
مجموعة شريف عبد المجيد القصصية الجديدة «جامع العملات القديمة»، الصادرة عن دار بتانة في القاهرة، تمثل محطة مهمة في تجربة الكاتب مع القصة القصيرة، وتؤكد استمراره في تطوير أسلوبه السردي وقدرته على بناء نصوص قصيرة متكاملة ومتماسكة. تضم المجموعة 13 قصة، هي: مشاهد من حياة الساحر القديم، السبع عرائس، انتقال السيد حسان، جامع العملات القديمة، غرفة 28، بث مباشر، مقتل السيدة الألبانية، نصف ابتسامة، حكيم، العشاق يتقابلون في البورصة، حكاية أمين مكتبة، ثلاث نهايات لقصة واحدة، وحفل توقيع.
ما يميز هذه المجموعة هو اهتمام الكاتب بالدقة في اللغة، وبناء الجمل، وتوزيع الأحداث داخل كل نص بشكل يسمح بالتركيز على التجربة الإنسانية في أبعادها المختلفة، دون الحاجة إلى إضافة تحليلات خارج النص. فالقصص قصيرة، لكنها مكثفة، وتظهر قدرة الكاتب على استغلال الحد الأدنى من الكلمات لتحقيق أقصى أثر فني ونفسي.
العناوين في المجموعة تثير الفضول وتفتح مساحة للتأمل قبل قراءة النصوص نفسها. على سبيل المثال، ثلاث نهايات لقصة واحدة توحي بتجربة سردية مبتكرة في استكشاف الاحتمالات المختلفة لنهاية الحكاية، فيما يطرح عنوان العشاق يتقابلون في البورصة سؤالاً عن تلاقي الحياة العاطفية مع البعد الاجتماعي والاقتصادي، بينما بث مباشر يشير ضمنيًا إلى لحظة زمنية فورية، وتجربة ترتبط بالوعي المعاصر للأحداث التي تُعرض لحظة بلحظة على المتلقي.
اللغة في المجموعة واضحة ومتماسكة، تمزج بين الوصف الدقيق والحوار الداخلي، مع اهتمام بالوتيرة السردية بحيث لا يشعر القارئ بالملل، مع الاحتفاظ بقدر من التشويق الذي يدفعه لمتابعة الأحداث. كما أن تنوع موضوعات القصص يسمح بخلق تجربة قراءة غنية، حيث تتراوح النصوص بين المشاهد اليومية البسيطة، مثل حكاية أمين مكتبة، إلى نصوص تحمل بعدًا رمزيًا أو تأمليًا، كما هو الحال في مشاهد من حياة الساحر القديم ونصف ابتسامة.
مجموعة «جامع العملات القديمة» تظهر قدرة الكاتب على التعامل مع الفضاء المكاني كعنصر فاعل في السرد، فتصبح الغرف، والمكاتب، والشوارع، والأماكن العامة مساحة لتفاعل الشخصيات وتحريك الأحداث. في غرفة 28، على سبيل المثال، يترك المكان أثرًا مباشرًا على أحداث القصة وشخصياتها، ويصبح جزءًا من البنية السردية، دون الحاجة إلى تعليق خارجي.
التركيز على الشخصيات واضح، فعبد المجيد يكتبها بعناية، مع مراعاة طبقاتها النفسية والاجتماعية، بحيث تشكل كل شخصية حالة مستقلة ومميزة داخل النص، وتعكس تجارب إنسانية متنوعة. تظهر هذه الخصائص في قصص مثل حكيم والسبع عرائس، حيث ينجح الكاتب في رسم شخصيات حقيقية ومؤثرة دون الانزلاق إلى المبالغة أو التضخيم، مع الحفاظ على حساسية النص ومصداقيته.
العنوان الرئيس للمجموعة، «جامع العملات القديمة»، يحمل دلالة رمزية واضحة، فهو يشير إلى جمع ما مضى وحفظه، سواء كان ذاكرة أو تجربة أو حدثًا عابرًا، ليصبح كل نص في المجموعة بمثابة “عملة” تضاف إلى رصيد الإنسان المعرفي والوجداني، وفي الوقت نفسه يترك للمتلقي مساحة لاكتشاف الرموز والمعاني دون توجيه مباشر.
تتميز المجموعة أيضًا بالتماسك العام في الأسلوب، حيث يحافظ كل نص على خصوصيته، لكنه يندمج ضمن رؤية واحدة لمسيرة الكاتب، ويؤكد اهتمامه بالصياغة الفنية الدقيقة وبالمساحة التأملية التي تمنح القارئ فرصة الانغماس في التجربة النصية. هذه المجموعة تمثل بالتالي خطوة متقدمة في مسيرة شريف عبد المجيد مع القصة القصيرة، فهي تقدم نصوصًا قصيرة لكنها غنية بالمعنى، وتوازن بين الواقعية الاجتماعية والأسلوب الفني المبتكر، وتتيح قراءة متعددة المستويات لكل قصة.
في النهاية، «جامع العملات القديمة» ليست مجرد مجموعة قصصية، بل هي تجربة فنية متكاملة، تعكس قدرة شريف عبد المجيد على المزج بين الأسلوب الدقيق واللغة المكثفة، وبين الحدث القصصي والتحليل النفسي والاجتماعي للشخصيات، مما يجعل كل قصة نافذة على تجربة إنسانية حقيقية، قابلة للقراءة المتأنية والتأمل العميق. المجموعة تؤكد مرة أخرى على أن القصة القصيرة قادرة على تقديم رؤية متكاملة عن الإنسان وعلاقته بالزمان والمكان والمجتمع، وأن القراءة الدقيقة للنصوص هي الطريقة الوحيدة لفهم ثراءها الفني والإنساني.
مجموعة «جامع العملات القديمة» تظهر قدرة الكاتب على التعامل مع الفضاء المكاني كعنصر فاعل في السرد، فتصبح الغرف، والمكاتب، والشوارع، والأماكن العامة مساحة لتفاعل الشخصيات وتحريك الأحداث. في غرفة 28، على سبيل المثال، يترك المكان أثرًا مباشرًا على أحداث القصة وشخصياتها، ويصبح جزءًا من البنية السردية، دون الحاجة إلى تعليق خارجي.


