الفنان لي جونغ-سانغ.. من دوكدو إلى غوغوريو، يدٌ ظمأى إلى الرسم
رحل في الثامن من سبتمبر الفنان الكوري الكبير لي جونغ-سانغ، عن عمر ناهز ثمانية وثمانين عاماً، تاركاً وراءه إرثاً فنياً يتجاوز اللوحة إلى الذاكرة الوطنية والثقافة والتاريخ.
كان لي جونغ-سانغ واحداً من أبرز الفنانين الكوريين في القرن العشرين، وصاحب اليد التي رسمت صورة شين سايمدانغ على ورقة الخمسين ألف وون، وصورة يي يولغوك على ورقة الخمسة آلاف وون. لكنه، قبل أن يكون رساماً لوجوه الشخصيات التي حملتها العملة الكورية، كان رساماً للأرض والإنسان والذاكرة.
ومن دوكدو إلى غوغوريو، ومن الوجوه الصغيرة المطبوعة على العملات إلى الجداريات القديمة، ظل يبحث عن السؤال نفسه: كيف يستطيع الفن أن يحفظ ما يخشى الإنسان أن يضيع؟
في رحلتي مع الفن التشكيلي المعاصر في كوريا التقيت أحد أبرز أعلامه، التشكيلي لي جونغ سانغ؛ الفنان الذي يحتفظ برسومه خمسون مليون كوري! ليس لأنه عضو الأكاديمية الوطنية للفنون وحسب، ولا لأنه مؤرخ أكاديمي للتاريخ فقط، بل لأن عملتين ورقيتين من بنكنوت جمهورية كوريا تحملان رسومه وتوقيعه. كنت سعيد الحظ بإهدائه للعملات الذهبية والورقية لي.

وقد كتب عنه لي سانج-كي، ناشر مجلة AsiaN، في تأبين مؤثر، مستعيداً لقاءاته بالفنان وذكرياته معه، ومقدماً صورة لإنسان لم يكن يرى الرسم حرفة فحسب، بل طريقة للعيش والشهادة.
حين اكتشف الأب موهبة ابنه
كان والد لي جونغ-سانغ محباً للرسم، وكان يستقبل أصدقاءه في منزله ليعرض عليهم لوحاته. لكن شيئاً بدأ يتغير عندما أخذ الضيوف ينظرون، باهتمام أكبر، إلى رسومات ابنه الصغير.
كان لي جونغ-سانغ في السابعة من عمره آنذاك.
وكان يروي، بابتسامة، أن تلك كانت أول مرة يشعر فيها بغيرة أبيه.
غير أن الأب سرعان ما أدرك أن ابنه يمتلك موهبة استثنائية. فقد كان هو نفسه قد حلم بأن يصبح فناناً، وذهب إلى الفنان لي أونغ-نو ليتعلم الرسم، لكن اعتراض أسرته دفعه إلى دراسة البستنة.
لذلك أراد أن يحقق الابن الحلم الذي لم يستطع الأب تحقيقه.
وفي منزل الأسرة في ييسان، كانت الحيوانات جزءاً من الحياة اليومية: الدجاج والإوز والديوك الرومية وغيرها. وكانت حركتها السريعة تدريباً مثالياً لعين الطفل ويده.
علّمه الأب أن يرسمها بسرعة.
ومن هنا بدأت علاقة الفنان بما سماه لاحقاً الرسم السريع أو الكروكي؛ ذلك الرسم الذي لا ينتظر سكون الأشياء، بل يلاحقها وهي تتحرك، ويحاول أن يخطف من اللحظة العابرة ما يستحق أن يبقى.
أن تمسك اللحظة قبل أن تفلت

كان لي جونغ-سانغ يؤمن بأن الرسم السريع ليس مجرد تمرين على سرعة اليد، بل تمرين على الذاكرة.
فاللحظة تمر، لكن شيئاً منها يبقى في العين.
وكان يرى أن الإنسان يستطيع، بعد عقود، أن يستعيد في ذاكرته صورة شخص أحبه أو مكاناً عاش فيه، كما لو أن تلك الصورة ظلت محفوظة في مكان سري من الروح.
لهذا، عندما أصبح أستاذاً في جامعة سيول الوطنية، كان يدرب طلابه على الرسم أثناء الحركة.
وفي رحلاته معهم، كان يطلب منهم أن يرسموا المناظر التي تمر سريعاً خلف نوافذ القطار أو السيارة.
لم يكن يريد منهم أن يرسموا العالم كما يبدو عندما يتوقف، وإنما كما يُعاش: متغيراً، متحركاً، خاطفاً.
فنان لا يفصل الفن عن العصر
وُلد لي جونغ-سانغ عام 1938 في ييسان بمقاطعة تشونغنام، ودرس الرسم الشرقي في قسم الفنون بجامعة سيول الوطنية.
وفي عام 1961، وهو لا يزال طالباً، شارك في المعرض الفني الوطني الكوري بعمله «جانغ»، الذي يصور ورشة حدادة، وحصل على جائزة خاصة.
ثم حصل على الجائزة نفسها ثلاث سنوات متتالية، ليصبح أصغر فنان يُختار فناناً موصى به.
لكن طريقه لم يكن طريق فنان منعزل داخل مرسم.
فقد شارك، خلال سنوات دراسته، في ثورة 19 أبريل 1960، وأصيب برصاصة في ساقه.
وبعد عام، حين قدم لوحته التي تصور ورشة الحدادة، لم يكن يريد فقط عرض مهارته الفنية.
كانت الحدادة عنده استعارة.
كان العالم، في نظره، يحتاج إلى إعادة شحذ، مثل قطعة من الحديد فقدت حدتها.
وكان يقول إنه لم يكن يحلم بأن يصبح رساماً مشهوراً، وإنما أراد أن تصل رسالته إلى الطلاب والناس.
كان الفن بالنسبة إليه وسيلة للتأثير، لا وسيلة للشهرة.
من الحديد إلى الأرض
كان جده قد ترك في وجدانه صورة بسيطة وعميقة: قطع الحديد المتناثرة يمكن جمعها وتحويلها إلى أدوات زراعية تنتج الغذاء وتخدم الإنسان.
ومن هذه الفكرة تشكل جانب من فلسفته الفنية.
فالفنان، في رأيه، لا يكتفي بالنظر إلى الأشياء المبعثرة؛ بل يجمعها، يعيد تشكيلها، ويمنحها معنى جديداً.
وهكذا أصبحت الحدادة في لوحاته أكثر من مشهد من الحياة اليومية.
كانت صورة لعالم يمكن إصلاحه.
دوكدو.. حين تتحول الأرض إلى ثقافة
ثم جاءت دوكدو.
زارها لي جونغ-سانغ للمرة الأولى عام 1977، وظلت الجزيرة حاضرة في فنه لعقود.
رسم صخورها، أمواجها، ضبابها، شروق الشمس فوقها، وتلك العلاقة العميقة بين البحر والأرض والسماء.
وكان يقول:
«أمّ الخريطة هي المنظر الطبيعي.»

هذه العبارة تختصر جانباً مهماً من مشروعه.
فهو لم يرَ دوكدو مجرد قضية سياسية أو جغرافية، وإنما رأى فيها موضوعاً فنياً وثقافياً وذاكرة حية.
كان يريد أن يرسمها الكوريون، وأن تصبح حاضرة في وجدانهم عبر الفن.
وكان يسمي ذلك «توسيع الإقليم الثقافي».
لقد أدرك أن الأرض لا تُحفظ بالخرائط وحدها، وإنما أيضاً بالقصائد واللوحات والصور والذاكرة.
من دوكدو إلى غوغوريو
لم تتوقف رحلته عند دوكدو.
امتدت الريشة إلى غوغوريو، إلى الجداريات القديمة في المقابر، حيث بقيت على الجدران صور الإنسان والحيوان والسماء والحياة اليومية منذ قرون بعيدة.
وكان اهتمامه بجداريات غوغوريو عميقاً إلى حد أنه تعرض بسبب ذلك للاستجواب والاتهام، وقيل عنه إنه فنان اشتراكي.
لكنه لم يتراجع.
وفي عام 1999، زار كوريا الشمالية بدعوة منها، وشاهد بنفسه جداريات مقابر غوغوريو، ومنها جداريات دوكهونغ-ري.
هناك، بدا التاريخ وكأنه يمد يده إلى الفنان.
ولهذا قال عبارته التي تختصر مسيرته كلها:
«من دوكدو إلى غوغوريو، كانت يدي تتوق إلى الرسم.»
ليست العبارة وصفاً لموضوعين فنيين فحسب.
إنها اعتراف بفنان كان يشعر أن أمامه تاريخاً واسعاً لم يُرسم كله بعد.
عندما يصبح البورتريه حواراً مع الموتى
حتى عندما كان يرسم الوجوه، لم يكن لي جونغ-سانغ يبحث عن التشابه وحده.
كان يريد أن يصل إلى الإنسان الذي يسكن وراء الملامح.
ولهذا كان يرى أن رسم صورة لشخص راحل يتطلب أكثر من معرفة شكل وجهه.
عندما رسم صورة الشاعر والرسام غوسان يون سون-دو، استعان بمعلومات عن عظامه وعظام والديه وشقيقه، واستخدم تقنيات ثلاثية الأبعاد للمساعدة في استعادة ملامحه.
لكنه لم يكتفِ بالتقنية.
كان يقرأ كتابات يون سون-دو، ويشعل البخور، ويحاول أن يقترب من روحه.
كان يؤمن بأن الفنان، لكي يرسم إنساناً رحل، عليه أن يدخل معه في حوار.
أن يعرفه.
أن يصغي إليه.
ثم يبدأ الرسم.
كان يقول، في جوهر تجربته، إن اليد لا تستطيع أن ترسم ما لم تلمس الروح أولاً.
اللوحة تبدأ قبل الفرشاة
في مرسمه بحي بيونغتشانغ دونغ في سيول، كان لي جونغ-سانغ يشرح لوحاته كما لو أنه يحكي سيرة حياة.
لم يكن يشرح كيف رسمها فقط، بل لماذا رسمها.
وكان يؤمن بأن الفنان يجب أن يراقب موضوعه طويلاً، وأن يتحقق من الحقائق التاريخية، وأن يفهم الشخصية أو المكان قبل أن يضع الفرشاة على القماش.
فاللوحة، في نظره، لا تبدأ عندما تلامس الفرشاة السطح.
إنها تبدأ قبل ذلك بكثير؛ في البحث، والتأمل، والإنصات، والذاكرة.
ييسان.. عودة الفنان إلى الجذور
كانت علاقة الفنان بمسقط رأسه ييسان تمر أحياناً بمراحل من البعد.
لكن تشوي سونغ-وو، عمدة ييسان آنذاك، سعى إلى إعادة الصلة بين الفنان وموطنه، ودعاه إلى العودة وتكريمه.
ومن هنا بدأت مشروعات تتصل بترميم بيت الفنان الأصلي وإنشاء متحف تذكاري له.
وفي عام 2012، شارك الفنان وزوجته في اجتماع حول مشروع المتحف.
وكانت العودة إلى ييسان أشبه بعودة الدائرة إلى بدايتها: الطفل الذي أمسك بالقلم في بيت أبيه، عاد فناناً كبيراً إلى المكان الذي شهد ميلاد عينه ويده.
الوجه على العملة.. ذاكرة في جيب كل إنسان
ربما لا يوجد فنان كوري آخر دخل إلى حياة الناس اليومية كما دخل لي جونغ-سانغ.
فصور شين سايمدانغ ويي يولغوك اللتان رسمهما ظهرتا على العملة الكورية.
وكان الفنان يرى أن العملة ليست مجرد وسيلة للتبادل المالي، بل ملكية ثقافية مشتركة للدولة.
إنها تنتقل بين أيدي الملايين، وقد تبقى في التداول عقوداً.
ولهذا يجب أن تكون الصورة التي تحملها جديرة بهذه المكانة.
وكان يمزح أحياناً قائلاً إنه ربما كان أكثر فنان يرى الناس أعماله يومياً، لأنهم يحملونها في محافظهم.
وراء المزحة كانت توجد حقيقة فنية وثقافية عميقة:
لقد أصبح الفن جزءاً من الحياة اليومية.
الأصالة قبل التقليد
كان لي جونغ-سانغ شديد الاهتمام بفكرة أصالة الفن الكوري.
لم يكن يريد للفن الكوري أن يكون مجرد نسخة من الفن الغربي.
كان يرى أن الحداثة يمكن أن تنبع من داخل التراث نفسه.
ولهذا درس الرسم الشرقي، والمواد التقليدية، والورق الكوري، والتقنيات المختلفة، وواصل البحث في علاقة الإنسان بالطبيعة والكون.
وفي أعماله، لم يكن التراث شيئاً ماضوياً ينبغي وضعه في متحف وإغلاق الباب عليه.
كان التراث بالنسبة إليه مادة حية، يمكن أن تنفتح على المستقبل.
حين دخل الدين إلى المرسم
بعد وفاة ابنته قبله، اعتنق لي جونغ-سانغ الكاثوليكية.
ثم كُلف بإنجاز مجموعة من الأعمال التي توثق حياة الشهداء المسيحيين في متحف فن الشهداء في شينري بمدينة دانجين.
لم يتعامل مع المشروع كتكليف عابر.
استغرق العمل سنوات.
وكان يريد أن تكون اللوحات وثائق تاريخية وفنية ودينية في آن.
كان يحلم بأعمال يمكن أن تبقى مئات السنين، كما بقيت جداريات غوغوريو.
ولهذا بحث في المواد والتقنيات، وصنع حتى فرشاة خاصة من الخشب لاستخدامها في الرسم الأولي.
وعندما كان البعض يطلب منه الإسراع في إنجاز اللوحات، كان يجيب بمعنى واضح:
«هل تأتي اللوحة إلى الوجود بهذه السهولة؟»
كان يعرف أن اللوحة التي تريد أن تعيش طويلاً تحتاج إلى وقت يليق بحياتها المقبلة.
وقد كرّس أربع سنوات لهذا المشروع، حتى افتتح متحف فن الشهداء عام 2017.
«الأستاذ الذي يسكن القلب»
كانت لي جونغ-سانغ علاقة خاصة بالصحافة الثقافية وبجمعية الصحفيين الآسيويين.
وفي عام 2014 شارك في فعالية حملت عنوان «استضافة أستاذ القلب».
كانت كوريا يومها تعيش حالة حزن عميق عقب كارثة العبارة «سيول».
وفي تلك المناسبة تحدث الفنان عن الصورتين اللتين رسمهما على العملتين، وعن المصادفة النادرة التي جعلته يرسم الأم والابن: شين سايمدانغ ويي يولغوك.
وكان يمزح مع الحاضرين، ويعدهم بعملات تحمل توقيعه.
حتى في الأوقات المثقلة بالحزن، كان يعرف كيف يمنح الناس لحظة ابتسام.
وهذه أيضاً موهبة.
هدية إلى قراء آسيا

في رأس السنة الكورية عام 2017، أرسل لي جونغ-سانغ إلى قراء AsiaN لوحة تصور شروق الشمس فوق دوكدو وديكاً منتصباً.
وكانت في اللوحة تحية للعام الجديد، ودعاء بأن يحمل صياح الديك البركة والنجاح.
كما تمنى لمجلة AsiaN أن تحقق أحلامها.
لم يكن الفنان بعيداً عن الصحافة والثقافة.
كان قارئاً لـAsiaN وMagazine N، وكان يتابع مسارهما، ويسأل عن المستقبل، ويشجع القائمين عليهما.
كانت لديه قدرة نادرة على الجمع بين الفنان الكبير والإنسان القريب.
إرث اليد التي لم تتعب
رحل لي جونغ-سانغ، لكن يده لم ترحل.
ستظل حاضرة في صور العملة التي تمر من يد إلى يد.
وفي صخور دوكدو.
وفي أمواج البحر.
وفي جداريات غوغوريو.
وفي وجوه الشخصيات التاريخية.
وفي أعمال الشهداء.
وفي كل لوحة حاول من خلالها أن يحفظ شيئاً من الزمن قبل أن يضيع.
لقد عاش الفنان وهو يعتقد أن مهمة الفن ليست تزيين العالم فقط.
الفن، عنده، يمكن أن يكون ذاكرة، وشهادة، وموقفاً، وجسراً بين الإنسان والتاريخ.
ومن هنا تبدو تجربته قريبة من روح طريق الحرير الثقافي: أن تتنقل الحضارات عبر الفن، وأن تعبر الذاكرة من شعب إلى آخر، وأن يصبح الجمال وسيلة لحفظ ما صنعته الإنسانية.
وداعاً يا صاحب اليد الظامئة إلى الرسم
كان لي جونغ-سانغ يرى العالم بعين الرسام، لكنه لم يكتفِ بأن يراه.
كان يريد أن يحفظه.
أن يلتقط منه لحظة.
أن ينقذ وجهاً من الغياب.
صخرة من النسيان.
جزيرة من الصمت.
وجدارية من أن تغلق عليها القرون أبوابها.
لهذا كانت يده، من دوكدو إلى غوغوريو، لا تكف عن التوق إلى الرسم.
واليوم، وقد توقفت اليد، بقيت اللوحات تتكلم.
بقي البحر.
بقيت الأرض.
بقيت الوجوه.
وبقي التاريخ، وقد وجد في الريشة شاهداً أميناً عليه.
وداعاً، أيها الفنان لي جونغ-سانغ.
لقد تركت لنا ما هو أبقى من الصورة:
تركت لنا ذاكرةً مرسومة.

د. أشرف أبو اليزيد
رئيس تحرير «طريق الحرير اليوم»






