أدبرحلات

أدب الرحلات | ذكرى من المغرب

بقلم د.والي أوكيديران

أدب الرحلات | ذكرى من المغرب

بقلم د.والي أوكيديران

كانت الرباط حبًّا من النظرة الأولى.

بساحلها الآسر تحت السماء الزرقاء، وبالقوارب الكبيرة الفضية التي تزيّن المحيط الأطلسي كعقد جميل، كانت أصوات أمواج البحر المتداخلة تصل إليّ في إيقاعات هادئة متقطعة، وأنا أقف على شرفة الطابق الخامس من فندقي «غولدن توليب فرح» بشارع سيدي مخلوف 10 في الرباط، في ذلك الصباح الباكر.

كانت المدينة أبرد مما تخيلت، غير أن نسيم الصباح البارد الذي لامس وجهي لم يكن كافيًا ليبدد حماسة زيارتي الأولى إلى المغرب.

وبينما كنت أرتشف جمال المشهدين البحري والبري الممتدين أمامي، أُبلغت بأن الرباط ليست أجمل مدينة في شمال أفريقيا، وتحديدًا في المغرب. قال لي صديقي محمد من الأردن ونحن نتجول بعد الإفطار في المدينة العتيقة: «إذا كنت مفتونًا بالرباط إلى هذا الحد، فماذا ستفعل حين ترى الدار البيضاء أو طنجة، ناهيك عن مراكش؟».

كان التجوال في الأزقة الضيقة للمدينة القديمة بالرباط (دار المريني) تجربة استثنائية بحق. ورغم أنها ليست منظمة أو غربية الطابع مثل الرباط الحديثة، فإن المتعة كانت أكبر في المدينة العتيقة. ففي يوم زيارتنا، كانت الشوارع الضيقة تعج بالناس، وتنتشر فيها المتاجر التي تبيع شتى أنواع السلع من أسماك وفواكه وخضروات.

كما كانت الأزقة المتعرجة تزخر بالتاريخ، وتضم العديد من الأسواق التي تعرض الحلي والمصنوعات الجلدية والحرف اليدوية والملابس والأقمشة التقليدية. وبين أحاديث التجار والسياح والسكان المحليين، كانت تتسلل أنغام الموسيقى المغربية العذبة، بينما يفوح في الجو عبير التوابل والعطور والبخور المحترق من المتاجر العميقة في المدينة القديمة.

وعندما انعطفنا في أحد الشوارع المتلوية، وجدنا أنفسنا في ساحة واسعة مفتوحة، حيث تمركز عدد من رجال الشرطة المسلحين على ظهور الخيل. وقد أُبلغت أن سبب هذا الوجود الأمني المكثف يعود إلى الهجوم الوحشي الذي تعرض له بعض السياح في مراكش على يد لصوص مسلحين.

ويُذكر أنه في ديسمبر 2018 قُتلت سائحتان أوروبيتان في منطقة نائية بمراكش جنوب المغرب. وقد هز هذا الحادث النادر السلطات المغربية في بلد يُعد وجهة سياحية شهيرة، ما دفعها إلى تشديد الإجراءات الأمنية. ويُعد قطاع السياحة عنصرًا أساسيًا في الاقتصاد المغربي.

وقد شهدت السياحة نموًا متسارعًا على مدى سنوات طويلة، من 2,602,000 سائح عام 1995 إلى 9,299,000 عام 2010، لتصبح المغرب في المرتبة 24 عالميًا والثانية عربيًا. وكان واضحًا أن رجال الأمن الذين رأيناهم في المدينة القديمة يأخذون عملهم بجدية بالغة، إذ رفضوا طلباتنا بالتقاط صور مع رجال الشرطة الممتطين الخيل.

جئت إلى المغرب بدعوة من اتحاد كتاب أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية لحضور مؤتمره الدولي التاسع المقرر عقده في الرباط وطنجة.

وبعد استقراري على متن رحلة الخطوط الملكية المغربية AT 554 من لاغوس إلى الدار البيضاء، قررت متابعة خريطة الرحلة الجوية المعروضة على شاشة الطائرة.

وأظهرت الخريطة أن الرحلة التي غادرت لاغوس في الساعة 6:25 ستصل إلى الدار البيضاء في الساعة 11:00 من اليوم نفسه، بعد قطع مسافة 3184 كيلومترًا (1979 ميلًا).

ومن خلال متابعة مسار الرحلة، رأيت الطائرة تتجه شمالًا من لاغوس إلى نيامي في جمهورية النيجر، عابرة الامتداد الشاسع للصحراء الكبرى.

وكان معظم مسار الرحلة فوق الصحراء. ومن مقعدي بجوار النافذة، بدت الصحراء تحتي مساحة رمادية مشمسة وغير قابلة للحياة، تتخللها التلال والأخاديد والوديان والهضاب الصخرية. وبعد ساعات قليلة، تحولت الصحراء إلى لوحة من الألوان الجميلة تراوحت بين البنفسجي والأزرق السماوي، تتخللها حواف فضية حيث تندمج المنحدرات الحادة للفوهات المتموجة بعضها في بعض.

وبعد لحظات، دخلنا الأجواء المغربية، ومررنا فوق ورزازات، ثم انحرفت الطائرة عن مراكش وبني ملال، لتبدأ الهبوط نحو الدار البيضاء على حافة البحر الأبيض المتوسط.

عند وصولي إلى مطار محمد الخامس الدولي في الدار البيضاء، استقبلني مسؤول من وزارة الثقافة المغربية، نعينيا نور الدين، الذي حاول، برفقة سائقه الرسمي يوسف، تعريفني ببلدهما العزيز أثناء رحلتنا على الطريق السريع الجميل الممتد لمسافة 86 كيلومترًا بين الدار البيضاء والرباط.

غير أن التواصل مع نعينيا ويوسف لم يكن سهلًا، إذ لم يكونا يتحدثان سوى الفرنسية، ما اضطرني إلى الاستعانة بما تبقى لدي من الفرنسية الأساسية لفهم حديثهما وقراءة اللافتات العامة المكتوبة بالعربية والفرنسية.

بعد رحلة استغرقت قرابة ساعة، قضيتها في تأمل المباني البيضاء ذات الأسطح المسطحة على جانبي الطريق، وصلت إلى الرباط عند الظهر للالتحاق ببقية الوفود القادمة من نحو 15 دولة.

وبعد اجتماع تعارفي قدّمت خلاله فروع الاتحاد تقاريرها، عُقدت مائدة مستديرة في المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية بعنوان: «فلسطين في المشهد العالمي»، حيث قدّم المتحدثون رؤى معمقة حول هذا الموضوع البالغ الأهمية.

وفي ختام النقاش، أعلن أعضاء الاتحاد دعمهم الكامل لنضال الشعب الفلسطيني من أجل نيل حقوقه في الحرية، وسعيه لإقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس.

وخلال الحفل الرسمي للمؤتمر الذي أقيم في القاعة الكبرى للمكتبة الوطنية في اليوم الثالث، ألقى عدد من كبار المسؤولين كلماتهم، من بينهم رئيس الوزراء المغربي الدكتور سعد الدين العثماني، ووزير الثقافة والاتصال الدكتور محمد الأعرج.

وفي البيان الختامي، أكد المشاركون أن الثقافة الإنسانية المشتركة هي الأساس لتحقيق الحقوق السيادية للشعوب، ورفضوا التطرف والجهل والتعصب الديني، داعين إلى إحياء الوعي الوطني والاستمرار في طليعة النضال من أجل العدالة الاجتماعية والسلام العالمي، مع تجديد الدعم الكامل للقضية الفلسطينية.

وقد قُرئ البيان بثلاث لغات: العربية والإنجليزية والفرنسية، وتولى كاتب هذه السطور قراءة النسخة الإنجليزية.

تلا ذلك حفل موسيقي جرى خلاله تكريم عدد من قيادات اتحاد كتاب أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية. وفي الاجتماع العام السنوي الذي اختتم المؤتمر، تم انتخاب أعضاء القيادة الجديدة، وكان الكاتب من بينهم.

وإلى جانب الاجتماعات والندوات وورش العمل، تخللت المؤتمر أنشطة ثقافية واجتماعية وزيارات لمعالم بارزة مثل المكتبة الوطنية، وصومعة حسان، وضريح محمد الخامس، والمعهد الملكي للثقافة الأمازيغية، وقصر الملك محمد الخامس، وغيرها من المواقع ذات الأهمية الثقافية.

وتخللت هذه الفعاليات وجبات غداء وعشاء قُدمت خلالها أشهى المأكولات المغربية.

وأثناء تذوقي لأطباق مثل الكسكس باللحم وسبعة خضروات، وحساء «الحريرة» الشهي مع الليمون والتمر، وافقت سيدة مغربية على قولها إن الأكل هواية وطنية في المغرب.

ومن بين أبرز لحظات الرحلة أمسية من العشاء والموسيقى والرقص في المدينة القديمة، حيث دفعتني الإيقاعات المغربية النابضة إلى استعراض خطوات رقصي في جلبابي الواسع وسط تصفيق الحضور. وربما كانت أبرز محطات الرحلة ركوب القطار السريع «البراق» إلى مدينة طنجة، وهي تجربة تستحق مقالًا مستقلًا.

وكعادتي في السفر، أخطرت السفارة النيجيرية في الرباط مسبقًا، فكان رد السفير بابا غاربا كريمًا للغاية، إذ أوفد ممثلة عنه لحضور المؤتمر، واستضافني على الغداء والعشاء.

وخلال رحلتي إلى السفارة الواقعة في شارع عمر بن الخطاب – أكدال، لاحظت مدينة نظيفة، ذات طرق ممهدة وحدائق جميلة، فيما كان راديو السيارة يبث مباراة مباشرة في كأس الأمم الأفريقية بين المغرب والسنغال من داكار، رغم أن الجو كان باردًا ودرجة الحرارة لا تتجاوز 16 درجة مئوية.

في اليوم الأخير، قررت استكشاف الدار البيضاء بعمق أكبر. وبفضل كرم مسؤولي وزارة الثقافة، نُظم لنا يوم كامل من الجولات السياحية.

وهكذا وصلنا إلى الدار البيضاء، العاصمة الاقتصادية للمغرب، مدينة لا تنتهي، مدينة الشرف والعمل الدؤوب، وملهمة الأدب والأغاني والأفلام، مدينة يصعب توديعها.

وداعًا للمغرب… وإلى لقاء قريب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى