الأمثال الشعبية في المنطقة الشرقية للمملكة المغربية … حين تتحول الذاكرة الشعبية إلى كتاب

حليمة الإسماعيلي

صدر حديثًا للباحثة المغربية حليمة الإسماعيلي كتابها الثامن بعنوان «الأمثال الشعبية في المنطقة الشرقية للمملكة المغربية»، عن معهد الشارقة للتراث، في إصدار يندرج ضمن الجهود العلمية الرامية إلى توثيق الموروث الشعبي العربي وصون الذاكرة الشفوية من الاندثار.

ويفتح الكتاب نافذة على الثقافة الشعبية في المنطقة الشرقية للمملكة المغربية، من خلال جمع الأمثال المتداولة ودراستها، باعتبارها نصوصًا حية تختزن تجارب الناس، وحكمتهم اليومية، ونظرتهم إلى الحياة والعلاقات الاجتماعية والعمل والإنسان والمجتمع.

وتنطلق الإسماعيلي في مقدمة عملها من المكانة المتنامية التي أصبحت تحظى بها الدراسات الشعبية، وما يرتبط بها من أمثال وأزجال وحكايات وفنون فولكلورية. وترى أن هذا المجال لم يعد مجرد جمع لمادة تراثية، بل أصبح حقلًا معرفيًا خصبًا يلتقي فيه الجانب النظري بالجانب التطبيقي، مستفيدًا من المناهج الحديثة في دراسة النصوص والمرويات الشعبية.

وفي هذا السياق، تشير المؤلفة إلى حضور المنهج البنيوي والمنهج السيميائي في الدراسات الشعبية، وإلى الدور الذي مثّله كتاب فلاديمير بروب «مورفولوجية الحكاية» في تطوير دراسة الحكاية الشعبية وفق رؤية بنيوية، قبل أن يسهم كلود ليفي-شتراوس في تطوير هذا الاتجاه وتوسيع آفاقه.

غير أن القيمة الأبرز للكتاب تتمثل في انتقاله من التنظير إلى المادة الشعبية المحلية؛ فالأمثال التي تتناولها الإسماعيلي ليست مجرد عبارات مأثورة، وإنما شهادات مكثفة على حياة المجتمع، وطرائق تفكيره، وقيمه، ومواقفه من مختلف شؤون الحياة. ومن هنا يصبح المثل الشعبي وثيقة ثقافية ولغوية واجتماعية، تحفظ جانبًا من التجربة الإنسانية التي تناقلتها الأجيال شفهيًا.

وتصف المؤلفة مشروعها بأنه محاولة لـ «نبش الذاكرة الشعبية للمنطقة الشرقية»، عبر توثيق الأمثال المتداولة، بهدف حفظ هذا الإرث الشفهي من الضياع وإبرازه بوصفه مرآة صادقة لثقافة الناس وحكمتهم اليومية. كما تقدم في الكتاب دراسة لسانية لهذا الموروث، بما يتيح قراءة الأمثال ليس فقط باعتبارها تعبيرات شعبية، وإنما بوصفها مادة غنية لدراسة اللغة في سياقها الاجتماعي والثقافي.

الأم بوصفها مصدرًا للذاكرة

يحمل الكتاب بعدًا شخصيًا مؤثرًا في طريقة جمع مادته وتكوّنها؛ إذ تكشف حليمة الإسماعيلي أن والدتها كانت مصدرًا رئيسيًا لجزء كبير من المادة المروية التي شكّلت نواة الكتاب.

وتقول المؤلفة في منشورها بمناسبة صدور الكتاب إن لكل كتاب «أمًّا ثانية»، لكنها في هذه التجربة جعلت والدتها الأم الأولى للكتاب، لأنها زودتها بجزء كبير من الموروث الشفهي الذي اعتمدت عليه في بناء مادته.

وقد جاء الإهداء في الكتاب تعبيرًا عن هذا الامتنان:

««إلى من رعت روحي ولازالت ترعاها
إلى من كانت وراء ميلاد هذا الكتاب:
أمي الحبيبة.»»

ويمنح هذا الإهداء العمل بعدًا يتجاوز البحث الأكاديمي؛ فالكتاب هنا لا يوثق أمثال منطقة جغرافية فحسب، بل يستعيد أيضًا ذاكرة عائلية وشخصية، تنتقل من الأم إلى الباحثة، ومنها إلى صفحات الكتاب، ثم إلى القارئ والأجيال المقبلة.

الكتاب الثامن في مسيرة المؤلفة

يمثل «الأمثال الشعبية في المنطقة الشرقية للمملكة المغربية» الكتاب الثامن في مسيرة حليمة الإسماعيلي، ويؤكد اهتمامها المتواصل بالثقافة الشعبية واللغة والذاكرة المحلية.

ويأتي صدوره عن معهد الشارقة للتراث ليضع هذا الموروث المحلي ضمن فضاء عربي أوسع، ويمنح الأمثال الشعبية في شرق المغرب فرصة جديدة للوصول إلى الباحثين والقراء والمهتمين بالتراث الشفهي.

ومن خلال هذا العمل، تؤكد الإسماعيلي أن الموروث الشعبي ليس ماضيًا منقطعًا عن الحاضر، بل ذاكرة حية يمكن أن تسهم في فهم المجتمع وثقافته وهويته. فالمثل، على قصره، يحمل في داخله تجربة طويلة، وتراكمًا من الحكمة الشعبية، وصورة عن الإنسان الذي صاغه وتناقله وحفظه عبر الزمن.

وبذلك يلتقي في الكتاب التوثيق بالتحليل، والذاكرة الشخصية بالذاكرة الجماعية، واللغة بالثقافة، لتصبح الأمثال الشعبية في المنطقة الشرقية للمملكة المغربية مادة للبحث، وفي الوقت نفسه سجلًا نابضًا بوجدان الناس وحياتهم اليومية.

Related Posts

Interview with Paola Carletti, conducted by Gioia Lomasti

Vetrina delle Emozioni This blog was born from the meeting between Authors and Artists. It is a place where music, writing, and above all poetry find a showcase capable of…

أولوغبيك يسداوليتوف (قصائد مختارة)

أولوغبيك أورازبايولي يسداوليتوف شاعر وكاتب ومسرحي ومترجم كازاخي بارز، وُلد في 24 أبريل 1954 في منطقة زايسان بشرق كازاخستان. تخرّج في كلية الصحافة بجامعة الفارابي الوطنية الكازاخية، ثم واصل دراسته…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *