
ها هي الكاتبة والقاصة نهال أحمد الجندي تمد الساحة الإبداعية والقصصية بجملة قصص مراكمة بذلك تجربتها الثرية كمواضيع مطروحة وكلغة سلسة معبرة ورسوم تساهم في إثراء المتن القصصي ومن ضمن القصص الأخيرة ” خمس قبلات من ماما “وأمنت الرسومات المعبرة والموجهة الفنانة التشكيلية حبيبة محمود لتطرح العلاقة الأسرية والتي نحتاجها اليوم أكثر من أي وقت والبارحة فالبارحة والأمس البعيد كانت الأم مرابطة بالبيت لا تعمل خارجه لها كل الوقت لتربية الأبناء ورعايتهم وتقديم كل النصح والتوجيه .
أما اليوم فالمرأة العاملة وأمام مشاغل الحياة اليومية تتواجد لساعات قليلة بالبيت لاتكفي حتى لإستكمال الشؤون المنزلية المعتادة والمعروفة كالكنس والغسيل ….. فما بالك بالإشراف على فروضهم المدرسية والتعليمية وتدريس الأطفال والبقاء معهم للحديث حول شؤونهم الخاصة.
وبالمقابل حتى الطفل يعود من المدرسة والمعهد إلى حاسوبه أو هاتف الذكي ويأتي هذا النص كرد على هذا الواقع القاتل واقع يساهم في فتور العلاقات الأسرية لتعيد الكاتبة إلى الاعتبار أهم علاقة أولية تحصل بالبيت علاقة الأم بابنها ومعهما القبلات هذه التي تعمق العلاقة والحب المشترك وتمس الوجدان والأحاسيس وتزيد من القرب النفسي ولم يكن العدد5 مجانيا بل ليعبر عن الكثرة المستحبة وقد قدمته الحضارات القديمة وكل الثقافات تقريبا على أنه رمز الحياة والحركة ويعد رمزا للكمال الإنساني خاصة النجمة الخماسية وكانت هنا القبلات على شاكلة نجمات خماسية ذات الطابع الأسطوري والديني ولإضفاء الطابع الغرائبي والعجائبي على القصة وذلك لشد الطفل القارئ أعطت الكاتبة الحركة والضجيج للقبلات والتي عكست العلاقة بينها وبين الطفل الذي تعود عليهن عبر صورتين أولهما كما يقول النص” فما ما تطبع على خديه خمس قبلات بالكمال والتمام” وفي توديعه لينام بغرفته ترسل له في الهواء المزيد من القبلات تتبعها أحلى الكلمات فتطير حوله كالفراشات و ذات يوم طارت وغادرت خده باتجاه أمه لكنها ملكه لذلك حرص بكل الطرق والوسائل كالركض والإقناع والتحدث عله يسترجع هذه القبلات لتذكر الكاتبة بعالم الطفولة الممتلئ بالأمان والطمأنينة والأحلام الوردية والسعيدة التي تحضر فيها الألوان والحلوى والفشار بالمقابل أحلام الكبار والتي هي تواصلا لحياة الأم في النهار ويحضر التنظيف والغسيل وطهي الخضار لتوافق الأم على ما قاله الطفل الجميل ” ضحكت ماما ضحكة عالية وقالت كلامه تمام التمام ” فقد حلمت بالأمس أني في المطبخ أصنع سلطة فواكه من البطيخ والشمام “ وفي كل هذا كانت الأم تراقب هذه الأحداث وهي سعيدة بنباهة ابنها الجميل .
ومن هنا عرجت الكاتبة على نقطة هامة في تربية الأطفال وتساهم في بناء شخصيته المستقلة والتي تبدأ بالغرفة المستقلة واستعداد الأم للقدوم في أي لحظة عندما يستفيق الطفل من كابوس مرعب أو الحمى وغيرها ليجد الأم بين يديه في لمح البصر كما قال النص ” هل تظنون أن بين غرفتي وغرفة ماما بحارا أو جبالا نداء واحد لماما وستحضر في الحال” ومما يتواتر في هذه القصص أحاديث قبل النوم والتي تحكى على لسان الأمهات والجدات بهدف الترغيب في المطالعة مستقبلا وعبر فتح آفاق في مخيلتهم وتمكينهم من صور لأمكنة وأزمنة عديدة من شأنها أن تراكم للطفل المستمع زادا لغويا وخيالا خصبا وأصبح للأم بعد هذه المسيرة جمهورا مستمعا بعد أن كان ابنها فقط انضافت للمجلس كوكبة النجمات مطالبين الأم بحكاية وحدوتة كما قال النص ” حملها بسام وقال أنا والقبلات نطالب بحدوتة قبل النوم” .
كما ساهمت اللوحات التشكيلية بتقديم العديد من المعلومات مثل طبيعة الألعاب الحركية مثل السيارة والصاروخ والكرة والدببة وأصص النباتات والكتب والنظافة والاستحمام بعيدا عن عالم الانترنات والهواتف الذكية وهي احدي أهم الرسائل التي يشتغل عليها كوكبة من الكتاب.
إن نص نهال أحمد الجندي ” خمس قبلات لماما” يؤسس لعلاقة أسرية ملؤها الحنان والأمان والسعادة والطمأنينة عبر الأحضان الصادقة والقبلات المتكررة والتي تعكس في الأصل العلاقة التي يجب أن تكون بين الآباء والأبناء.



