ملصقات إديث بياف بين شجون الصوت ووجع اللون

مقال الجمعة للفنان والروائي العالمي عبد الرازق عكاشة
### **الخط الواصل بين مطربة القرن الماضي والتعبير الملخص في ريشة فنان البوستر**
### **السهل الممتع والدراما التعبيرية في أعمال تشارلز كيفر**

الدراما التعبيرية هي أسلوب إبداعي برز بقوة قبل الحرب العالمية الأولى بقليل، ثم ترسخ حضوره مع سنواتها الأولى، حوالي عام 1918. وفي تلك المرحلة اعتمد السير **أوسكار كوكوشكا** هذا الأسلوب في رسم لوحاته المهمة، التي أصبحت من العلامات الفارقة في تاريخ الحركة التشكيلية الإنسانية.

ويحتل أوسكار كوكوشكا مكانة خاصة في ثلاثيتي التي تصدر طبعتها الثانية قريبًا عن **دار القاهرة للنشر والتوزيع**، بعنوان **«ثلاثية الحب واللون والوجع»**.

وقد برزت الدراما التعبيرية، أو التعبيرية الدرامية، أيضًا قبل الحرب العالمية الأولى مع الفنان التعبيري الدرامي الموجع **إدفارد مونش**، الابن الشرعي فنيًا لفان جوخ أو جان فرانسوا ميليه. وكان مونش صاحب اللوحة الشهيرة **«الصرخة»** (1893) *(Skrik)*، التي هزّت وجدان الجمهور في الإمبراطورية النمساوية، وأصبحت واحدة من أهم أيقونات الفن الحديث.

وبطبيعتها، اختلفت التعبيرية الدرامية عن التعبيرية الرومانسية عند **إيجون شيليه**، أو حتى عند **أميديو مودلياني**، كما تمايزت عن التعبيرية الديناميكية لدى **بابلو بيكاسو**. ففي تلك الفترة بدأت الحالة التعبيرية تتألق بأشكالها المتعددة، ولم تعد حبيسة قاعات العرض، بل انتقلت إلى فن الإعلان والبوستر في شوارع المدن الأوروبية.

وفي باريس، ومع التأثير الكبير للعملاق **هنري دي تولوز لوتريك**، اتجه فن البوستر إلى الاختزال الشديد، ليصبح جزءًا من روح جيل **الطاحونة الحمراء**، وكباريهات شوارع **بيجال** و**رو أبيس**. وانتشرت هذه الموضة بين معظم فناني المدرسة التعبيرية، وأصبحت الرسوم التعبيرية عنصرًا أساسيًا في فن الملصقات، حتى إن كوكوشكا نفسه صمم ملصقات لعدد من المسرحيات في النمسا، ومنها مسرحيات كتبها بنفسه.

واليوم أقدم لكم فنان بوستر مهمًا، لكنه لا يزال غير معروف بما يكفي في عالمنا العربي، وهو المبدع **تشارلز كيفر**.

كان تشارلز كيفر مصممًا ورسّامًا للطوابع البريدية في تلك المرحلة، كما تولى تصميم ملصقات **الدورة الأولمبية لعام 1924** التي استضافتها فرنسا. وقد استطاع أن يترك بصمة خاصة في فن الإعلان، ولا سيما في الملصقات التي صممها لحفلات المطربة الفرنسية الخالدة **إديث بياف**.

في هذه الملصقات يقدم كيفر نموذجًا تعبيريًا هائلًا في بساطته. فهو يصوغ حالة إنسانية كاملة، تجعل إحساس السجن والشجون هو العنصر الجاذب للمتلقي، مع عبقرية الاختصار في المضمون، والقدرة على تقديم الحالة الداخلية الموجعة للمطربة الكبيرة، بعيدًا عن الزخرفة البصرية التي كانت تملأ إعلانات الليل والمراقص في ذلك الزمن.

لقد بلغ الاختزال عنده درجة مدهشة؛ فهو يدعوك إلى التأمل طويلًا في الوجه المرسوم، رغم قلة الخطوط وبساطتها، كما يمنح اللون المحدد والواضح دور البطولة، سواء في مزجه الأحمر بالأسود والرمادي، أو في الأزرق الذي يطوقه الأصفر الخارجي، في هدوء ثائر ينجح في إيصال الفكرة بأقصى درجات البساطة.

ومن أكثر ما يميز أعماله استخدامه لونًا أصفر شديد الخصوصية، يكاد يكون توقيعًا بصريًا خاصًا به، وهو ما منح ملصقاته شخصية مستقلة، وميزها عن كثير من إعلانات تلك المرحلة.

ولد **تشارلز كيفر** عام **1902**، وتوفي عام **1992**. وكانت أعماله المائية مثالًا للحركة والديناميكية وسرعة الأداء. غير أن ملصقاته الخاصة بإديث بياف جاءت مختلفة؛ فقد خفف من اندفاع الحركة لصالح الإصغاء إلى الصوت، وكأن الفنان كان يرسم النغم قبل أن يرسم الوجه.

وهذا يؤكد اتساع ثقافة كيفر؛ فقد كان يستوعب درجات الصوت ونغماته، ويفهم الدراما الإنسانية الكامنة في تجربة بياف، فخرجت ملصقاته وكأنها صدى بصري لصوتها، لا مجرد إعلان عن حفلة. كان رسامًا، لكنه كان أيضًا يفهم المسرح والسينما، ويعرف كيف يحول الألم إلى صورة، والصوت إلى لون.

**باريس – عبد الرازق عكاشة**
مؤسس متحف دارنا – القاهرة
خبير الفنون بصالات العرض – باريس

 

  • Related Posts

    مهرجان أفلام السعودية في دورته الـ12: حضورٌ عالمي ونجاحٌ يحتذى به

    قراءة نقدية بقلم: هاني نديم انقضت أيام مهرجان أفلام السعودية الثاني عشر بنجاح كبير وإقبال جماهيري واسع، بعد أن بات بصمةً خاصة منتظرة كموعد سنوي للمهتمين بالسينما السعودية من داخل…

    من القصيدة إلى الشاشة: كيف وجدت قصيدة «قطار يعبر الصحراء» لأشرف أبو اليزيد حياة جديدة في السينما

    رسم توضيحي: الذكاء الاصطناعي نادراً ما تسافر القصيدة وحدها. فاستعاراتها وإيقاعاتها وصمتها كثيراً ما تتجاوز الصفحة المكتوبة لتجد أشكالاً غير متوقعة في الفنون الأخرى. هكذا كان الحال مع قصيدة «قطار…

    اترك تعليقاً

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *