أحداثأدبإعلامشخصيات

مروة نبيل في دائرة الأسباب: صوغ التيه واليقظة الحسية

 د. حسين عبد البصير

في ديوانها الجديد “دائرة الأسباب” الصادر عن دار صفصافة في القاهرة، تمضي الشاعرة المصرية مروة نبيل في رحلة شعرية ذات نبرة تيه متأنٍ، تتجاوز مجرد تسجيل المشهد لتقترب من جوهره الميتافيزيقي، فتكتب عن الحياة وهي في أكثر لحظاتها التكرارية والسطحية. الديوان يشبه أرشيفًا حيًا يضم وجوه الناس وأصواتهم وروائحهم، لكنه ليس مجرد وصف؛ بل محاولة لاستدعاء المعنى المخفي وراء التفاصيل اليومية، لتقريب القارئ من لحظات تتقاذف بين الواقع والأسطورة، بين الحسي والمجازي، بين السخرية والحنين.

مروة نبيل هنا تكتب كما لو كانت تمسك بخيط الحياة من أطرافه الأكثر فوضوية، حيث يلتقي الحدث العابر مع الانطباع الشخصي، في تناغم يحافظ على الإيقاع الشعوري للنصوص. الأصوات، سواء كانت صادرة من الشوارع والأسواق، أو من غرف البيت والهواتف النائمة على الوسائد، تصبح عناصر رئيسية في بناء النص، وكأنها تجعل الديوان حديقة سمعية بصرية يتم فيها رسم لحظات الحياة العابرة بدقة. كل نص قصير في هذا الديوان يمثل لقطة حية، مليئة بالتفاصيل الدقيقة، لكنها دائمًا محاطة بهالة من الغموض.

الكتابة عند نبيل تنحو إلى التعددية: تعددية الأصوات، تعددية اللحظات، تعددية الرؤى. فهي تتأرجح بين مراقبة العالم من الخارج والاندماج في تجربته من الداخل. هذا التوازن بين التلقي والتجربة الشخصية يمنح النص حيوية نادرة، ويجعل القارئ يشارك الشاعرة حالة الاستكشاف اليومي للحياة. الحب، على سبيل المثال، يظهر في الديوان ليس كحالة مثالية، بل كإشارات صغيرة تلوح أحيانًا في فجوات الملل، أو كحركات خاطفة تلمس الروح وتختفي بسرعة، مثل ضوء يمر بين الأشجار في الغابة.

لغة الديوان دقيقة وحادة، لكنها ليست مغلقة على نفسها. السخرية هنا ليست مجرد تعبير نقدي، بل أداة لفهم الواقع البشري، والحنين ليس مجرد عاطفة شخصية، بل بوابة لربط اليومي بالأسطوري. وتظهر فلسفة مروة نبيل في قراءة الحياة باعتبارها حلقة من الأسباب، حيث لا يمكن فصل حدث عن آخر، ولا معنى عن سياقه، وهو ما يجعل إعادة الحكي والاستماع الصبور ضروريًا لاكتشاف المعنى الكامن خلف التفاصيل.

من خلال هذا الديوان، تؤكد نبيل مرة أخرى على مكانتها كشاعرة تنصت للحياة بكل أبعادها، ولا تكتفي بتسجيل الوقائع، بل تستدعي الاحتمالات والظلال والخفايا. “دائرة الأسباب” ليست مجرد مجموعة قصائد، بل تجربة شعرية متكاملة تصوغ الحياة كما هي، بجمالها وفوضويتها وغموضها، وتجعل من الشعر وسيلة للتيه واليقظة في آن واحد.

في هذا الصدد، يمكن القول إن مروة نبيل تجسد ما يمكن تسميته بـالشعر التجريبي اليومي الفلسفي: قصائد تستكشف الملموس والمعنوي، اللحظة والذاكرة، العالم الداخلي والخارجي، في توازن بين التأمل والحركة، بين الغموض والوضوح، بين الحنين والسخرية. ديوانها الجديد يفتح آفاقًا للقارئ ليعايش الحياة بطريقة أكثر وعيًا، ويشعر بأن العالم لا ينتهي عند الملموس، بل يستمر في حلقة لا تنقطع من الأسباب والنتائج.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى