
ليست المدينة في الأدب مجرد رقعة جغرافية تُحدَّد بحدودٍ إدارية أو تُقاس بمساحتها العمرانية، بل هي في جوهر تمثلاتها السردية والشعرية والفكرية، كيانٌ رمزيّ كثيف، يتراكب فيه التاريخ بالذاكرة، ويتشابك فيه العمران بالوجدان، وتتعالق فيه السلطة بالخيال. المدينة نصٌّ مفتوح، كما قال رولان بارت عن النص، قابلٌ لقراءات لا تنتهي، لأنها ليست معطى ثابتا بل سيرورة دلالية، تتغير بتغير زاوية النظر، وباختلاف موقع الكاتب والقارئ داخلها أو على هامشها. ومن هنا فإن الأدب لا يصف المدينة بقدر ما يعيد خلقها، ولا ينقلها كما هي بل كما تُعاش أو كما يُحلم بها، أو كما تُستعاد في الذاكرة.
منذ البدايات الأولى للكتابة، حضرت المدينة باعتبارها لحظة انتقال من الطبيعة إلى الثقافة، ومن العراء إلى النظام. ففي ملحمة جلجامش، لا تظهر أوروك مجرد أسوار شاهقة، بل بوصفها علامة على نشأة الاجتماع الإنساني المنظم، حيث العمران قرين الخلود الرمزي. ويكفي أن يتغنى جلجامش بأسوار مدينته ليكشف أن المدينة كانت منذ البدء مشروع معنى قبل أن تكون تجمعا سكنيا. وفي هذا السياق، تبدو مقولة أرسطو بأن الإنسان «حيوان مدني بالطبع»، تأسيسا فلسفيا عميقا لفكرة المدينة بوصفها شرط اكتمال الإنسانية، لا مجرد إطار عيشها.
غير أن الأدب بخلاف الفلسفة السياسية الكلاسيكية، لا ينظر إلى المدينة من علٍ، بل يغوص في تفاصيلها الدقيقة، في أزقتها الهامشية، في أصواتها المكتومة، وفي تناقضاتها الصارخة. فالمدينة في الرواية الحديثة ليست صورة مثالية للانسجام، بل فضاء للاختلاف، كما وصفها جورج زيميل حين رأى في المدينة الحديثة «تكثيفا مفرطا للمثيرات العصبية»، يجعل الفرد معرَّضا للتشظي والاغتراب. وهذا الاغتراب الذي حلله لاحقا والتر بنيامين في تجواله الفلسفي داخل باريس، هو ما يمنح المدينة بعدها المأساوي والخصب في آنٍ واحد، إذ تتحول الشوارع إلى مسرح للتاريخ الصغير، تاريخ الأفراد المنسيين، الذين لا تذكرهم كتب المؤرخين، لكن تحفظهم الروايات والقصائد.
المدينة هنا ليست خلفية محايدة للأحداث، بل فاعل سردي، له منطقه الخاص وإيقاعه المميز. وقد تنبه ميخائيل باختين إلى هذه الخاصية حين تحدث عن «الكرونوتوب»، حيث يتداخل الزمان والمكان في تشكيل بنية الخطاب الأدبي. فالمدينة تُنتج زمنها الخاص: زمن التسارع، زمن الانتظار وزمن الانقطاع. في المدينة يتكثف الحاضر ويضيق، حتى يصبح الماضي طيفا قلقا، والمستقبل وعدا هشا. لذلك لم يكن غريبا أن يصف بودلير باريس بأنها «جحيم مكسوّ بالجمال»، أو أن يرى فيها رامبو «مدنا ستنهض من الرماد»، في توتر دائم بين الخراب والبعث.
وفي الأدب العربي لم تكن المدينة غائبة عن المخيال، وإن اختلفت تمثلاتها باختلاف العصور. ففي الشعر الجاهلي، حضرت المدينة حضورا خافتا لصالح البادية، غير أن هذا الخفوت لا يعني غياب الوعي بالعمران، بل يعكس منظومة قيم تُعلي من الترحال على الاستقرار. ومع الإسلام بدأت المدينة تكتسب مركزيتها الرمزية، خصوصا مع «المدينة المنورة»، التي لم تعد اسم مكان، بل تحولت إلى دالٍّ عقدي وأخلاقي، حيث تماهى الفضاء الجغرافي مع المثال القيمي. وقد أشار ابن خلدون في مقدمته الشهيرة، إلى أن «العمران البشري» هو موضوع التاريخ الحقيقي، رابطا بين تطور المدن وتحولات العصبية والدولة، ومؤكدا أن المدينة مرآة لروح العصر.
غير أن الأدب الحديث أعاد طرح سؤال المدينة بحدة غير مسبوقة، خاصة مع صدمة الحداثة والاستعمار والهجرة القروية. فالقاهرة عند نجيب محفوظ ليست مدينة واحدة، بل مدن متعددة داخل مدينة، تتجاور فيها الأزمنة والطبقات واللغات. وهي كما يقول محفوظ في أحد حواراته، «كائن حيٌّ يولد ويشيخ ويتغير»، ما يجعلها أقرب إلى شخصية روائية منها إلى مكان جامد. وكذلك الأمر عند عبد الرحمن منيف، حيث تتحول المدينة النفطية إلى رمز للاغتراب والتشوه، مدينة تُبنى بسرعة لكنها تفتقد الذاكرة فتغدو على حد تعبيره، «مدنا بلا قلوب».
هذا التحول من المدينة بوصفها فضاءً للإقامة إلى كونها فضاءً للتيه، هو ما جعل الأدب يحمّلها دلالات وجودية عميقة. فالمدينة الحديثة كما رآها مارتن هايدغر، ليست مجرد تجمع تقني، بل نمط خاص من «السكن في العالم»، قد ينقلب إلى اغتراب حين ينفصل الإنسان عن معنى الوجود الأصيل. ولذلك كثيرا ما تظهر المدينة في الأدب فضاءً للاختناق، كما في روايات كافكا، حيث تتحول البيروقراطية الحضرية إلى متاهة لا مخرج منها، أو فضاءً للتمرد، كما في كتابات ألبير كامو، الذي رأى في المدينة المتوسطية مسرحا لعبث الوجود ومقاومته في آنٍ واحد.
واللافت أن المدينة كلما ازدادت تعقيدا عمرانيا، ازدادت قابلية للتأويل الرمزي. فهي قد تكون أما حانية أو آلةً ساحقة، فردوسا مفقودا أو جحيما يوميا. وقد لخّص إيتالو كالفينو هذا التعدد الدلالي في كتابه «المدن غير المرئية»، حين جعل كل مدينة مرآة لحالة نفسية أو فكرة فلسفية، مؤكدا أن «المدينة لا تقول ماضيها، بل تحمله مكتوبا في خطوطها». فالمدينة تُقرأ كما يُقرأ النص، وتُؤوَّل كما تُؤوَّل القصيدة، لأنها نتاج تراكب العلامات والطبقات والآثار.
إن الكتابة عن المدينة هي في العمق كتابة عن الإنسان في لحظة توتره القصوى مع العالم. المدينة تكشف هشاشتنا كما تكشف قدرتنا على الابتكار، تُظهر عنف السلطة كما تُظهر مقاومة الهامش. ولذلك قال إدوارد سعيد إن الأمكنة ليست بريئة، لأنها «مُحمَّلة بعلاقات القوة والتمثيل». والمدينة باعتبارها أكثر الأمكنة كثافة، تصبح المجال الأبرز لتجسد هذه العلاقات، حيث يُعاد توزيع الرؤية والصوت والذاكرة.
إن الانتقال من الفضاء الجغرافي إلى الكيان الرمزي لا يحدث دفعة واحدة، بل عبر تراكم سردي طويل، تُسهم فيه الأسطورة والتاريخ والتجربة الفردية. فالمدينة لا تصبح رمزا إلا حين تُستبطن، وحين تتحول من موضوع خارجي إلى تجربة داخلية. عندئذٍ فقط، تغدو المدينة «حالة ذهنية»، كما وصفها غاستون باشلار وهو يتأمل أمكنة الذاكرة والخيال، حيث يصبح المكان امتدادا للذات، والذات أثرا في المكان.
وهكذا يفتح الأدب أفقا لفهم المدينة لا بوصفها معطى هندسيا أو اقتصاديا، بل بوصفها سؤالا مفتوحا حول المعنى والهوية والوجود. فالمدينة في نهاية المطاف، ليست ما نراه فيها، بل ما تقوله لنا حين نصغي إلى لغتها الخفية، لغة الحجر حين يتحول إلى ذاكرة، ولغة الشارع حين يصير قصيدة، ولغة الصمت حين يغدو أبلغ من الكلام.
وتزداد المدينة كلما توغّل الأدب في مساءلتها، التباسا وعمقا، إذ لا تعود مجرد حاضنة للتجربة الإنسانية، بل تصبح شرطها المأزوم. هنا ينتقل الخطاب الأدبي من الوصف إلى التفكيك، ومن التمثيل إلى النقد، فتغدو المدينة فضاءً للصراع بين الممكن والمستحيل، بين ما يُبنى في الحجر وما يُهدم في الروح. في هذا المستوى لا تُقرأ المدينة إلا باعتبارها توترا دائما، أو كما وصفها لويسمَمفورد، بأنها «تجسيد مكثف لكل ما هو خلاق ومدمر في الحضارة الإنسانية معا». فالمدينة لا تمنح نفسها دفعة واحدة بل تتمنّع وتقاوم القراءة السطحية، لأنها محكومة بتاريخ من التراكمات الرمزية التي تجعلها أكثر من مجموع شوارعها وساحاتها.
وحين يبلغ الأدب الحديث ذروة وعيه بالمدينة، يتحول الحلم العمراني إلى سؤال أخلاقي ووجودي. فالمدينة التي بشّرت بها مشاريع الحداثة الأولى، بوصفها فضاءً للعقل والتقدم والتحرر، سرعان ما انقلبت في المتخيل الأدبي إلى مسرح للاغتراب والعنف الرمزي. وقد عبّر جورج أورويل عن هذا التحول بحدة حين رأى أن المدينة الحديثة قادرة على إنتاج أشكال جديدة من السيطرة، أكثر نعومة وأشد فتكا، لأن السلطة فيها لا تمارس بالقوة العارية فقط، بل عبر التنظيم والرقابة وتطبيع السلوك. ولا تعود المدينة فضاءً للعيش، بل شبكة من العلامات التي تُعيد تشكيل الفرد وفق منطقها الخاص.
ولذلك تكثر في الأدب صور المدينة المتاهة، المدينة القناع، المدينة الآلة. كافكا وهو يكتب عن مدن بلا أسماء، كان في الحقيقة يكتب عن فقدان المعنى داخل نظام حضري مغلق، حيث يصبح الإنسان رقما وتغدو الشوارع بلا ذاكرة. وبهذا المعنى، فإن المدينة الكافكوية ليست مكانا بعينه، بل حالة وجودية، كما أشار ميلان كونديرا حين قال إن «الرواية لا تصف العالم كما هو، بل كما يُعاش حين يفقد بداهته». فالمدينة حين تفقد بداهتها تصبح نصا عصيا لا يُقرأ إلا بالقلق.
غير أن هذا القلق لا يُفضي بالضرورة إلى اليأس، بل كثيرا ما يتحول إلى شكل من أشكال المقاومة الجمالية. فالكتابة عن المدينة في أحد أبعادها العميقة، هي محاولة لاستعادة الصوت داخل الضجيج، والوجه داخل الزحام. ولهذا احتفى والتر بنيامين بشخصية المتسكع، لا بوصفه عابرا كسولا، بل باعتباره قارئا للمدينة يلتقط إشاراتها الخفية، ويحوّل المشي إلى فعل تأويلي. المتسكعبراد به هنا، هو الضد الرمزي للمدينة الوظيفية، لأنه يعيد للفضاء الحضري بعده الإنساني ويقاوم اختزاله في الاستعمال النفعي.
وفي الأدب العربي المعاصر، تتجلى هذه المقاومة في الكتابة عن الهامش الحضري، عن الأحياء المنسية وعن المدن التي لا تظهر في الكتيبات السياحية. فالمدينة هنا ليست مركز السلطة، بل مجال التصدع. وقد عبّر محمد شكري في تصويره لطنجة، عن هذا الوجه العاري للمدينة، حيث تختلط الحرية بالضياع والجمال بالقسوة دون أقنعة بلاغية. المدينة عنده ليست استعارة بل جرح مفتوح، ولذلك بدت كتابته أقرب إلى شهادة وجودية منها إلى بناء تخييلي مزخرف. وفي السياق نفسه، تتحول الدار البيضاء في نصوص مغربية عديدة، إلى رمز للسرعة والاختناق، مدينة «تأكل أبناءها»، كما قيل، لأنها لا تمنحهم الوقت الكافي لبناء ذاكرتهم الخاصة.
وهنا تبرز اللغة بوصفها الأداة الحاسمة في تحويل المدينة إلى كيان رمزي. فالمدينة لا تُكتب بلغة واحدة، لأنها تتكون من طبقات لغوية متداخلة، لغة السلطة ولغة الشارع، لغة الحلم ولغة الإقصاء. وقد تنبه باختين إلى هذا التعدد الصوتي حين تحدث عن «تغاير اللغات» داخل الرواية، حيث لا يهيمن صوت واحد، بل تتجاور الأصوات في صراع دائم. والمدينة باعتبارها أكثر الفضاءات كثافة، تُعد المسرح الأمثل لهذا الصراع اللغوي، إذ تتحول اللهجات والإشارات والكتابات الجدارية، إلى نصوص موازية تشكّل معا خطاب المدينة الحقيقي.
تغدو الكتابة عن المدينة فعل ترجمة مستمرة، ترجمة من المرئي إلى المقروء، ومن المحسوس إلى المتخيل. فالكاتب لا ينقل المدينة كما هي بل كما تُفهم أو كما تُساء فهمها. ولذلك قال بول ريكور إن «التأويل هو فعل ثقة وشك في آن واحد»، وهو ما ينطبق تماما على تأويل المدينة. فالمدينة لا تُمنح معناها، بل يُنتزع منها انتزاعا، عبر صراع بين الذاكرة والنسيان، بين ما يُراد لها أن تكونه، وما تصير إليه فعليا.
ومع هذا كله لا يمكن اختزال المدينة في بعدها القاتم فقط، لأن الأدب وهو يعرّي يُنقذ أيضا. فحتى في أكثر الصور ديستوبية يظل هناك شق للضوء، لأن المدينة، مهما بلغت قسوتها، تظل فضاءً لاحتمال اللقاء. وقد عبّر إرنست بلوخ عن هذا البعد حين رأى أن الأمل يسكن حتى أكثر الأمكنة قتامة، لأن اليوتوبيا ليست مكانا بعيدا، بل «نزوعا كامنا في الواقع». والمدينة بما تحمله من تناقضات، هي المجال الذي يتجسد فيه هذا النزوع بأقصى درجاته.
تظل المدينة في الأدب كائنا غير مكتمل، لأنها تعكس عدم اكتمال الإنسان ذاته. إنها مرآته المكسورة، يرى فيها صورته مضاعفة ومشوّهة لكنها تظل صورته. ولذلك فإن كل كتابة عن المدينة هي كتابة عن الذات، سواء اعترف الكاتب بذلك أم لم يعترف. فالمدينة كما قال مارسيل بروست، لا تُكتشف بالعيون بل بالذاكرة، والذاكرة لا تعمل إلا عبر اللغة.
إن انتقال المدينة من الفضاء الجغرافي إلى الكيان الرمزي ليس مجرد تطور في التقنيات السردية، بل هو تعبير عن تحول عميق في وعي الإنسان بذاته وبالعالم. فالمدينة حين تُكتب تتحول إلى سؤال مفتوح لا عن المكان فقط بل عن العيش وعن المعنى، وعن إمكان السكن في عالم يتغير بوتيرة تفوق قدرتنا على الفهم. إنها اختبار دائم للغة، لأنها تضعها أمام حدودها، وتجبرها على ابتكار صيغ جديدة للقول.
ولعل القيمة الكبرى للأدب، في سياقنا هذا تكمن في كونه يمنح المدينة حياة ثانية، حياة رمزية لا تخضع لقوانين الخرائط، بل لقوانين الذاكرة والخيال. فحين تنهدم المدن في الواقع، تبقى قائمة في النصوص، وحين تتغير ملامحها العمرانية، تحتفظ الكتابة بجوهرها الإنساني. ولذلك قال كالفينو في عبارة تصلح أن تكون وصية لكل كاتب مدينة، إن «الجحيم ليس ما سيأتي، بل ما نعيش فيه كل يوم، وإن لم نجد فيه ما ليس جحيما ونمنحه مكانا فسوف نغرق فيه».
تصبح الكتابة عن المدينة فعل إنقاذ بقدر ما هي فعل نقد. إنها محاولة للإمساك بالهارب، ولتثبيت ما يتلاشى، ولتحويل الضجيج إلى معنى. فالمدينة مهما بدت صمّاء، تنطق لمن يعرف كيف يصغي، ومهما بدت قاسية، تمنح مادتها لمن يعرف كيف يحوّل الحجر إلى استعارة، والشارع إلى جملة، والعبور اليومي إلى تجربة وجودية كثيفة. وفي هذا التوتر الخلاق بين الواقع والرمز، يواصل الأدب مهمته القديمة، أن يجعل من المكان سؤالا ومن السؤال أفقا للحرية.


