أولوغبيك يسداوليتوف (قصائد مختارة)

أولوغبيك أورازبايولي يسداوليتوف شاعر وكاتب ومسرحي ومترجم كازاخي بارز، وُلد في 24 أبريل 1954 في منطقة زايسان بشرق كازاخستان. تخرّج في كلية الصحافة بجامعة الفارابي الوطنية الكازاخية، ثم واصل دراسته في الدورات العليا بمعهد مكسيم غوركي للآداب في روسيا. ومنذ بداياته المبكرة، اختار الأدب طريقًا للحياة، فأصدر كتابه الأول وهو في العشرين من عمره، قبل أن ينضم عام 1982 إلى اتحاد كتاب الاتحاد السوفيتي واتحاد كتاب كازاخستان.

يمتد عالم يسداوليتوف الإبداعي بين الشعر والمسرح والترجمة والكتابة الاجتماعية، وقد تميّز شعره بتحوّل لافت بين حساسية غنائية شفيفة في قصائده المبكرة، تستلهم الطبيعة وتربط جمالها العابر بعالم الروح الإنسانية، وبين نبرة وطنية قوية في أعماله اللاحقة، تحمل في داخلها توتر المقاومة ومفارقات التاريخ وصوت النضال. ويُعد من أبرز رواد الشعر المرسل والشعر الحر في الأدب الكازاخي، وقد رسّخ عبر تجربته إمكانات جديدة للإيقاع والصورة والتعبير الشعري.

ترك يسداوليتوف نتاجًا أدبيًا واسعًا، من أبرز محطاته ديوانه في مجلدين الصادر عام 2004، ومجموع أعماله في خمسة مجلدات عام 2006، ثم أعماله المختارة في ثلاثة مجلدات عام 2014. كما كتب ليبريتو أوبرا «بيبرس»، ومسرحية «الفالنكي السوداء»، والدراما الشعرية «زيري» التي دخلت في ذخيرة عدد من مسارح جمهورية كازاخستان.

وفي مجال الترجمة، فتح يسداوليتوف الشعر الكازاخي على آفاق واسعة من الأدب العالمي، فنقل إلى الكازاخية أعمالًا لشعراء كبار من بينهم هاينه، والرومي، والفردوسي، وباشو، وملا بناه واقف، وليرمونتوف، وبلوك، إلى جانب شعراء من الهند وتركيا والعالم العربي وكوريا وشعوب السخا. وفي المقابل، انتقلت قصائده إلى لغات عديدة، منها التركية والصينية والروسية والقرغيزية والأوزبكية والأذربيجانية والفارسية الطاجيكية والمنغولية والسخية والإسبانية والرومانية والإنجليزية والفرنسية واليابانية.

وتشهد عناوين كتبه المترجمة على الحضور الدولي لتجربته؛ فقد صدرت أعمال له في باريس ولندن وبكين وأنقرة وأولان باتور وباكو وبيشكيك وطشقند وبوخارست ودوشانبي وياكوتسك. ومن بينها كتاب اللباد بالفرنسية في باريس عام 2019، وكلمات من الشرق بالإنجليزية في لندن عام 2021، وكتاب اللباد بالصينية في بكين عام 2014، وشارع أولوغبيك وأغاني الجبال والسهوب بالأذربيجانية، وسحر الكلمة بالرومانية، فضلًا عن ترجمات أخرى إلى لغات آسيا وأوروبا.

حصد يسداوليتوف خلال مسيرته عددًا كبيرًا من الجوائز والأوسمة، من بينها جائزة اتحاد الشباب في كازاخستان عن القافلة البيضاء، وجائزة «آلاش» الأدبية عن زمان-آي، وجائزة الدولة لجمهورية كازاخستان عن كتاب اللباد، ولقب الجدارة في كازاخستان، إلى جانب ميداليتي يسينين وتولستوي، وشارة الشرف الأوراسية «عالم أوراسيا في القرن الحادي والعشرين»، وجائزة الاستقلال، وميدالية سارنوغاييف الذهبية في قيرغيزستان. كما فاز بالميدالية الذهبية لمهرجان الشعر الدولي في أولان باتور عام 2017، وبميدالية إمينسكو الذهبية في مهرجان كرايوفا الدولي للشعر في رومانيا عام 2022، وبالجائزة الكبرى لمهرجان الشعر الدولي السادس في بواو بالصين عام 2024؛ وجائزة البردية الذهبية من سلسلة إبداعات طريق الحرير؛ الماتي؛ 2026

ويحتل يسداوليتوف مكانة مؤسسية وأكاديمية بارزة؛ فهو أكاديمي مدى الحياة في أكاديمية اليونسكو للثقافة والفنون، والمنسق الوطني لحركة الشعر العالمية، وعضو نادي القلم الكازاخي، وعضو كامل في أكاديمية الصحافة الكازاخية، كما يحمل صفة الأستاذ الفخري في جامعتي آييزوف وشاكاريم الحكوميتين. ووفقًا لمسح أجرته «البوابة الأدبية» عام 2011، أُدرج ضمن أبرز عشرة شعراء في كازاخستان خلال العقود الستة السابقة، كما اختير عام 2021 ضمن ثلاثين اسمًا للاحتفاء بالذكرى الثلاثين لاستقلال كازاخستان.

وهكذا تتجلى تجربة أولوغبيك يسداوليتوف بوصفها جسرًا بين القصيدة والوطن، وبين الذاكرة الكازاخية والفضاء الشعري العالمي؛ شاعرًا يرى في اللغة بيتًا للهوية، وفي الترجمة طريقًا للتعارف بين الشعوب، وفي الشعر قدرةً على حفظ ما يوشك الزمن أن يبدده.

أولوغبيك يسداوليتوف

قصائد مختارة

ترجمة

عماد محمود طحينة

كلمة المترجم

“الشاعر الإنسان”   

ليس من السهل على المرء أن يتناول بالوصف شخصية وإبداع شاعرٍ عظيم بحجم أولوغبيك يسداوليتوف…

قد تبدو كلماتي عادية واعتيادية لتقديم إلى القارئ العربي “القصائد المختارة”… إلا أن الأمر يتعدى ذلك بكثير، فمن يعرف عن قرب أولوغبيك الإنسان، يشعر بغنى وتنوع شخصيته… 

كيف لا وهو ابن واحدة من أجمل بقاع كازاخستان، حيث تزخر الطبيعة بتنوع ألوانٍ ساحر… بحيرات، جبال، أنهار، أشجار… 

كيف لا وهو ذاك الكازاخ الذي ولد وترعرع وسط أناس بسطاء لم تتمكن نوائب الحياة من أن تمحو فيهم ما توارثوه عن أجدادهم من أنفةٍ وجودٍ ونقاءٍ ووفاء…

على الرغم من أنني كنت قبل أعوام قد تعرفت على إبداع أولوغبيك يسداوليتوف ضمن ما قمت ترجمته إلى العربية من قصائد لشعراء كازاخستان ضمن “موسوعة الأدب الكازاخستاني”، إلا أن عدد لقاءاتي معه لم يتجاوز أصابع اليد الواحدة، استطاع من خلالها أن يترك لدي انطباعات مشرقة لم تدعني أفكر عند اقتراحه لي لنقل إلى العربية مجموعة من أشعاره.   

عندما بدأت الغوص في العالم الشعري لأولوغبيك يسداوليتوف، أدركت أن مكنوناته هي تجسيد لشعبٍ بأكمله، ففيها تتألق الروح الكازاخية بكل تجلياتها من تقاليدٍ وعادات وتاريخٍ وحاضر ومستقبل… أدركت أن الكلمة بالنسبة له هي، كما وصفها، عالمٌ لا تقل رحابته عن السهوب الشاسعة، بل هي كل شيء:

رأيتُ الكلمةَ. صادَقْتُها.

وقعتُ في حبها. مشيتُ مقتفياً أثرها.

سكرتُ من سمّ الكلمة، كدتُ أن أموت.

وبعد أن ذقتُ عسل الكلمة – رجعت إلى الحياة.

من الكلمات حصلتُ على اللهب، وطهوت الطعام.

سكبتُ الرصاص من الكلمات، وضربتُ به الأعداء.

مع الكلمة-الراية ذهبتُ إلى الغزوات،

من الكلمات حاكمتُ، وسامحتُ، وأعدمتُ.

آمنت بالكلمة. بالكلمة بدأتُ أذبل.

من كلماتٍ من أجل الكلمات كنتُ مستعداً لأن أموت.

أصبتُ بالكلمة-الطلقة، فسقطت في الكلمات

لأُبْعَث بالكلمة، وأتلاشى بالكلمة.

تمسَّكتُ بالكلمة في صراعٍ غير متكافئ،

بقيتُ بلا كلمات. استسلمتُ لنفسي.

وأخيراً ضجرت الكلمة الجامحة

التي افتقدها في مصيري.

بالإضافة إلى ما يميز شعر أولوغبيك يسداوليتوف من نقاء وأصالة وعمقٍ وذوق، فهو يلامس قلب ومشاعر قارئه بما يحمله من جزالةٍ وصورٍ ومعانٍ، فكأن الكلمة بيده “فانوس سحريّ”، ما أن “يحكَّه” حتى تخرج منه “جنيّة الشعر” التي تسحر القارئ وتحمله على “بساط الريح” متنقلة به بين سحر الطبيعة وغدرها، بين الخير والشر، بين العدل والظلم، بين الحزن والفرح، بين التشاؤم والأمل…ولا تتركه أسيراً لتاريخٍ وماضٍ، بل تضيء له درب المستقبل المشرق…

عمدنا في النسخة العربية من مجموعة القصائد هذه إلى شرح في الحواشي لبعض المسميات والمفردات، مما يجعل منها نافذةً واسعة يطل من خلالها القارئ العربي على بلاد السهوب الشاسعة، وعلى الروح الكازاخية الأصيلة، وعلى عالمِ إنسانٍ وجد في الشعر رسالته السامية: 

عندما أرحل، لا تبكي، لا تندبي.

يكفي أن تقولي: “كان شاعراً.”

الله سيغفر لي، وإذا لم يحصل ذلك،

فلا تدقي باب المحكمة بحفنة من الحجج.

لا ترسمي نجوماً ولا أشواكاً على جبيني.

لا حاجة إلى المخمل، ولا إلى الديباج.

“كان شاعرا”، -قُوليها إن تحمَّلتي،

وإن استطعتي – الأفضل أن تصمتي.

القدوم – الرحيل. لدينا جميعاً مثل هذا المصير.

لا تنتظري مني تحيات من السماء.

لا تبكي، لا تنادي، لا تسحري، لا تتعذبي.

عند الحاجة – سآتي بنفسي إليك في المنام.

لا حاجة إلى تماثيل، ولا إلى شواهد غرانيتية.

على كل الأسئلة هناك إجابة واحدة.

الحبُ والاعترافُ والذاكرةُ … – مدمجة

في عبارة واحدة فقط: “لقد كان شاعراً”

        

المترجم:  عماد محمود طحينة

عقب أخيل

لم أكن أعرف قوة الجاذبية

ولم أكن أؤمن بتشابه الدوافع،

وأن شيئاً سيجذبني إلى الفخ،

كما لو كام يجذبني إلى مسرح الجريمة.

هل سيُغفَر لي في وقت ما؟ 

هل ستُسمعُ الصلوات

عن خطيئتي – عن جهلي

بغموض تقلبات القدر؟ ..

اعتدتُ أن أَلحَّ في طلبي من الله،

والآن هجرتني تلك الغطرسة.

حطام مقياس زلازل روحي:

 (كارثة، أيها الناس، كارثة! ..

“بابل! .. نيويورك! .. الأرض! الأرض!…”) 

النجدة! خطر! أنا مركز الزلزال.

ليتني كنتُ أبكر قليلاً، ليتني كنتُ أدق قليلاً 

في فهم خارطة أماكن الضعف…!

لقد فات الآوان: الآن أنا لتلك الفتاة –

زوجٌ، أبٌ، حدَّادٌ … راعي غنم.

كنت على حق يا أخيل: موطن القلب في الكعب.

وإذا كانت معركة مميتة  تنتظرني،

سأصرخ: “الآن إلى هنا، يا أحصنة طروادة!

هدِّفوا نحو الصدر! إلى اليسار، حيث يدق…”

آه، الغابة تُظلمُ عند الغروب 

آه، والغابة تقعقع وتصفر،

آه، والسلبةُ بعد أن تخلصت من الصنارة، نذلة،

تلوّح لي بذيلها مودِّعةً…

لم يعرف العالم مثل هذه الأسطورة  من قبل…

آه، والأيل يغمغم لي ليخفيني،

آه، والثعلبُ يضبحُ مستهزئاً…

عفريتُ الغابة سيهلكني في الأدغال.

*****

قدَرُ الشُّعراء

“طيري بشكل أسرع!

طفلك لدغه ثعبان”، – 

سمعت الأم هذا الخبر المروع.

من الإصبع المتورم

امتصت السم كلَّه-

والقوة السوداء غادرت جسم الطفل.

كان الطفل مستلقياً على حصيرة شعر،

لكن الظلمة تراجعت،

والحياة عادت – معجزة عظيمة،

وأمام عيني الأم 

كانت قبة السماء تدور،

 بعد أن سقطت من على ظهر الجمل الذهبي.

يا دنياي، أنت يا طفلي. وفي تلك اللحظة المصيرية

حيث لن يكون هناك المزيد من الدقائق لإنقاذِك،

بشفاههم يتشبث الشعراء بيدك الباردة 

ويمتصون السم كلَّه،

ويؤدّون مهمتهم.

*****

السُّهوب

السهوب رحابةٌ بلا حدود.

هنا، وسط الشيح الأبيض،

حتى الوقت

يتعب من الحركة…

الجميعُ يعلم:

سيسرع الزمن ذات مرة، 

ليدخل إلى اليورتة المستديرة.

مثل قمرٍ، يتألَّق الرِكاب. 

وهل الزمن مطيعٌ لنا؟

هناك الكثير من اليورتا – الدرب طويل.

فليحل ضيفاً –

الراعي لا ينام:

عندما يقطع أراضي السهوب،

ليستريح الزمن قليلاً…

*****

القرية والمدينة

ربما جميع القرى في المستقبل 

تتحول إلى مدن-معجزات.

سيُدمَّر الإنسان القرى

وينساها إلى الأبد.

و، للأسف، في الحظيرة وليس في المرعى

سترعى في الصيف الخيول،

فقط في أحلامها سترى السماء،

والراعي الرشيق، والحرية.

أعصاب الإنسان –

أين الفولاذ منها…

التقنية تقلق العقل العنيد.

أولئك الذين يطيعون أوامرها

لا يأسفون لا على القرى، ولا على الأرض.

عند زيارته المتحف في هذه المناسبة،

ومشاهدته اليورتة تحت طبقة من الغبار،

يصرخ الأخرق بغرور:

“يا إلهي، في أية أكواخ كانوا يعيشون…”

ويحصل على مكافأة وجائزة 

مَن تصبح له الأرشيفات خيطاً 

إرشادياً إلى اكتشاف جريء

أن الشراب كان كوميس.

وحده الأسفلت، حيث تدوس.

لكن من الضروري لشخص ما

أن يميز، إلى جانب رائحة الحريق، والدخان،

عبق توابل السهوب الليلية.

يدغدغ نسيم السهوب

جفون الناس وشفاههم وحواجبهم ووجناتهم،

ويقول لهم: “تعالوا واتبعوني”،

محولاً المدن إلى قرى.

*****

تيـار الخليج الدافئ

ستعود إلى موطنك، لكنك ستخفف فرحتك. 

قال أبي عند الباب وهو ينظر متجهماً:

“إذا كنت لا تجيد كتابة رسائل إلى أهلك،

فبالشعر أنت تعذِّب نفسك دون جدوى!”

أتذكر أن أبي اعتاد أن يكون مقداماً ومرحاً،

والآن يأتي الحزن والتأمل إلى أبي –

مثلما تمرُّ أمواج البحر الباردة

على وجهٍ صلبٍ كصخرة.

ربما أنههكه الحِمل الثقيل،

ربما أصبحت الشيخوخة تحدِّق في عينيه؟

عندما ذات مرة فقد ابنه الأكبر،

أصبح أبي متجهماً وكئيباً منذ ذلك الحين.

صقيع أبيض على صدغيه، وشفتاه متدليتان،

ظلال سحب سوداء تحت حاجبيه طوال الأيام …

غريب أن ترى كيف أصبح الوجه المحب للحياة

شبيهاً للمحيط المتجمد الشمالي.

“ولد حفيد!” – مؤكِداً أبدية الحياة،

رفع الخبر حاجبيه، وقوَّم كتفيه، –

وأصبح وجه أبي أكثر دفئاً، مؤكداً:

أن في المحيط تيار دافئ!

*****

القمح الأحمر

يا جدي، كنتَ حرَّاثاً ماهراً، وحرفتك

وهبتها للأرض بروحك ويديك. وفوقك ارتفع 

ونما على الربوة قمح أحمر،

كنت تمسِّد خصلاته الحادة…

“لأرضك الأم سواء كنت حراثاً أو شاعراً،

لمن ستكون راعياً، هي لا تهتم،

أدرك في الأرض نفسها تكمن السعادة…

حقاً ترقد فيها دون أن ترى النور؟”

“أنا-حلم جدك الأبدي” في طفولتي

همس القمح الأحمر لي.

ولم أتمكن من أنجو من استياء جدي مني،

لأنني لم آخذ المعزقة بيدي بالوراثة.

لماذا إذن، عندما حرثتَ أنتَ وزرعتَ، وأنت تعلم كل شيء عن الموت،

لم تخبرني أن هناك موتًا في الدنيا،

ولماذا لا تقبل انحنائي البائس

شاهدةُ القبر التي صدّت الدهر والريح؟

هل ترقدُ يداك هناك في التراب خاملةً؟

وبالقرب نبتَ القمح الأحمر،

نما من خلال الحجر الأصم…

كم أفتقد كفيَّ جدي الحنونتين!

أيها القمح الأحمر، مسّد على رأسي

*****

سائق عربة الحياة

1

يهطل الثلج وينهمر من السماء …

مثل قشعريرة ضالةٍ، تسحبُ بهدوءٍ

راكبين على المزلقة في الثلج.

الغيمة تبذر دقيقاً ثلجياً…

جدي، عندما أصبح متعذراً

النظر إلى السهوب، فالظلام مخيمٌ في كل مكان، 

أعطاني اللجام بيدي،

وتدثَّر هو في معطف من جلد الغنم.

صرخ قائلاً: “قُدْ”، – والضوء بعد أميال،

أمسك المقعد حتى لا نطير،

وانطلقَ الحصان الأشهب،

وبدأت الزلاجة تغني على الثلج.

وجاءت العاصفة الثلجية والرياح، وأظهرا لنا أنهما لا يمزحان،

وجدي يعطس من التبغ، وحلوٌ،

كم هو حلوٌ شعوره في المعطف الدافئ.

الثلج من حوافر الطريق

يتطاير مباشرة إلى وجهي،

وأيدي رياح الشتاء العاصفة

تتسلل إلى عبّي طوال الطريق …

أدركتُ أن أصابعي تتجمد،

وبالكاد أمسكتُ باللجام،

قفازات متجمِّدة، والدموع تحت عينيَّ،

وأنا أرتعش…

2

مسَّتني الشتاءات المجنونة،

لسعني بردها القارس.

كم اصطكت أسناني،

وارتجفت شفتاي!

عاد جدي إلى رشده.

فتح معطفه:

“يا حفيدي، هذا هراء!”

وإلى تحت معطف جدي الدافئ

اندفعت أنا عندها…

والعاصفة الثلجية لا تزال تعوي، تضرب،

الثلج يتصلب، يجتاح الأرض،

بين قلب جدي ومعطفه

تدفأتُ، ذبتُ.

ذلك الدفء، مهما فعلتُ بنفسي،

لحسن الحظ، لم يخرج من داخلي، من جلدي،

الحياة مزلقة بيضاء،

أمسك أنا بلجامها.

أعلمُ أن لدي مصير واحد،

إذا تجمدت في الوقت الحالك،

تفتح ذراعيك يا موطني،

وتكون دوماً مستعداً لتدفئني.

وإذا تجمدت أنت،

سأدفئك دوماً.

*****

Related Posts

100 Libri d’Autore: A Literary Bridge of Words Connecting Authors, Readers

“100 Libri d’Autore”: A Literary Bridge of Words Connecting Authors, Readers and Cultures The Italian cultural project curated by Gioia Lomasti and Emanuele Marcuccio celebrates contemporary literature and creates an…

Память, время, семья, история и Родина

 Критическое прочтение книги Александры Очировой «Русский космизм: Память» Александра Васильевна Очирова — выдающаяся русская поэтесса, философ, общественный деятель, посол доброй воли ЮНЕСКО, академик Российской академии художеств (РАХ), доктор философских наук…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *