

لَوْلَا أَنَّكِ هُنَا،
لَوْلَا أَنَّنِي تَرَجَّلْتُ عَنْ هَذَا السُّوْرِ المُتَلَوِّيَ كأُفْعُوانٍ حَجَريٍّ
وردَدْتُ السّيْفَ إلى صاحِبِ السّيفِ،
هَلْ كَانَ يُمْكِنُ لِي أَنْ أَقِفَ فِي نَهَارٍ
لِيُنَادَى عَلَيَّ مِنْ أَحَدٍ،
لَوْلَا أَنَّكِ هُنَا،
لَوْلَا أَنَّ صَوْتَكِ رَدَّدَ اسْمِيَ فِي هَذَا الصَّقْعِ مِنَ الأَرْضِ.
***
أَنْتَ يَا مَنْ تَقِفُ لِتَقْرأَ كَلِمَاتِيَ المُرْتَجِفَةِ مِنَ البَرْدِ؛ هَلْ وصَلْتَ إِلى هُنَا، مِثْلِي، عِلَى مَرْكَبٍ مِنْ خَشَبِ الْأَرْزِ المَجْلُوبِ مِنْ جِبَالِ “نُوْمِيدْيَا ، أم عَلَىطَوْفٍ أَلْقَتْ بِهِ سَفِيْنَةٌ قُرْبَ شاطئٍ فِي بَحْرِ الشَّمَالِ؟
لَسْتُ حَامِلَ بَيَارِقَ، ولَكِنَّنِي تَاجِرُ أَقْمِشَةٍ مِنَ الشَّرقْ.
وَلَئِنْ تَرَكْتُ سَيْفِيَ عِنْدَ النَّهْرِ،
فَلِيُبَارِكَ الْبَعْلُ خُطْوتِي إِلَى البَيْتِ،
ولِيَصْفَحَ عَنْ إِثْمَ يَدِيْ.
***
في العَاصِفَةِ، وَقَدْ جُزْنَا بَحْرَ الرُّومِ، صَلَّيْتُ لَكِ يَا عَشِيْرةُ، وأَنْتِ رَبَّةُ هَذِهِ الأَمْوَاجِ،
لَكِ صَلَّيْتُ،
ولِلْبَعْلِ أَعْطَيْتُ أُمْنِيَتِي.
ولمَّا رَأَيْتُ اليَابِسَةَ، رَأَيْتُكِ تَغْسِلِيْنَ قَدَمَكِ قُرْبَ النَّهْرِ،
رَأَيْتُ الضَّوْءَ يَتَقَطَّرُ،
مِنْ كَاحِلِكْ،
وَرَجَوْت إِيلَ فِي عَلْيَائِهِ، أَنْ يُبَارِكَ عَيْنِي الَّتي رَأَتْ.
***
***
سيذهبُ الجميعُ إلى الصيد، وَأَبْقَى فِي جِوارِ نِسْوَةٍ نَزَعْنَ عَنْ أَبْدَانِ الأَطْفَالِ أَكْيَاسَ الْخَيْشِ، وشَطَفْنَ بِالرَّمَادِ والْكِتّانِ مُؤَخِّراتِهِمُ المُوْحَّلِةِ،
إذْ ذَاكَ، سَوْفَ يَصِلُ نَخَّاسٌ صِقِلِّيٌّ وفِي صُحْبَتِهِ فِتْيَةٌ مُرْدٌ جُلِبُوا مِنْ “دِيْلُوس،
في أعناقهم قلائد مطعمة بحجارة زرقاء تقي من العين، وبرفقتهم فتاة اتزرتْ بجلدِ الوحش.
كَيْفَ اصْطَدْتِ قَلْبيَ
لمُجَرَّد أَنّ عَيْنكِ الحَوراءَ رَمَتْ بُؤبؤَها في عَيْنِي..
***
لَوْلَا أَنَّكِ هُنَا،
لَوْلَا أَنَّكِ الزَّهْرةُ الَّتي تَفَتَّحَتْ فِي غَسَقٍ،
والْعِطْرُ الَّذِي سَرى فِي عَمَاءِ النَّهَارِ،
لَوْلَا أَنَّكِ السَّمَاءُ، والزَّوْرَقُ، والشَّاطِيءُ،
والْآن: عَتَبَةُ البَيْتِ،
والمِصْبَاحُ يُضَاءُ لي فِي اللَّيْلِ.
لَوْلَا أَنَّكِ هُنَا،
لَوْلَا أَنَّكِ الزَّهْرَةُ الَّتِي تَفَتَّحَتْ فِي غَسَقٍ
والْعِطْرُ الَّذِي سَرى فِي الْغَبَشْ.
***
كَيْفَ كُنْتُ؟
كَيْفَ كَانَ شَكْلُ العَالَمِ
قَبْلَ أَنْ تَطَأَ قَدَمُكِ الْأَرْضَ،
وتَرَاكِ عَيْنِي؟
قَبْلَ أَنْ تَأْسُرَنِي تِلْكَ القَدَمُ الأَسِيْرَةُ؟
إشارة
من هو هذا المغامر الذي جاء من الشرق ليحرر امرأة في الغرب، ويسميها ريجينا، مستفزاً، ومتحدياً سطوة النظام العبودي لروما؟ من هوبيرات التدمري ومن هي ريجينا السلتية، وقد قلَّبَ فلاح الأرض في بقايا حصن روماني في قلب الجزيرة البريطانية، وأخرج لنا الإسمين؟كيف قيض لفتى لوحته شمس تدمر، أن يحيط بذراعه السمراء خصر فتاة سلتية ذات جديلة حمراء، ويهيم بها على التلال المشبَّعة بالخضرةفي جوار سور هادريان، نزولاً إلى نهر تاين، حيث يجذف بالمراكب الصغيرة رجال سمر من نينوى عائدين بالأحمال من السفن، وهم برددونبأصوات شجية ترانيم أشبه بصلوات غريبة. غريب أمر هؤلاء الرجال بعضلاتهم القوية وسحنات وجوههم السمراء وقد هجروا مراكبهم عندالمياه الدافئة على شواطىء الفرات والتحقوا بأساطيل سيبتيموس سيفيروس وصولاً إلى هذا الماء البارد في الشمال، ليكونوا عمالاً ومراكبيةفي ظلال سور روماني يتلوى كأفعوان حجري.
من هي ريجينا، ومن هو بيرات؟ الآثاريون عثروا على اللوح الجنائزي للمرأة السلتية في حصن آرابيا الروماني، وقد قضت نحبها فتية فيالثلاثين، وعلى بعد أميال قليلة منه عثروا على قبر بيرات.
كل ما نعرفه عن بيرات هو كل ما نعرفه عن ريجينا؛ وقد جاء في سطر واحد نقشه العاشق المفجوع بلغته الآرامية على اللوح الجنائزي ذيالطابع التدمري لقبر المرأة المحبوبة، لنعرف أنه حررها من العبودية، وسماها ريجينا (ملكة) وغدت زوجته وحبيبته، ومن ثم فقيدته. لم ينس،بطل هذه القصيدة، أن يضيف إلى ذلك النقش هويته السورية.
سطر يتيم أشعل مخيلتي، وله أدين، وتدين هذه القصيدة.
ن ج
***
(مقاطع من “الافعوان الحجري“) قرئت بالعربية والإيطالية مسبوقة بإشارة وردت في مفتتح الكتاب، القراءة بالإيطالية ل إيمانويليغريفوني، وكاصد محمد…في إحدى أمسيات معرض الكتاب في ميلانو.