
في زمن تتسارع فيه الأحداث، وتزداد فيه الضغوط الاجتماعية والسياسية والثقافية، يظهر كتاب “الثقافة الإنسانية.. رسائل وهوامش” كمنارة فكرية، يحمل توقيع الدكتور سامح فوزي، الأكاديمي البارز وكبير الباحثين بمكتبة الإسكندرية، الحاصل على جائزة الدولة للتفوق في العلوم الاجتماعية. الكتاب، الصادر ضمن سلسلة كتاب الهلال التي يرأسها الكاتب الكبير طه فرغلي، يقدم رؤية شاملة لفهم القيم الإنسانية المشتركة، ويطرح سؤالًا جوهريًا: كيف يمكن للإنسان أن يعيش إنسانيته في عالم متشابك ومتغير؟
الكتاب يجمع ثلاثين قولًا مأثورًا عن التسامح، مستخلصًا من فكر مفكرين وفلاسفة ومتدينين عبر العصور، ليكشف أن هناك جوهرًا إنسانيًا واحدًا يتجاوز الحدود الزمنية والجغرافية والدينية. ما يميز هذه الأقوال أنها ليست مقتطفات متفرقة، بل شبكة مترابطة من الأفكار الإنسانية، تشكل لوحة فكرية متكاملة تؤكد على التسامح، وقبول الآخر، واحترام التنوع، والارتقاء بالإنسان فوق الانقسامات والخلافات.
يتجاوز الكتاب الجانب النظري ليطرح أيضًا أبعادًا عملية للتفكير في حياتنا اليومية. فهو يعكس أزمة حقيقية في التوثيق الاجتماعي والإنساني: كثير من المجتمعات تهمل تسجيل حياة الناس وقصصهم، فلا توجد نماذج حية تعكس العطاء، قبول الآخر، أو قيم الخدمة العامة. يقدم الكتاب هذه النماذج، ويحوّل الأقوال المأثورة إلى مادة للتأمل، بحيث يمكن للقارئ أن يرى في القيم الإنسانية خيطًا يربط بين الفرد والمجتمع، بين الماضي والحاضر، وبين الشرق والغرب، وبين مختلف الطبقات الاجتماعية والثقافية.
كما يسلط الكتاب الضوء على أهمية أنسنة التعليم وتفعيل الثقافة المدنية، حيث يصبح التعليم أكثر من مجرد نقل معرفة، بل مساحة لغرس قيم المشاركة والمواطنة والتطوع وقبول الاختلاف منذ الصغر. يحاول الكتاب أن يرسم خريطة للقيم التي يمكن أن تُمارس يوميًا في حياتنا، لتتحول الثقافة من مجرد معرفة نظرية إلى ممارسة حقيقية تُغير سلوك الفرد والمجتمع. من هذا المنطلق، يتحول التعليم إلى تجربة حياتية تنمي روح المواطنة، وتخلق أجيالًا قادرة على الحوار والتفاهم والتعاون، بعيدًا عن التعصب والانغلاق الفكري.
القراءة العميقة للكتاب تكشف أن الرسائل الإنسانية التي يحملها الدكتور سامح فوزي تتجاوز الخلافات العقدية والفكرية، لتصل إلى جوهر واحد: الإنسانية التي تبحث عن الحرية والكرامة، بعيدًا عن العنف والفقر والانقسامات، والبحث عن التوازن بين المعرفة والفعل، بين النظرية والتطبيق، بين الفرد والمجتمع. فالكتاب يقدم إطارًا متكاملًا لفهم القيم الإنسانية من زاوية شاملة، تربط بين الفكر والأخلاق والسلوك، بين التأمل والعمل، بحيث تصبح القيم عنصرًا حيًا في حياة الإنسان اليومية.
إن “الثقافة الإنسانية.. رسائل وهوامش” ليس مجرد كتاب للقراءة، بل تجربة فكرية وروحية تدعو القارئ إلى التأمل العميق، وإعادة تقييم طريقة حياته وعلاقاته بالآخرين. إنه كتاب يذكّرنا بأن الإنسانية الحقيقية تبدأ من فهم القيم الأساسية، والعمل على ترجمتها إلى أفعال ملموسة، لتصبح التسامح والمحبة واحترام التنوع جزءًا من الحياة اليومية، وليس مجرد نصوص جامدة.
بهذا المعنى، يتحول الكتاب إلى مرجع أساسي لكل من يسعى لفهم الإنسان في سياق مجتمعه وتاريخه، وللأجيال القادمة كنموذج حي للثقافة الإنسانية التي لا تتوقف عند حدود الكتب، بل تمتد لتصبح تجربة حياة كاملة، قادرة على التأثير في الأفراد والمجتمعات. إنه دعوة للقارئ للعودة إلى جوهر الإنسانية، لا في النظرية فقط، بل في الممارسة العملية لكل يوم، وفي كل علاقة، لتصبح الحياة نفسها انعكاسًا للقيم التي يسعى الكتاب إلى ترسيخها.
إن “الثقافة الإنسانية.. رسائل وهوامش” ليس مجرد كتاب للقراءة، بل تجربة فكرية وروحية تدعو القارئ إلى التأمل العميق، وإعادة تقييم طريقة حياته وعلاقاته بالآخرين. إنه كتاب يذكّرنا بأن الإنسانية الحقيقية تبدأ من فهم القيم الأساسية، والعمل على ترجمتها إلى أفعال ملموسة، لتصبح التسامح والمحبة واحترام التنوع جزءًا من الحياة اليومية، وليس مجرد نصوص جامدة.


