أحداثرحلاتشخصيات

الصرب المصريون في أستراليا

 حتى مصطلح «الصرب المصريون» قد يدفع القارئ الملمّ بحركات الشتات الصربي إلى التوقف وإعادة التفكير في معارفه. أمّا ذكر الصرب المصريين في أستراليا فسيُدهش، ولو للحظة، حتى أكثر المتابعين خبرة بأنماط الهجرة الصربية.

هذه ليست قصة مثيرة أو ادعاءً بوجود جماعة صربية أصلية في مصر — كما ذهبت بعض النظريات الملفقة ذات الطابع شبه العلمي — بل هي حكاية جماعة صغيرة قليلة البحث من المهاجرين، شكّلت حياتهم، بين قسوة الصحراء وعواصف الوجود، رمزًا للمثابرة والصمود.

غادرت هذه السفينة التابعة للبحرية الملكية، والتي تُدعى **«نيبويشا»**، الميناء اليوغوسلافي متجهةً إلى **الإسكندرية** ثم **بورسعيد**. وأعتقد أنها مرّت أيضًا بـ **الإسماعيلية**.

بين الحربين العالميتين، طوّرت مملكة يوغوسلافيا علاقات دبلوماسية ودّية مع مصر، سعيًا لتعزيزها، ولا سيما على الصعيد الاقتصادي. وقد بلغ عدد الجالية اليوغوسلافية في مصر قبل الحرب العالمية الثانية ما بين أربعة وخمسة آلاف شخص. وكان معظمهم من الأقاليم السلوفينية التي كانت لا تزال محتلة، والتي أُلحقت بمملكة إيطاليا بموجب معاهدة السلام بعد الحرب العالمية الأولى. ومع تعرّضهم لسياسات الطمس القومي ثم الاضطهاد الفاشي، قرر كثيرون الهجرة إلى أرض بعيدة ومجهولة بحثًا عن مستقبل أفضل كعمّال. وغالبية المهاجرين كنّ من النساء، عملن خادمات منزليات أو عاملات نظافة أو طاهيات أو ممرضات، بينما لحق بهن عدد أقل من الرجال، معظمهم عمّال وميكانيكيون. وتركزت الجالية في الإسكندرية.

وضمّ الوجود الصربي أيضًا أشخاصًا من مناطق الجبل الأسود ودالماسيا، ومن ما كان يُعرف آنذاك بجنوب صربيا، أي دولة مقدونيا الشمالية اليوم. وقد نجح القادمون من الجبل الأسود ودالماسيا، ولا سيما من خليج كوتور، في الاندماج بالمجتمع الجديد. وكان كثير منهم بحّارة يعملون لدى شركة قناة السويس، واحترامًا لمهاراتهم، اندمجوا سريعًا في الطبقات الاجتماعية العليا واستقروا أساسًا في منطقة القناة (بورسعيد والإسماعيلية). كما تولّت مجموعة أصغر من داخل الجبل الأسود مهام الحراسة في بنوك القاهرة وفنادقها الفاخرة.

أما القمع العثماني للمسيحيين وعدم مساواتهم بالمسلمين، حتى التحرر في حروب البلقان (1912–1913)، فقد دفع الصرب من المناطق المقدونية المحتلة إلى البحث عن الرزق في مصر، التي كانت بدورها ولاية عثمانية. وتمكّن هؤلاء من تحقيق نجاحات لافتة، فأداروا مقاهي ومحال ألبان ومخابز في القاهرة.

وكانت زيارة الغواصتين الملكيتين اليوغوسلافيتين «نيبويشا» و**«هرابري»** إلى الإسكندرية في يوليو 1930، برفقة سفينة الدعم «هفار»، تمهيدًا لسلسلة أحداث لاحقة. وفي نهاية عام 1936، افتُتح «البيت اليوغوسلافي» في الإسكندرية، ليكون الجمعية الوحيدة التي جمعت شتات الجالية اليوغوسلافية المتنوعة في مصر. وانتهت مرحلة الهجرة السلمية عام 1937 حين حظرت الحكومة استقبال مزيد من المهاجرين الأجانب.

وجاءت المرحلة التالية في ظل ظروف الحرب. ففي 6 أبريل 1941، تعرّضت مملكة يوغوسلافيا لهجوم دول المحور، ما أدى إلى انهيار الجيش الملكي على جميع الجبهات. ومع ذلك، لم تثنِ حتمية الهزيمة بعض الضباط وضباط الصف والجنود عن ولائهم للملك والوطن. وقد حال الانهيار الداخلي وتقدم العدو دون انسحاب القوات البرية، فلم يبقَ سوى سلاحَي الجو والبحر فرصة للنجاة.

وكان فرار عشر طواقم طائرات مائية من بوكا إلى كورفو ثم كريت إنجازًا ذاتيًا جسّد إرادتهم في مواصلة المقاومة. وتلقّت القوات الجوية في كريت تعزيزات، بينما أبحرت الغواصة «نيبويشا» مجددًا إلى الإسكندرية، يرافقها زورقا طوربيد سريعا الحركة هما «كايماكشالان» و«دورميتور». وفي مصر وفلسطين، سعت الحكومة اليوغوسلافية في المنفى إلى تشكيل وحدات حرة لاستخدامها في إنزالات الحلفاء داخل يوغوسلافيا.

شارك **جورجه ميتروفيتش**، وهو ضابط في **البحرية الملكية اليوغوسلافية**، في **حرب أبريل عام 1941**. وقد رفض الاستسلام للألمان والإيطاليين أثناء غزو بلادنا.
تولى قيادة الغواصة **«نيبويشا»** وأبحر بها عبر اليونان إلى مصر. وبعد عشرة أيام من القتال والملاحة، تمكن من دخول **ميناء الإسكندرية** بنجاح في **27 أبريل 1941**، ووضع نفسه وقواته تحت تصرف **قوات الحلفاء**.

غير أن نقص المتطوعين كان كبيرًا. وقد أسهم الأسرى السلوفينيون، وهم جنود سابقون في الجيش الإيطالي المهزوم في الصحراء والمعتقلون في معسكرات بريطانية، في توفير قوة بشرية إضافية لتشكيل أول وحدة مشاة، أي الكتيبة الأولى من الحرس الملكي، في 31 أغسطس 1941. ولم تعوّض مشاركات المتطوعين من الجاليات اليوغوسلافية في الدول المحايدة (تركيا، إيران، مصر، وأمريكا الجنوبية والشمالية) سوى جزء من هذا النقص.

وفي سبتمبر 1943، وبعد استسلام إيطاليا، فرّ كثير من الصرب من ليكا ودالماسيا، بمن فيهم الشيوخ والأطفال، من بطش الألمان، فعبروا الأدرياتيكي ثم وصلوا إلى مصر. وتحت ضغط الثوار، نُقل نحو عشرين ألفًا منهم على متن سفن بريطانية. وقد تناول كتابي العلمي الأول المنشور «الجيش اليوغوسلافي في الخارج 1941–1948» بالتفصيل تاريخ هذه القوات المرابطة في الشرقين الأوسط والأدنى.

أما الذين ظلّوا أوفياء للملك والوطن حتى عام 1948، فقد أقاموا في معسكرات العريش والشطّ وتمساح وجلبانة، حيث عاش أكثر من خمسمائة رجل وامرأة وطفل ومسن، غالبًا في خيام. ونُقل معظمهم لاحقًا إلى أستراليا، التي كانت — بوصفها مستعمرة عقابية سابقة — تطبق قوانين هجرة أقل صرامة مقارنة بالولايات المتحدة. وخضع اللاجئون اليوغوسلاف لفحوص طبية دقيقة، شملت الأشعة السينية وفحوص الأمراض التناسلية. وقد قيّم مكتب الهجرة الأسترالي الوافدين تقييمًا إيجابيًا، ولا سيما الأطفال، مشيدًا بتنظيمهم ونظافتهم وقدرتهم على التكيف مع المناخات القاسية، ومتوقعًا أن يصبحوا مواطنين ممتازين. ولم يُسمح لكبار السن بالهجرة إلا برفقة أوصياء.

حملت السفينة «نابولي» 41 شخصًا إلى أستراليا في 18–19 سبتمبر 1948، بينما أقلّت السفينة «وستر فيكتوري» أكبر مجموعة، قوامها 360 شخصًا، من السويس في 22 أكتوبر 1948. واستقر معظمهم في سيدني، فيما توزّع آخرون في أنحاء القارة. وهكذا بنى غواصون شجعان وطيارون وأفراد الحرس الملكي حياتهم الجديدة بعيدًا عن الوطن، مع أمل دائم بالعودة يومًا ما.

المصدر:
«الصرب المصريون في أستراليا»، نيكولا ستانكوفيتش / التاريخ الصربي، كومباس إنفو
https://kompasinfo.rs/egipatski-srbi-u-australiji/?script=lat

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى