أحداثأدبشخصيات

الزمن المكسور في الرواية الحديثة: كيف تُروى الحياة خارج التسلسل؟

د.حمزة مولخنيف - المملكة المغربية

ليس الزمن في الرواية الحديثة مجرد وعاء محايد تُصفّ فيه الوقائع كما تُصفّ الأشياء على رفٍّ مستقيم، بل هو مادة رخوة قابلة للانثناء والانكسار، وأحياناً للانفجار من الداخل. منذ أن بدأت الرواية تشكّ في بداهاتها الأولى، صار الزمن واحداً من أكثر مفاهيمها إشكالاً ومراوغة. لم يعد الزمن خطّاً يُرسم من نقطة بداية إلى نقطة نهاية، بل غدا شبكةً من اللحظات المتداخلة، وحقلاً للتجربة، وسؤالاً أنطولوجياً بقدر ما هو تقنية سردية. وكأن الرواية الحديثة وهي تعيد تشكيل علاقتها بالعالم، وجدت نفسها مضطرة إلى إعادة التفكير في الزمن ذاته، لا بوصفه قياساً فيزيائياً، بل باعتباره تجربة وجودية تُعاش قبل أن تُروى.

لقد نبّه القديس أوغسطين في اعترافاته إلى هذا المأزق العميق حين قال: «ما هو الزمن؟ إن لم يسألني أحد عنه فأنا أعرفه، وإن سألني عنه أحد لا أعرفه». هذه الحيرة الأولى ستظل كامنة في قلب السرد الحديث، لأنها تعبّر عن انفصال بين الزمن كما يُقاس والزمن كما يُحسّ. الرواية التقليدية وهي ابنة التصور الكلاسيكي للعالم، حاولت أن تطمئن القارئ إلى أن الحياة يمكن حكايتها كما حدثت، خطوة بعد خطوة، سبباً بعد سبب. غير أن القرن العشرين، بما حمله من حروب وانكسارات وتسارع تقني واهتزاز في اليقين، زعزع هذا الاطمئنان، وجعل الزمن نفسه يبدو مكسوراً غير قابل للاستعادة الكاملة، ولا للرواية الخطّية المطمئنة.

حين نقرأ الرواية الحديثة نشعر أن الزمن لم يعد يمضي إلى الأمام بقدر ما يدور حول نفسه أو يتشظّى إلى شظايا ذاكرة، أو يتوقف فجأة عند لحظة كثيفة تُعاد صياغتها من زوايا متعددة. هنري برغسون كان من أوائل من منحوا لهذا التحول عمقه الفلسفي حين فرّق بين الزمن الميكانيكي، زمن الساعات والتقويم والزمن المعيش أو «المدّة» التي لا تُقاس بل تُعاش. يقول برغسون إن «المدّة هي تقدم متواصل للماضي الذي يأكل المستقبل وينتفخ وهو يتقدم». هذه الرؤية ستجد صداها العميق في الرواية الحديثة حيث الماضي لا يمضي بل يظل حاضراً يتداخل مع اللحظة الراهنة ويؤثر في تشكيلها، وكأن السرد لا يتحرك في خط مستقيم، بل في حلزون وجودي.

من هنا، لا يمكن فهم «الزمن المكسور» في الرواية الحديثة بوصفه مجرد حيلة فنية أو تلاعب بالشكل، بل هو تعبير عن وعي مأزوم بالوجود. مارسيل بروست في عمله الضخم «البحث عن الزمن المفقود»، لم يكن يسعى إلى استرجاع الماضي بوصفه سلسلة أحداث، بل إلى استعادة الزمن بوصفه إحساساً. قطعة الكعك المغموسة في الشاي لا تفتح باب الذكرى فحسب، بل تكسر الحدود بين الأزمنة، فتجعل الماضي يتسرّب إلى الحاضر دفعة واحدة، كما لو أن الزمن انطوى على نفسه. بروست يكتب وكأنه يبرهن أدبياً على مقولة برغسون: أن الزمن الحقيقي لا يسير، بل يتراكم.

هذا التراكم هو ما يجعل السرد الحديث كثيفاً، بطيئاً أحياناً، متردداً في التقدم، لأن كل خطوة إلى الأمام تستدعي العودة إلى الوراء. وليام فوكنر عبّر عن هذا الإدراك بعبارته الشهيرة: «الماضي لم يمت، بل لم يمضِ أصلاً». في رواياته، خصوصاً «الصخب والعنف»، يتكسر الزمن إلى أصوات ووجهات نظر، تتداخل فيها الطفولة والجنون والذاكرة الجماعية، بحيث يصبح القارئ أمام زمن لا يُفهم إلا عبر التشتت. إن تعدد الأصوات ليس هنا تقنية سردية محضة، بل هو اعتراف بأن الحقيقة نفسها متشظية، وأن الزمن الذي يحملها لا يمكن أن يُروى من زاوية واحدة.

الزمن المكسور هو في أحد أبعاده نتيجة مباشرة لانكسار الذات الحديثة. فالذات التي لم تعد متماسكة، والتي تعيش القلق والاغتراب، لا يمكنها أن تحكي نفسها في سرد مستقيم. جان بول سارتر رأى أن الإنسان «محكوم عليه بالحرية»، وهذه الحرية الثقيلة تجعل الزمن عبئاً ومسؤولية. الرواية الوجودية من سارتر إلى كامو، لم تعد معنية بسرد الحكاية بقدر ما صارت منشغلة بتجربة الزمن بوصفه فراغاً أو عبثاً أو انتظاراً. في «الغريب»، يبدو الزمن مسطحاً، بلا ذرى درامية تقليدية، وكأن الأحداث تنزلق من يد المعنى. الزمن هنا لا يتقدم نحو غاية، بل يتكرر في رتابة قاتلة، تعكس عبثية الوجود.

غير أن الكسر الزمني لا يتخذ دائماً شكل الرتابة، بل قد يظهر في صورة قفزات مفاجئة، واسترجاعات حادة، وانقطاعات مربكة. فرجينيا وولف في «إلى المنارة» و«السيدة دالاواي»، جعلت من تيار الوعي وسيلة لتفجير الزمن من الداخل. لحظة واحدة في الحاضر قد تمتد عشرات الصفحات، لأنها محمّلة بذكريات وتأملات وانفعالات. تقول وولف في إحدى يومياتها إن «الحياة ليست سلسلة من المصابيح المتناظرة، بل هالة مضيئة شبه شفافة». هذه الهالة هي الزمن الروائي الحديث، حيث اللحظة ليست نقطة، بل فضاء.

هذا الفضاء الزمني يعيد طرح سؤال الذاكرة بوصفها القوة الخفية التي تعيد ترتيب الزمن. بول ريكور، في كتابه «الزمن والسرد»، يرى أن السرد هو الوسيط الذي يُصالح بين الزمن الكوني والزمن الإنساني. غير أن الرواية الحديثة لا تسعى دائماً إلى هذه المصالحة، بل تكشف عن استحالتها. الذاكرة ليست أرشيفاً منظماً، بل طاقة انتقائية، تعيد تشكيل الماضي وفق حاجات الحاضر. لذلك يصبح الزمن في الرواية الحديثة زمناً مُعاد كتابته باستمرار، زمناً يتلوّن بالوعي والانفعال.

في سياقنا هذا، يمكن فهم لجوء الرواية الحديثة إلى التشظي بوصفه موقفاً معرفياً. فكما شكّ نيتشه في التاريخ الخطي الذي يرى في التقدم مساراً حتمياً، كذلك تشك الرواية الحديثة في الزمن الخطي الذي يعد القارئ بنهاية واضحة. نيتشه يقول: «ليس هناك وقائع، بل تأويلات». وبالمثل، ليس هناك زمن واحد، بل أزمنة تُروى من داخل التجربة. الرواية التي تكسر التسلسل الزمني إنما تعترف بأن الحياة نفسها لا تُعاش بهذا التسلسل، وأن الوعي الإنساني يقفز باستمرار بين ما كان وما هو كائن وما يمكن أن يكون.

إن الزمن المكسور هو أيضاً زمن الصدمة. الحروب العالمية والمجازر والانقلابات الكبرى، جعلت التجربة الإنسانية عاجزة عن استيعاب ما حدث في سرد متماسك. والتر بنيامين في أطروحاته عن فلسفة التاريخ، يرى أن التاريخ الحقيقي يظهر في لحظات التوقف والانقطاع، لا في السرد المتصل. هذه الفكرة تجد صداها في الرواية الحديثة التي تجعل من الانكسار الزمني علامة على جرح لم يلتئم. الرواية لا تداوي الجرح، بل تُظهره وتجعله بنية سردية.

وهنا، لا تعود الرواية الحديثة معنية بالإجابة عن سؤال «ماذا حدث؟» بقدر ما تنشغل بسؤال «كيف يُعاش ما حدث؟». الزمن المكسور هو الزمن الذي يتيح لهذا السؤال أن يظهر. إنه زمن الذات المترددة والذاكرة الخائنة، والوعي الذي لا يثق في نفسه. يقول ميلان كونديرا إن «الرواية هي تأمل في الوجود يُرى من خلال شخصيات متخيلة». وهذا التأمل لا يمكن أن يتم إلا عبر زمن يتلوّى ويتشظى، لأن الوجود نفسه لم يعد يقيناً بسيطاً.

هكذا، يتضح أن كسر التسلسل الزمني في الرواية الحديثة ليس نزوة شكلية، بل هو تعبير عن تحوّل عميق في رؤية الإنسان لنفسه وللعالم. الزمن لم يعد طريقاً بل سؤالاً، ولم يعد خلفية للأحداث، بل جوهر التجربة السردية. وفي هذا الكسر، تحاول الرواية أن تكون وفية للحياة كما تُعاش: غير مكتملة، غير مرتبة، ومفتوحة على احتمالات لا تنتهي.

يتعمّق الكسر الزمني في الرواية الحديثة كلما اقتربنا من اللغة، لأن اللغة نفسها ليست بريئة من الزمن، ولا محايدة إزاءه. الكلمة تحمل أثر ما قيل وما لم يُقل، وتأتي محمّلة بتاريخ استعمالها وبظلال سياقاتها السابقة. لذلك لا يمكن للرواية التي تشكّ في الزمن الخطي أن تطمئن إلى لغة شفافة، مستقيمة، تقول ما تريد قوله دون فائض أو التواء. اللغة في السرد الحديث، تصبح حقل توتر وفضاء تردّد، وزمناً آخر يضاف إلى زمن الحكاية. إننا لا نقرأ فقط ما حدث، بل نقرأ كيف يتعثّر القول وهو يحاول الإمساك بما حدث.

هنا بالذات تتجلى المفارقة العميقة: الرواية تكسر الزمن لأنها لا تثق في قدرتها على تمثيله. هذا الشك هو ما يجعل الجملة تطول، وتتعقّد، وتلتفّ حول نفسها، كما لو أنها تحاول تأجيل النهاية، أو مقاومة التقدم القسري نحو الخاتمة. توماس مان كان يرى أن «السرد هو إبطاء الزمن»، لكن الرواية الحديثة لا تكتفي بالإبطاء، بل تُربك الاتجاه نفسه. فالزمن لا يُبطّأ فحسب، بل يُعاد توزيعه داخل اللغة، في إيقاع الجمل وفي الفواصل وفي البياضات وفي الصمت الذي يتسرّب بين الكلمات.

إن تيار الوعي الذي غالباً ما يُختزل في كونه تقنية، هو في العمق موقف من الزمن. حين تُكتب الرواية من داخل تدفّق الأفكار والمشاعر، دون ترتيب منطقي صارم، فإنها تعترف بأن الوعي لا يعيش الزمن كما تعيشه الساعة. الوعي يقفز، يتذكّر، ينسى، يعود، يتوه، يختصر سنوات في لحظة، ويمدّ لحظة واحدة على صفحات. جيمس جويس، في «عوليس»، لم يكن معنياً بسرد يوم عادي في حياة ليوبولد بلوم، بقدر ما كان معنياً بكشف الامتلاء الزمني ليوم واحد. يوم واحد، لكنه مشبع بتاريخ كامل من الثقافة والأسطورة والذاكرة الشخصية. الزمن هنا يتكثف بدل أن يمتد، ويغدو اليوم الواحد كوناً قائماً بذاته.

هذا التكثيف الزمني يجعل القارئ شريكاً في التجربة، لا متلقياً سلبياً لها. فالقارئ يُجبر على إعادة تركيب الزمن بنفسه وعلى ملء الفراغات وعلى الربط بين شظايا السرد. ولعل هذا ما قصده أمبرتو إيكو حين تحدّث عن «القارئ النموذجي» الذي لا يكتفي بفهم النص بل يتعاون معه. الزمن المكسور لا يُمنح جاهزاً، بل يُبنى أثناء القراءة. وهنا تتحوّل الرواية من حكاية تُروى إلى تجربة تُعاش.

غير أن هذا الانخراط لا يخلو من قلق. الزمن المتشظي يضع القارئ أمام هشاشة المعنى وأمام احتمال الضياع. وهذا الضياع ليس عرضاً جانبياً، بل هو جزء من الرهان الجمالي والمعرفي للرواية الحديثة. إن الرواية التي تسير في خط مستقيم تطمئن القارئ إلى أن العالم مفهوم، وأن النهاية ستعيد ترتيب كل شيء. أما الرواية التي تكسر الزمن، فإنها تترك القارئ في منطقة رمادية، حيث لا شيء يُحسم نهائياً. يقول موريس بلانشو إن «الأدب هو ما يقودنا إلى نقطة يتعذر فيها القول». الزمن المكسور هو أحد تجليات هذه النقطة.

في هذا الأفق، يغدو الصمت عنصراً زمنياً بامتياز. ما لا يُقال، ما يُلمَّح إليه، ما يُؤجَّل، كل ذلك يخلق زمناً خفياً موازياً للزمن الظاهر. صمويل بيكيت، في رواياته ومسرحياته، جعل من الانتظار شكلاً وجودياً للزمن. الزمن لا يتحرك، لكنه لا يتوقف أيضاً. إنه زمن معلّق، ثقيل، يضغط على الشخصيات دون أن يمنحها خلاصاً. «لا شيء يحدث، مرتين»، كما يقول في «في انتظار غودو». هذا اللاحدوث هو شكل من أشكال الكسر الزمني، حيث تغيب الحبكة التقليدية، ويبقى الزمن عارياً، مكشوفاً في عبثه.

ومن جهة أخرى، لا يمكن فصل الزمن المكسور عن تعدد وجهات النظر. حين تُروى الحكاية من زوايا مختلفة، فإن الزمن نفسه يتعدد. ما هو ماضٍ لشخصية قد يكون حاضراً لأخرى، وما هو حدث حاسم في وعي شخصية قد يمرّ عابراً في وعي أخرى. هذا التعدد ينسف فكرة الزمن الواحد المشترك، ويجعل الرواية أقرب إلى فسيفساء. دوستويفسكي، رغم انتمائه إلى القرن التاسع عشر، مهّد لهذا الوعي التعددي. باختين رأى في رواياته نموذجاً لـ«تعدد الأصوات»، حيث لا صوت يهيمن نهائياً. الزمن في سياقنا هذا  ليس خلفية محايدة، بل مجال صراع بين وعيّات مختلفة.

اللغة هنا تلعب دور الحكم غير المحايد. فهي لا تنقل الزمن بل تعيد إنتاجه. الاسترجاع والاستباق والحذف والتكرار، ليست مجرد أدوات تقنية، بل هي أشكال لغوية للتعامل مع الذاكرة والنسيان. حين يكرر السرد حدثاً بعينه، فهو لا يكرره لأنه نسي أنه قاله، بل لأنه لم يُحسم بعد في الوعي. التكرار هو علامة جرح كما يقول فرويد، وهو أيضاً علامة زمن لم يُهضم. الرواية الحديثة تستثمر هذا البعد النفسي فتجعل من الزمن مجالاً للتحليل، لا مجرد إطار.

إن الزمن المكسور هو زمن المعنى المؤجَّل. لا شيء يُقال دفعة واحدة، ولا شيء يُفهم كاملاً من القراءة الأولى. المعنى يتكشف تدريجياً وقد لا يكتمل أبداً. هذا ما يجعل الرواية الحديثة مفتوحة قابلة لإعادة القراءة، لأن كل قراءة تعيد ترتيب الزمن من جديد. رولان بارت كان يرى أن النص الحقيقي هو النص القابل لإعادة الكتابة من قبل القارئ. والزمن المكسور هو ما يسمح بهذه الإعادة.

في السياق العربي، ورغم اختلاف الشروط التاريخية والثقافية، لم تكن الرواية الحديثة بمعزل عن هذا التحول. حين كسرت الرواية العربية المعاصرة التسلسل الزمني، لم تفعل ذلك تقليداً أعمى، بل استجابة لتحولات عميقة في الوعي بالتاريخ والذاكرة. الاستعمار والهزائم والانقطاعات السياسية، كلها جعلت الزمن العربي زمناً متصدعاً. لذلك نجد في كثير من الروايات العربية حضوراً كثيفاً للاسترجاع والذاكرة الجماعية والحنين الممزوج بالمرارة. الزمن هنا ليس ماضياً يُستعاد، بل ماضٍ يثقل الحاضر ويشوّشه.

إن الرواية التي تكسر الزمن لا تدّعي امتلاك الحقيقة، بل تعترف بنسبيتها. إنها رواية السؤال لا الجواب، والتجربة لا الخلاصة. وهذا ما يمنحها طابعها الفلسفي حتى حين لا تستشهد بالفلاسفة صراحة. فالفلسفة هنا ليست موضوعاً، بل طريقة في النظر. كما قال ميرلوبونتي: «الفلسفة ليست مجموعة أطروحات، بل أسلوب في الوجود». وكذلك الرواية الحديثة، أسلوب في الوجود داخل اللغة والزمن.

وهنا تتقدّم الخاتمة بوصفها انفتاحا أخيرا على السؤال، لا انغلاقا على جواب. الزمن المكسور في الرواية الحديثة ليس مرحلة عابرة ولا موضة سردية، بل هو تعبير عن وعي إنساني يعيش في عالم لم يعد متماسكا. عالم فقد مركزه وتشظّت سردياته الكبرى، وصار الفرد فيه مطالبا بأن يصنع معناه بنفسه، في زمن لا يثق فيه. الرواية وهي تحاول أن تكون وفية لهذا العالم، وجدت نفسها مضطرة إلى التخلي عن الزمن المستقيم، لأنها تعلم أن الاستقامة هنا ستكون كذبا جميلا.
إن كسر التسلسل الزمني هو في جوهره فعل صدق. صدق مع التجربة الإنسانية كما تُعاش، لا كما يُراد لها أن تُروى. الحياة لا تأتي مرتبة، ولا تُقدّم نفسها في فصول واضحة. إنها خليط من الذكريات والتوقعات والخيبات، واللحظات العابرة التي تترك أثرا أكبر من الأحداث الكبرى. الرواية الحديثة حين تكسر الزمن، لا تفعل سوى أن تصغي إلى هذا الخليط، وتحاول أن تمنحه شكلالغويا يليق بتعقيده.

ولعل القيمة الأعمق لهذا الكسر تكمن في أنه يحرر الرواية من وهم السيطرة. فالسرد الخطي يوحي بأن الكاتب يعرف كل شيء، ويسيطر على كل شيء، من البداية إلى النهاية. أما السرد المتشظي، فيعترف بجهله وبحدوده، وبأن المعنى ليس ملكاً لأحد. في هذا الاعتراف تكمن أخلاقية الرواية الحديثة. إنها لا تفرض معنى بل تفتحه. لا تقول للقارئ كيف يفهم الزمن، بل تدعوه إلى أن يختبره.

يصبح الزمن المكسور ليس علامة ضعف في السرد، بل علامة نضج. نضج يعترف بأن الحياة أعقد من أن تُروى في خط مستقيم، وأن الحقيقة أغنى من أن تُختزل في تسلسل سببي بسيط. الرواية الحديثة في كسرها للزمن لا تهدم المعنى، بل تحرره من سجن الخطية، وتعيده إلى مجاله الطبيعي: مجال السؤال والتجربة والبحث الدائم عن صيغة مؤقتة للقول.

إن الرواية التي تروي الحياة خارج التسلسل لا تفعل ذلك هرباً من النظام، بل وفاءً للفوضى الخلّاقة التي يسكنها الإنسان. إنها رواية تعرف أن الزمن مثل الإنسان، لا يُفهم إلا وهو ينكسر، وأن في هذا الانكسار بالذات، تتولد أصدق أشكال الحكي، وأكثرها قرباً من جوهر الوجود.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى