أحداثأدبإعلامشخصيات

الكاتبة الأذربيجانية ترانة محمد في مجموعتها القصصية (غصن أكاسيا)

د. أشرف أبو اليزيد (مؤسس سلسلة إبداعات طريق الحرير)

في هذه المجموعة القصصية، تفتح الكاتبة الأذربيجانية ترانة محمد نافذة سردية شفافة تطل منها على الإنسان في هشاشته، وذاكرته، وأسئلته المؤجلة. ليست هذه النصوص حكايات بالمعنى التقليدي، بل هي مقاطع حياة تُلتقط عند لحظات الانكسار الصامت، حيث يتجاور الحب مع الفقد، والحنين مع الخيبة، والذاكرة الشخصية مع الذاكرة الجماعية. ومنذ القصة الأولى، يدرك القارئ أنه أمام كتابة تراهن على الإحساس أكثر من الحدث، وعلى الزمن الداخلي أكثر من التسلسل الخارجي.

تكتب ترانة محمد من موقع أنثوي واعٍ، لا بمعنى الخطاب الجندري المباشر، بل من حيث حساسية الرؤية وقدرتها على النفاذ إلى التفاصيل الصغيرة التي تشكّل جوهر التجربة الإنسانية. المرأة في هذه القصص ليست رمزًا ولا شعارًا، بل كائن حيّ يخطئ ويحبّ ويتردد ويتألم. هي ابنة المكان، وصدى الطفولة، وذاكرة البيوت والشوارع، كما هي ضحية التحولات الاجتماعية والسياسية التي مرّ بها المجتمع الأذربيجاني في العقود الأخيرة. ومن هنا تكتسب النصوص بعدها الأعمق: فهي لا تروي مصائر فردية فحسب، بل تعكس تحولات مجتمع بأكمله عبر مرايا الذات.

يحتل المكان موقعًا محوريًا في هذه المجموعة. باكو، المدينة التي تتردد أصداؤها في أكثر من نص، ليست مجرد خلفية جغرافية، بل فضاء شعوري تتقاطع فيه الروائح والأصوات والذكريات. الشوارع، البيوت، الأشجار، وحتى الفصول، تتحول إلى شخوص سردية تشارك في صناعة المعنى. الأكاسيا، على سبيل المثال، ليست زهرة عابرة، بل علامة على الطفولة، والاستمرارية، والفقد، والعودة المستحيلة. هكذا تشتغل ترانة محمد على شعرنة المكان دون الوقوع في الزخرفة، محافظة على اقتصاد لغوي دقيق، يجعل كل صورة موظفة في خدمة الدلالة.

من الناحية الأسلوبية، تميل الكاتبة إلى لغة هادئة، شفافة، تخلو من الادعاء البلاغي، لكنها مشحونة بطاقة وجدانية عالية. الجمل قصيرة في الغالب، والإيقاع متزن، يترك مساحات للصمت بقدر ما يمنح الكلمات حقها. هذا الصمت ليس فراغًا، بل هو جزء من السرد، يعبّر عمّا تعجز الشخصيات عن قوله، أو عمّا اختارته الكاتبة أن تتركه للقارئ كي يكمّله بخبرته الخاصة. وفي هذا تكمن قوة هذه الكتابة: إنها كتابة تشاركية، لا تفرض معناها، بل تقترحه.

تتكرر في القصص ثيمات الذاكرة، الفقد، الانتظار، والاعتراف المؤجل. الاعتراف هنا لا يأتي بوصفه ذروة درامية، بل كهمس متأخر، أو إدراك داخلي لا يغيّر مجرى الأحداث بقدر ما يغيّر نظرة الشخصية إلى ذاتها. كثير من أبطال هذه القصص يعيشون على هامش حدث كبير: حرب، تهجير، موت، أو حب ضائع. لكن السرد لا ينشغل بالحدث نفسه، بل بتداعياته النفسية، وبالآثار الدقيقة التي يتركها في الروح. إنها سينما داخلية، إن صح التعبير، تعتمد على اللقطة القريبة لا المشهد العام.

وفي الحوار المرافق لهذه المجموعة، الذي أجراه صديقنا المشترك الكاتب القصصي والروائي الأذربيجاني ميخوش عبدالله، تتجلى رؤية ترانة محمد للكتابة بوصفها مسؤولية أخلاقية وجمالية. فهي لا تفصل بين الأدب والحياة، ولا ترى في القصة القصيرة تمرينًا فنيًا معزولًا، بل فعلًا إنسانيًا يهدف إلى الفهم والمساءلة. تؤكد الكاتبة أن الكتابة بالنسبة لها ليست ترفًا، بل محاولة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من الذاكرة، ولمنح الأصوات الصامتة فرصة للظهور. هذا الوعي ينعكس بوضوح في اختياراتها الموضوعية وفي انحيازها الدائم للإنسان البسيط، المهمّش، أو المنسي.

أما الحوار القصصي في هذه المجموعة فيبرز بوصفه أداة مركزية في البناء السردي، لا مجرد عنصر مساعد، إذ تعتمد ترانة محمد على الجملة الحوارية القصيرة المكثفة لتكثيف الدلالة وكشف الشخصيات من الداخل. الحوار عندها لا يشرح ولا يفسّر، بل يلمّح ويترك فجوات مقصودة، تجعل القارئ شريكًا في استكمال المعنى. وغالبًا ما يأتي الحوار مشحونًا بالتوتر الصامت، أو بالحنين، أو بالاعتراف غير المكتمل، بحيث تتحول الكلمات القليلة المتبادلة إلى ما يشبه مواجهة داخلية بين الشخصيات، أو بينها وبين ذاكرتها. هذا الاستخدام الواعي للحوار يمنح النصوص ملمحًا مسرحيًا واضحًا، حيث يمكن تخيّل المشاهد على خشبة المسرح، أو أمام عدسة الكاميرا، دون حاجة إلى تدخل الراوي. كما يضفي على السرد بعدًا سينمائيًا قائمًا على اللقطة القريبة، وتبادل النظرات، والصمت الذي يلي الجملة الأخيرة. وبهذا الأسلوب، تنجح الكاتبة في تحويل القصة القصيرة إلى مشهد حيّ، نابض بالحركة والانفعال، رغم اقتصاد اللغة وبساطة الظاهر.

يمكن القول إن هذه المجموعة تنتمي إلى تقليد القصة القصيرة الحديثة التي تراهن على الكثافة لا الامتداد، وعلى الإيحاء لا الشرح. وهي، في هذا السياق، تشكّل إضافة لافتة للأدب الأذربيجاني المعاصر، وتفتح في الوقت نفسه جسورًا مع القارئ العربي، بفضل اشتراك التجارب الإنسانية، وتشابه الأسئلة المتعلقة بالهوية، والذاكرة، والانتماء، والخسارة.

في المحصلة، نحن أمام كتاب لا يُقرأ على عجل، بل يُصغى إليه. كتاب يدعونا إلى التمهل، إلى استنشاق رائحته كما نستنشـق عطر زهرة مألوفة تعيدنا إلى ذواتنا الأولى. مجموعة قصصية تؤكد أن الأدب، حين يُكتب بصدق، قادر على أن يكون وطنًا مؤقتًا للقارئ، ومرآة يرى فيها نفسه، حتى لو اختلفت اللغة والجغرافيا.

 

مترجم الكتاب ومؤسس سلسلة إبداعات طريق الحرير

د. أشرف أبو اليزيد

                                                                                             مصر

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى