوا عنه. حققوا المستحيل، فهو الشيء الوحيد الذي يستحق النضال من أجله. انتصروا معًا على أعداء الحياة.
أحمد عمر زعبار: بعد كل هذه السنوات من الشعر والنضال الثقافي، ما الذي يبقيك تكتب؟
فرناندو ريندون: ما يُبقيني أتنفّس وأكافح هو ما يُبقيني أكتب: حبّ الحياة في المكان الذي نبقى فيه متحدين مع كل من يتنفّس ويكافح من أجل انتصار النور.
**********
فيرناندو ريندون، شاعر وناشط ثقافي كولومبي، يُعدّ من أبرز الأسماء في المشهد الثقافي العالمي، وهو مؤسس ومدير مهرجان ميديين الدولي للشعر. وُلد في ميديين، وكان صوتًا رائدًا في توظيف الشعر بوصفه شكلًا من أشكال المقاومة الاجتماعية والتعافي الاجتماعي في كولومبيا. أصدر عدة مجموعات شعرية، من بينها: كونتراهيستوريا، تحتشموسأخرى، وأسبابالسلمون. نُشرت قصائده ومقالاته على نطاق واسع، وتُرجمت إلى لغات عديدة. كما يُعدّ من المؤسسين المشاركين لحركة الشعر العالمية، التي يواصل من خلالها الترويج للشعر كقوة للسلام والحرية والكرامة الإنسانية في أنحاء العالم.
أحمد عمر زعبار(تونسي مقيم في لندن)، شاعر وكاتب وإعلامي. شغل سابقًا منصب رئيس اللجنة الثقافية في المنتدى الثقافي العربي في بريطانيا، ورئيس اللجنة الإعلامية في النادي العربي في بريطانيا، ونائب رئيس نادي حبر أبيض في لندن. نشر ثلاثة دواوين شعرية، ويعمل حاليًا على نشر ثلاثة دواوين أخرى. تُرجمت أعماله الشعرية إلى الفرنسية والإسبانية والصينية والإيطالية والصربية والإنجليزية، وشارك في العديد من المهرجانات الشعرية العالمية كما وردت قصائده في عدد من الأنطولوجيات الشعرية العالمية