
يُعدّ كتاب “السينما التونسية: سرد الجسد وهواجس المعنى” للكاتب والناقد الجزائري عبد الكريم قادري إضافة نقدية في الدراسات السينمائية العربية، حيث يقدم قراءة متعمقة لمسار السينما التونسية عبر توثيق تاريخي دقيق وتحليل نقدي لمقوّماتها الفنية والثقافية منذ بداياتها حتى التحولات المعاصرة. يتصف الكتاب بقدرته على الجمع بين قراءة موضوعية للأعمال السينمائية وتحليل دقيق للمعاني الرمزية والاجتماعية، مع إبراز أثر التحولات السياسية والثقافية في صناعة السينما، ما يجعله مرجعًا غنيًا للباحثين والنقاد في الدراسات السينمائية والعلوم الإنسانية. كما يفتح المجال للتأمل في التفاعل بين الحداثة والتقاليد وحرية التعبير والضوابط الاجتماعية، ويؤسس إطارًا نقديًا متينًا يمكن البناء عليه لاستكشاف السينما التونسية في أبعادها الجمالية والسياسية والثقافية.
تمثل هذه الدراسة محاولة لتقديم رؤية نقدية لمسارات التحليل التي يعتمدها المؤلف، مع مساءلة حدودها ومفارقاتها، وتسليط الضوء على مدى فاعلية المقاربة التي تبناها “قادري” في ربط البنية السردية بالجسد والفضاءات الثقافية. كما تسعى إلى بيان الكيفية التي يفتح بها الكتاب أفقًا للحوار النقدي حول العلاقة بين الصورة والسلطة والجمهور، بعيدًا عن الاكتفاء بالوصف التاريخي أو الإحصاء التوثيقي.
من يصنع الصورة؟ ولمن؟
يتتبّع “قادري” عبر تقسيم زمني–موضوعي دقيق، تطوّر السينما التونسية منذ بداياتها مع تسجيلات الإخوة لوميير وامتدادها عبر الإنتاجات الفرنسية والألمانية التي اتخذت من المدن والأسواق والفضاءات الطبيعية التونسية مواقع للتصوير، وصولًا إلى تأسيس استديوهات “أفريكا” والمؤسسات السينمائية المنظَّمة التي هيّأت البيئة التقنية والفنية للإنتاج المحلي. ويقدّم الكتاب في فصل “عتبة الدخول” سردًا متكاملًا لمسار الفن السابع في تونس، موثّقًا أسماء المخرجين والمنتجين والكتّاب وأعمالهم، مع ملخّصات الأفلام التي تكشف عن السياقات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية التي أُنجزت فيها. ويُفضي هذا الانتقال بين التأريخ والتفسير إلى تمكين القارئ من إدراك ارتباط السينما بالتحوّلات السياسية والاجتماعية.
تمثل مرحلة ما بعد الحكم الذاتي كما يعرضها القادري انعطافًا جوهريًا في تاريخ السينما التونسية، حيث يظهر المخرج التونسي كفاعل أساسي يتناول قضايا الهوية والمقاومة والتحولات الاجتماعية والهجرة، ويؤسس لمقاربات فنية متقدمة تعكس وعيًا ثقافيًا وسياسيًا متعمقًا، مؤكدًا على دور الفضاءات المحلية في صياغة السرد السينمائي وتطوير لغة الصورة وإثراء التجربة البصرية بشكل يرسخ السيادة الثقافية والفنية للسينما التونسية.
تنكشف لنا رؤية المؤلف أكثر مما يكتفي بالتاريخ باتخاذه موقف نقدي واضح حين يرفض تقسيم الأعمال إلى “سينما استعمارية” و”سينما وطنية”، ويفضّل تسميتها ب “السينما التونسية”، رغم الاعتراف بوجود مغالطات أو توظيفات أيديولوجية، موقف “قادري” النقدي تجاه الإنتاج السينمائي المُبكر في تونس قائم على التقدير الموضوعي، إذ يتحرر من التصنيفات الثابتة ويقترح تسمية جامعة، حيث يركّز على قراءة شاملة تجمع جميع الأعمال ضمن مسار سينمائي تونسي متواصل. يتيح هذا التسلسل والانتقال بين التاريخ والتفسير متابعة تطوّر السينما في سياق التحوّلات السياسية والاجتماعية.
هذه الرؤية قابلة للتساؤل لما تنطوي عليه من ميلٍ إلى تلطيف حدة تحليل علاقات السلطة المتحكّمة في إنتاج الصورة، وإغفال أسئلة جوهرية بشأن هوية صانعي التمثيل والجمهور المستهدف والدلالات الرمزية للفضاءات والشخصيات.
قادري يقدّم أرضيّة تاريخية متينة، تُتيح تتبع تطور السينما التونسية منذ بداياتها، بينما يبقي الموقف نظريًا مفتوحًا للنقاش، تاركًا للقارئ مهمة استنتاج طبيعة العلاقة بين السينما الأوروبية والفضاء التونسي في تلك المرحلة، مثيرًا تساؤلات حول مركزية السلطة البصرية، توظيف الآخر، وإمكانات التمثيل الثقافي.
تشير الأفلام التي يستعرضها عبد الكريم قادري إلى أنّ تونس، في مراحلها السينمائية الأولى، كانت تُقدَّم فضاءً بصريًا يستثمره الآخر الأوروبي أكثر مما كانت موضوعًا سينمائيًا فاعلًا ينتج خطابه الخاص. فقد انطلقت بدايات التصوير مع بعثات الإخوة لوميير سنة 1896 من نظرة خارجية رأت في الشوارع والأسواق والمعالم مادة للفرجة والاكتشاف البصري، الأمر الذي جعل الصورة السينمائية الأولى عن البلاد أقرب إلى وثيقة استكشافية منها إلى تعبير ثقافي داخلي.
ويتضح هذا التوجّه مع تكاثر الإنتاجات الفرنسية والألمانية خلال العقود الأولى من القرن العشرين، حيث تحوّلت تونس إلى موقع تصوير مفضّل لأفلام درامية واستعراضية ضخمة مثل ياسمينا، والأميرة تام تام، إضافة إلى أعمال مقتبسة من التراث الحكائي الشرقي مثل “ألف ليلة وليلة”، في هذه الأعمال يلعب الفضاء التونسي دورًا مزدوجًا، فمن جهة يوفّر بعدًا بصريًا واقعيًا عبر المدن والأسواق والمناظر الطبيعية التونسيّة، وفي الوقت نفسه يُدرج ضمن تصور استشراقي جاهز، يصوّر الشرق كعالم للغرابة والسحر والمغامرة.
تتجلّى هذه النظرة بصورة خاصة في تمثيل المرأة الشرقية، كما في شخصيات ياسمين وشهرزاد و”الأميرة تام تام” حيث تُقدَّم المرأة غالبًا على أنها كائن أسطوري أو موضوع افتتان وغموض، مرتبطًا بالفضاء الصحراوي والقصور والحريم والحكايات الليلية. هذه الصور لا تنبع من الداخل الاجتماعي التونسي بقدر ما تعكس تصورات أوروبية مسبقة عن الشرق، تُسقِط عليه رغباتها التخيلية وسردياتها الرومانسية أو الفانتازية.
في مرحلة البداية مع الإخوة لوميير وأوائل الإنتاج الأوروبي (1896–1920)، تولّى الأوروبيون صناعة الصورة، سواء الإخوة لومييرأو المخرجون الفرنسيون والألمان مثل أندريه هوغون وروجي ديسور، إضافة إلى المخرج الروسي ألكسندر فلكوف. وشارك التونسيون أحيانًا كممثلين أو مستشارين للسيناريو، مثل الطيب بلخيرية، لكنهم لم يكونوا مسؤولين عن صياغة الخطاب السينمائي.
كانت الأعمال السينمائية موجّهة أساسًا للجمهور الأوروبي، حيث صوّرت تونس على أنّها فضاءٌ غريبٌ وساحر، مشبّعٌ بالصور الاستشراقية السائدة آنذاك. وركّزت هذه الأعمال على عرض المدن والأسواق والتقاليد والمرأة الشرقية كمواد للفرجة والاكتشاف البصري، دون التعبير عن تجربة تونسية داخلية.
في مرحلة الاستوديوهات والمؤسسات المنظمة (1946–1955)، ظل الأوروبيون يهيمنون على الإنتاج السينمائي، مثل جورج ديروكلز واستوديوهات “أفريكا”، مع ظهور محاولات محدودة لصانعين تونسيين، سواء في التمثيل أو في الإخراج الجزئي للأعمال القصيرة والتسجيلية. وكانت الصورة تُنتج للجمهور المحلي والأوروبي معًا، إذ بدأت الاستوديوهات توثّق الحياة المحلية، لكن ضمن إطار إبداعي وتقني غالبًا ما تحدده الخبرة الأوروبية.
أمّا في مرحلة ما بعد الحكم الذاتي والاستقلال، أصبح التونسيون الفاعل الأساسي في صناعة الصورة، حيث أخرج صانعو أفلام مثل عمار الخليفي، حمودة بن حليمة، عبد اللطيف بن عمار، رضا الباهي، وعلي عبد الوهاب أفلامًا روائية ووثائقية تعالج الواقع الاجتماعي والسياسي. وأصبحت الصورة تُصنع للجمهور المحلي أولًا للتعبير عن الهوية الوطنية والنضال والتحولات الاجتماعية، مع الحفاظ على بعدها كرسالة ثقافيّة للعالم الخارجي حول تونس كدولة مستقلة تمتلك فنها الخاص.
من المحظورات إلى آفاق الانفتاح، الجسد بين التحليل والاستكشاف
يربط عبد الكريم الجسد في السينما التونسية الحديثة بمسار إنتاج المعنى الاجتماعي والثقافي، مشيرًا إلى أنّ مطلع التسعينيات كانت لحظة تحوّل جوهري في الحقل السينمائي، إذ خرجت الموضوعات من دائرة الإيحاء الحذر إلى فضاء التصريح البصري المباشر. يحتل الجسد الأنثوي موقع الصراع الرمزي، متجليًا بين منظومات القيم المتوارثة وتطلعات الخطاب الحداثي. وينطلق التحليل من رؤية للجسد الأنثوي تحمل أبعادًا حضارية ودينية، متصلة بآليات الضبط الاجتماعي في مجتمع يتسم بالانغلاق والريبة تجاه الجسد وتفاصيله الدقيقة.
يعتمد المؤلف في فصل “سردية الجسد وحفر المعنى” على فيلم “عصفور السطح ” للمخرج “فريد بوغدير” ويعدّه نقطة ارتكاز تاريخية ونظرية في آن واحد. يقدَّم قادري العمل السينمائي على أنه لحظة انتقال بالسينما التونسية من المحلية إلى الدولي، ويُبرزُ فضاءه المكاني والاجتماعي من خلال وصف حي “الحلفاويين”، الحمام الشعبي، الأزقة، والطقوس اليومية، حيث تُستثمر هذه العناصر دلاليًا لإضفاء بعد تأويلي يرتبط بتشكيل الوعي الجسدي لدى المراهق.
إنّ قراءة “قادري” تنزع نحو تحليل سيميائي ضمني، يربط المكان بالحالة النفسية، والطقس الجماعي بالتكوين الحسي، وكذلك تقترن المراقبة البصرية الأولى لجسد المرأة بتشكل الرغبة واكتشاف الاختلاف الجنسي.
يرى المؤلف أن “بو غدير” يولي أهمية خاصة لاختيار المرحلة العمرية في الفيلم، ويقدّمها كنواة سردية تمكّن المتلقي من الولوج إلى فضاء بمنتهى الحساسية قائم بين عالمي الطفولة والبلوغ. يندمج التوصيف الفيلمي مع تأويل اجتماعي يرى في الحمام فضاءً تُكتشف فيه المعرفة الجسدية الأولى، والتحولات النفسية التي تصوغ علاقة الذكر الناشئ بالأنوثة. لغة المؤلف تميل إلى التوصيف الحّسي المكثف، عبر استدعاء البخار، الماء، الصابون. الأصوات، والضحكات، في محاولة لإبراز الكثافة الإدراكية التي تصاحب تشكل الرغبة. هذا التوصيف الحسّي يطغى على التحليل النظري، فتظل المفاهيم مطروحة ضمنيًا دون أن تُعرض في إطار اصطلاحي جامد أو محدد، تاركًا العلاقة بين الحواس والمعنى مفتوحة للتفسير مما يتيح للقراء مساحة للتأويل والتفاعل مع الأفكار في إطار مرن.
يستحضر “قادري” أفلامًا أخرى لمخرجات ومخرجين تونسيين، مثل رجاء عماري وسلمى بكار ونوري بوزيد، ويُدرج هذه الأعمال ضمن مسار عام قوامه خصوصية الجسد الأنثوي، ودوره بالكشف عن القمع الجنسي والاختلالات النفسية والاجتماعية داخل البنى العائلية.
قدّم المؤلّف فيلم “الدواحة ” من منظور نفسي اجتماعي ربط فيه بين العزلة المكانية والقحط العاطفي، وبين تفجر الرغبة ومسارات العنف، وصولًا إلى النهاية التراجيدية التي تؤطر الجسد داخل دائرة العقاب والدمار. يشتغل التحليل على منطق التوازي بين الشخصيات النسائية الأربع، ويجعل من كل واحدة مرآة لدرجة مختلفة من الحرمان، مع إقرار بقيمة العمل الجمالية.
يستدعي عبد الكريم في كتابه آراء النقاد والصحفيين، مؤطّرًا بذلك الجدل المجتمعي حول حضور الجنس في السينما التونسية. يعتمد المؤلف نص “حميد عقبي” لتحديد قطبي الصراع، اتجاه يرى الجرأة الجسدية ضرورة فنية ذات نزعة تفكيكية، واتجاه مضاد يعدّها إسقاطات تجارية تمس القيم السائدة. ينحاز الكرمي بوضوح إلى الموقف الأوّل، معتبرًا الجسد حاملًا للتناقضات الاجتماعية والنفسية، وضحية لآليات الكبت والإخفاء، مع تأكيد دور السينما في تعرية البنى المستترة داخل المجتمع. تتجلى هنا نزعة معيارية واضحة في الخطاب، حيث يتحول التحليل إلى دفاع صريح دون أن يصاحب ذلك تفكيك موسع للحجج المضادة أو مساءلة شروط تحقق الاتهام التجاري داخل الصناعة السينمائية المحلية.
يعزز عبد الكريم موقفه النقدي بإيراد تصريح “كمال بن ونّاس” حول مفهوم الانفتاح وحدوده السياسية في عهد بن علي، مستثمرًا هذا المعطى لتفسير وفرة المواضيع الجريئة مقابل محدودية انتشار الأفلام جماهيريًا. يندمج البعد السياسي داخل التحليل، ويمنح الجسد بعدًا إضافيًا مرتبطًا بسياسات الرقابة والتوظيف الرمزي للسينما في الخطاب الرسمي.
يقرأ المؤلف السينما التونسية الحديثة من خلال ثنائية “الحداثة والتقليد”، مع اعتبار الجنس عنصراً دلالياً مركزياً في جدل التحرر والسلطة العائلية والاجتماعية. تستند القراءة إلى أفلام محمد بن عطية وليلى بوزيد، التي تجسّد هذا التوتر عبر مسارات سردية تُقارن بين المدينة المحافظة ومدينة الانعتاق والحرّية، والخطوبة التقليدية وعلاقات عاطفية وجسدية خارج مؤسسة الزواج، مع تحميل هذه الاختيارات معاني سياسية وثقافية نقدية للبنى الموروثة. يظهر في هذا السياق ميل “قادري” إلى تفسير الأعمال ضمن أفق إيديولوجي يربط الحرية الفردية بالقطيعة مع الماضي، ويجعل من الجسد في السينما مؤشرًا على مستوى التحول الاجتماعي.
يرى “قادري” أن مرحلة ما بعد ثورة الياسمين تُشكّل إطارًا تاريخيًا جديدًا لفهم السينما التونسية، حيث تتيح الحرية الإنتاجية واتساع دائرة الموضوعات السياسية والاجتماعية تفسيرًا لزيادة وضوح الخطاب الجسدي في الأفلام. ومع ذلك يظل هذا الربط عامًا ويحتاج إلى تدعيم بمعطيات دقيقة عن التمويل، وأنماط التوزيع، وسياسات الدعم الثقافي، ليكتسب بعدًا تحليليًا أعمق.
يقدّم المؤلف رؤية نقدية للجسد في السينما التونسية، حيث يشكل محورًا لإنتاج المعنى ومسرحًا لصراع الحداثة مع السلطة والتقاليد. تقوم هذه الرؤية على مسارين متكاملين: الأول توصيف سردي للأفلام، يتيح استجلاء بنية النصوص السينمائية وأبعادها الشكلية، والثاني تأويل اجتماعي وثقافي يضع الأعمال ضمن إطار نقدي واسع يربط التحولات الفردية والهوية المجتمعية بالخطاب الفني. وقد جمع “قادري” مجموعة من الأعمال السينمائية ودرسها بعناية، ما يوفر قاعدة معرفية غنية للباحثين، تصلح للتحليل المقارن وتأسيس استنتاجات نظرية متينة. استخدم القادري لغة تقريرية دقيقة، مع استدعاء مفاهيم الحداثة والتحرر بطريقة ضمنية، دون الإحالة الصريحة إلى المصادر الفلسفية أو السوسيولوجيا، ما يفتح المجال لتوظيف مرجعيات نظرية متعددة حول الجسد والسلطة والتمثيل السينمائي في السياقات العربية والمتوسطية.
تبرز أهمّية قراءة المؤلّف في قدرتها على الجمع بين التحليل الفني والتأويل الاجتماعي، من خلال الانتباه إلى التفاصيل السردية، بما في ذلك الأماكن الرمزية، الطقوس اليومية، ومسار تطور الشخصيات، وهو ما يسمح بفهم ديناميكيات العلاقة بين الجسد والهوية، وبين التقاليد والحرية الفردية. كما يقدم هذا الإطار النقدي الوسائل اللازمة للباحثين لتوسيع التحليل واستدعاء نظريات متعددة حول الجسد والتمثيل والمجتمع، في ضوء البُعد النفسي والاجتماعي والسياسي الذي يحرك الخطاب السينمائي.
يمثل كتاب عبد الكريم قادري منطلقًا غنيًا للبناء الأكاديمي، إذ جمع مجموعة متنوّعة من الأعمال السينمائية المهمة ودرسها، وقدّم تحليلات موضوعية حول الجسد في السينما التونسية الحديثة، ما يمكنّنا مستقبلًا من الانطلاق منها لتعميق الدراسة على مستويات متعددة. فغلبة المقاربة الموضوعيّة لدى “قادري” التي تركز على الحبكات والشخصيات والثيمات الاجتماعية والجنسية، توفر أساسًا قويًا يمكن البناء عليه باستخدام أدوات تحليلية بصرية-تكوينية، لدراسة لغة الصورة، وزوايا الكاميرا، والمونتاج، والإضاءة، وبالتالي الربط بين المضمون والشكل السينمائي بطريقة دقيقة وعميقة.
على صعيد آخر، يوفر ميل القادري إلى الدفاع عن الوظيفة التفكيكية للجسد داخل السينما مساحة لاختبار فرضيات بديلة حول العلاقة بين الصورة والجمهور والسينما والسلطة الاجتماعية، مع الحفاظ على تقدير حساسية النص الأصلي.
قوة التأويل وحدود المنهج
يقدم عبد الكريم قادري في كتابه قراءة مركزة لتجربة المخرج التونسي ناصر خمير، معتمدًا على ثلاثيته السينمائية: “الهائمون في الصحراء”، “طوق الحمامة المفقود”، و”بابا عزيز”. يحلل القادري عنصر الصحراء معتبرًا إياه فضاءً للبحث عن الصفاء والانعتاق، ويربطه بالتيه والعزلة والأسئلة الوجودية، ويحلل استثمار المخرج للمرجعيات الصوفية والفلسفية والتراث الحكائي في بناء السرد البصري.
يركز قادري على العناصر السردية والبصرية-الطفل، الكتاب، الكنز، المرأة، الرحلة-ويوضح كيفية تنظيمها ضمن نظام رمزي متماسك يربط التجربة الداخلية بالتمثيل السينمائي. كما يتتبع العلاقة بين التكوين البصري والحالة النفسية للشخصيات، ويستفيد من الرصد الدقيق للتفاصيل لتوضيح البنية الدلالية للأعمال الثلاثة.
يربط هذا التحليل التأويلي بين الصحراء والرحلة والرموز المتكررة ضمن نسق دلالي متماسك، حيث تمتدّ الرمال لتشكّل فضاءً للارتقاء الروحي والتطهير الداخلي. يمثل الطفل محور البراءة والسؤال الأنطولوجي، بينما تشكل المرأة جسرًا بين مستويات الوجود. أما الكتاب فيمثل مصدر المعرفة، والكنز رمز الفردوس المفقود، في حين يُعدّ البحر معبرًا للتحول. تتلاقى جميع هذه العناصر مع التجربة الداخلية للشخصيات، مشكلة وحدة دلالية قائمة على المراجع الصوفية والفلسفية والتراث الحكائي.
ينتج عن هذا الانسجام وحدة المشروع السينمائي الثلاثي، الذي يتدرج من دائرة التيه والقلق الروحي، مرورًا بفضاء السؤال العشقي والمعرفي، وصولًا إلى التجلي الصوفي والعشق الإلهي. ويكتمل البناء الرمزي من خلال تحليل ثيمات تقسّمُ البنية السردية إلى وحدات دلالية تدور حول الضياع والانكسار والتردد بين الوهم والحقيقة، والحب والحلم والأمل، مما يمنح النصوص وضوحًا بنيويًا ويؤطر الرؤية الفنية والمعرفية للعمل.
إنّ القراءة التأويلية ل”قادري” رغم جمالها وقوتها، تستدعي نقاشًا نظريًا حول مدى انفتاحها على مستويات دلالية متعددة. على الرغم من تنظيم التحليل ضمن أفق شامل يوحّد العلامات في نسق متماسك، فإن هذا قد يؤدي إلى نوع من التثبيت الدلالي الذي قد يحدّ من استكشاف طبقات أخرى كامنة في النصوص الفيلمية. ويمكن أن تشمل هذه الطبقات قراءات أنثروبولوجية، أو رهانات سياسية، أو توترات الحداثة، أو مقاربات ما بعد الاستعمار المرتبطة بالفضاء الصحراوي وعلاقاته بالسلطة والهجرة والانقطاع التاريخي.
يركّز قادري في (الهائمون في الصحراء) بشكلٍ مكثف على البنية الرمزية والثيمات السردية، مع حضور محدود لتحليل العناصر التقنية للصورة السينمائية. فحركة الكاميرا، والإضاءة، وعمق المجال، وزمن اللقطة، والإيقاع، والتكوين داخل الكادر، والصمت، يتم الإشارة إليها عرضاً دون دمجها في إطار تحليلي منهجي يربط الأسلوب البصري بالبنية الفكرية للفيلم. يُمكن اعتبار هذا الجانب فرصة بحثية تنطلق من قراءة القادري لتتوسّع نحو تحليل أسلوبي يستفيد من أدوات السيميولوجيا البصرية ونظريات التلقي، بما يعزز فهم التفاعل بين الشكل والأسلوب والدلالة.
تنوّع سينمائي بعد ثورة الياسمين
ويبدو أن “قادري” قد وُفّق في ربط التحليل السينمائي بسياقه الثقافي والسياسي العام، إذ لم يكتف بتتبع الموضوعات التي طرحتها الأفلام، إذ كشف عن علاقتها بالبنى السردية والجمالية التي تولّدت عنها. كما يُحسب له اعتماده تحليل منهجي أتاح لنا استخلاص سمات مشتركة لسينما ما بعد الثورة دون إغفال خصوصية كل تجربة إخراجية، كما أوضح أن ثورة الياسمين شكّلت منعطفًا حاسمًا في مسار السينما التونسية، إذ أفسحت المجال أمام إنتاج أعمال جديدة تناولت قضايا الحرية والهوية والتطرّف والفساد، وعكست التحوّلات الاجتماعية والسياسية والثقافية التي أعقبت الثورة. ومن خلال تحليله لمجموعة من الأفلام التي أُنجزت في هذه المرحلة، ينجح القادري في إبراز الدور المركزي للبنية السردية والأسلوب الفني في نقل هذه التحوّلات إلى المتلقي، ولا يكتفي بتحديد الموضوعات العامة، وإنما يتوغّل في تحليل المشاهد نفسها، كاشفًا كيفية تشكّل المعنى عبر الصورة والإيقاع والفضاء السردي. كما يبرز بوضوح التباين بين رؤى المخرجين تبعًا لاختلاف مرجعياتهم الثقافية ومواقفهم السياسية.
يؤكّد “قادري” أن اعتماد السينما التونسية بعد الثورة على أساليب سردية متجددة – كالمزج بين الوثائقي والروائي، السينما الشعرية، الكوميديا السوداء، والرمزية التجريبية – أسهم في تقديم تمثيلات مركّبة للواقع السياسي والاجتماعي. ويُحسب له أنه يدعم هذا الاستنتاج من خلال قراءات دقيقة داخل المشاهد، توضّح كيف تستخدم هذه الأساليب في توجيه فهم المشاهد وبناء المعنى داخل الفيلم.
على الرغم من تنوّع المقاربات الجمالية، يكشف التحليل عن وجود تقاطعات موضوعية واضحة بين عدد من الأفلام، مثل “شلاط تونس، وقصر الدهشة، وفتوى”، التي تتناول قضايا الحرية، والرقابة، والتطرّف، والفساد، والفوارق الطبقية، وتُبرز الصراع بين السلطة والمجتمع، فضلًا عن تمثيل التحوّلات الاجتماعية والسياسية بعد الثورة. ويُعدّ تحليله للمزج بين الوثائقي والروائي في فيلمي “شلاط تونس وقبل العرض” مثالًا على قدرته على ربط إعادة بناء الوقائع التاريخية بالبناء السردي، وإشراك المشاهد في قراءة الواقع الجديد
كما يتناول قادري البحث عن الهوية والانتماء في فيلمي “الزيارة وبستاردو” من خلال تتبّع صراعات الشخصيات مع الماضي والمجتمع والذات، ويُبرز من خلال تفكيك عناصر التشكيل البصري داخل اللقطات، كيف تعكس هذه الصراعات أزمة الهوية في مرحلة ما بعد الثورة. ويشير كذلك إلى حضور مكثّف للرمزية والأسلوب التجريبي في أفلام مثل شلاط تونس والزيارة وقصر الدهشة عبر توظيف زوايا التصوير والإضاءة والموسيقى والمشاهد غير الواقعية لنقل الأبعاد النفسية والاجتماعية، مقابل اعتماد المعالجة السياسية المباشرة لقضايا التطرّف والرقابة في فيلمي “فتوى وقبل العرض”. ويبيّن أن التمايز بين هذه الأعمال يعود أساسًا إلى اختلاف البناء الفني والمعالجة الموضوعية، فـ”شلاط تونس” يعتمد صيغة روائية–وثائقية وتجريبية تعبّر عن التباس الهوية وتشظّي الصراعات الاجتماعية، بينما يأتي فيلم بستاردو في إطار روائي تقليدي نسبيًا مدعوم برمزية قوية وبنية سردية متشعّبة تركّز على الصراع النفسي، في حين يتيح الطابع الشعري لفيلم “الزيارة “هامشًا واسعًا لتأويل المشاهد، وتتنوّع الأشكال كذلك بين الكوميديا السوداء في فضاء محدود كما فيلم ” قصر الدهشة” والوثائقي التاريخي في قبل العرض، والعمل البوليسي–الدرامي في “فتوى”.
ويخلص “قادري” إلى أن سينما ما بعد ثورة الياسمين أسهمت في التأثير في المتلقي وفي المجتمع عبر تحويل التجربة الفردية للمخرج إلى خطاب نقدي جماعي موجَّه إلى السلطة والرقابة وتعزيز مساحات الحوار والتأمّل لدى الجمهور.
تأمّلات
سلّط عبد الكريم قادري الضوء على ثلاثة رموز بارزة في تاريخ السينما التونسية، كلٌّ منهم يمثل مرحلة مفصلية من مسيرة السينما في تونس، عبد اللطيف بن عمار رائد الإخراج الحديث، فتحي الهداوي الوجه الممثل الذي منح الحياة للشخصيات المركّبة، وألبير شمامة شيكلي مؤسس السينما التونسية وأحد روادها الأوائل.
إن اختيار الكاتب لهذه الشخصيات يكشف عن استراتيجيته النقدية في إبراز التطور التاريخي والفني للسينما التونسية عبر ثلاثة محاور، التجريب الفني والابتكار، الحضور الجماهيري والتعبير الاجتماعي، والمغامرة التقنية والتأسيس التاريخي.
تميز الفصل بالتركيز على مسارات حياة الشخصيات من زاوية إنتاج أعمالهم، ومن خلال خلفياتهم التعليمية والاجتماعية التي شكّلت رؤاهم السينمائية. عبد اللطيف بن عمار جسّد الانتقال من المعرفة النظرية إلى التجربة الإبداعية، مستفيدًا من معارفه الرياضية والفنية، ليبتكر لغة سينمائية حساسة تعكس قضايا الهوية والانتماء. فتحي الهداوي قدم منظورًا آخر، هو التجسيد النفسي العميق للشخصيات، خصوصًا أدوار الشر، مما أضفى بعدًا نفسيًا وجماليًا على الإنتاج السينمائي التونسي. أما ألبير شمامة شيكلي، فقد شكّل قاعدة الصرح التأسيسي، إذ جمع بين حب المغامرة التقنية والفن، مؤسسًا البنية الأولية للسينما في تونس، ومقدّمًا نموذجًا للابتكار والتجريب المبكر.
رغم اختلاف الأزمنة والسياقات، تتقاطع تجاربهم في عدد من القواسم المشتركة النقدية، الالتزام بالابتكار الفني، الجرأة على معالجة قضايا اجتماعية أو تقديم تجارب جديدة للجمهور، وحرصهم على ترك أثر سينمائي طويل الأمد. وفي الوقت نفسه، تختلف تجاربهم في الوسيلة والمنهج، عبد اللطيف بن عمار عمل على إخراج الأفلام الروائية الطويلة والقصيرة والتوثيقية، الهداوي على التمثيل المتنوع والمركّب، وشيكلي على التأسيس الفني والتقني في مرحلة كانت السينما فيها مغامرة حديثة. هذه المقارنة تتيح للقارئ فهم تعدد أوجه التكوين السينمائي في تونس، من التأسيس والابتكار المبكر، مرورًا بالتجريب الفني، وصولًا إلى التطوير النفسي والاجتماعي للشخصيات على الشاشة.
بهذا الأسلوب، يقدم الكاتب دراسة نقدية متعمقة، تجمع بين التاريخ، الفن، والتجربة الشخصية للأفراد، مُظهرًا تطوّر السينما التونسية عبر مسار متدرج، متنوع، ومُلهم، قائم على إرث شخصيات جسدت حيوية الفن وتأثيره الثقافي والاجتماعي، ما جعل الفصل الأخير من الكتاب نموذجًا للربط بين السرد النقدي وتحليل التجربة الفنية عبر الزمن.
إنّ كتاب “السينما التونسية ” سرد الجسد وهواجس المعنى”، الصادر عن المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر، لبنان – بيروت، عام 2025، يتكوّن من أربعة فصول ويضم 133 صفحة، يُعد إضافة مهمة للمكتبة النقدية العربية. يقدم الكتاب قراءة معمقة للسينما التونسية من منظور جمالي وثقافي، مستكشفًا العلاقة بين الجسد والسرد وهواجس المعنى، مما يجعله مرجعًا قيمًا للباحثين والنقاد والمهتمين بالدراسات السينمائية.
نهى سويد




