الذاكرة والزمن والأسرة والتاريخ والوطن
بقلم الدكتور أشرف أبو اليزيد، مصر
ألكسندرا فاسيليفنا أوشيروفا شاعرة وفيلسوفة وشخصية عامة روسية مرموقة، وسفيرة للنوايا الحسنة لدى اليونسكو، وعضو أكاديمي في الأكاديمية الروسية للفنون، وحاصلة على الدكتوراه في الفلسفة، ومفكرة في شؤون الثقافة، يمتد مشروعها الإبداعي بين الأدب والتاريخ والأبعاد الروحية للحضارة الإنسانية.
تتسم تجربتها الشعرية بانشغال عميق بالذاكرة والزمن والإنسان والوطن واستمرار الصلة بين الأجيال. وفي كتابها “الكونية الروسية: الذاكرة”، تطوّر أوشيروفا هذه الهواجس إلى تأمل شعري ـ فلسفي في الإنسان بوصفه حاملاً للذاكرة الشخصية والتاريخية والثقافية والكونية. وتبحث في الكتاب كيف تقاوم الذاكرة النسيان، وتحفظ خبرة الأجيال، وتصل اللحظة العابرة بالأبدية. وتغدو الأسرة والوطن والتاريخ والإيمان والعالم الطبيعي أبعاداً متشابكة لرؤية أوسع وأعمق.
ولا تتعامل أوشيروفا مع الذاكرة بوصفها مجرد استرجاع للماضي، بل تقدمها قوة حية يظل الماضي بفضلها فاعلاً في الحاضر، فيما يسعى الإنسان إلى العثور على المعنى في اتساع الزمن والوجود. ويزداد الكتاب ثراءً بالرسوم التي أبدعها الفنان الروسي زوراب كونستانتينوفيتش تسيريتيلي.
يصعب التعامل مع كتاب ألكسندرا أوشيروفا “الكونية الروسية: الذاكرة” بوصفه ديواناً شعرياً عادياً. فهو، في آن واحد، كتاب شعر، وتأمل فلسفي، وشهادة روحية، وبحث ممتد في علاقة الإنسان بالكون. أما موضوعه المركزي، أي الذاكرة، فلا يظل محصوراً في حدود التذكر؛ إذ تتحول الذاكرة إلى قوة فاعلة، وإلى ضرب من المعرفة، وواجب أخلاقي، ثم إلى وسيلة لمقاومة الموت.
ويمكن فهم البنية الفلسفية للكتاب من خلال خمسة أعمدة مترابطة: الذاكرة، والزمن، والأسرة، والتاريخ، والوطن. وليست هذه موضوعات خمسة مستقلة، وإنما تشكل بنية واحدة صاعدة. فالأسرة هي حيث تبدأ الذاكرة؛ والتاريخ هو حيث تصبح الذاكرة جماعية؛ والوطن هو حيث تكتسب الذاكرة الجماعية شكلها الجغرافي والثقافي؛ والزمن هو البعد الذي تتحرك خلاله كل هذه التجارب؛ أما الذاكرة فهي القوة التي تحول دون اختزال الزمن لها في النسيان.
ويعلن الكتاب نفسه عن هذه الرؤية بعبارة شديدة المباشرة:
“الذاكرة ــ وحي الخلود،
قوة تهزم الموت”.
ويمكن قراءة هذه العبارة بوصفها الأطروحة الحاكمة للكتاب كله. فأوشيروفا لا تدّعي أن الإنسان يستطيع، من الناحية البيولوجية، الإفلات من الموت. وإنما تقترح أن ما يُحفظ في الذاكرة يدخل نظاماً آخر من أنظمة الوجود. وهكذا تصبح الذاكرة الإجابة الإنسانية عن الغياب.
ويقدم الإصدار الإنجليزي العمل بوصفه تأملاً شعرياً وفلسفياً في الإنسان باعتباره حاملاً للذاكرة التاريخية والثقافية والكونية، واضعاً الوعي الفردي داخل بنى أوسع من الزمن والمعنى. وهنا تحديداً تكمن إحدى أعمق أصالة الكتاب: إنه يبدأ من الحميمي، ثم لا يلبث أن يتسع مرة بعد أخرى نحو الكوني.
أولاً: الذاكرة ــ المبدأ الأول للوجود
إن أهم تحول مفاهيمي في «“الكونية الروسية: الذاكرة” يتمثل في نقل الذاكرة من كونها ملكة نفسية سلبية إلى كونها قوة أنطولوجية، أي قوة متصلة بجوهر الوجود نفسه.
في الاستعمال المعتاد، تبدو الذاكرة متجهة إلى الوراء. أما عند أوشيروفا، فإن الذاكرة تنظر في آن واحد إلى الوراء وإلى الأمام. فهي تستعيد ما غاب، لكنها في الوقت نفسه تمنح ذلك الغياب وجوداً مستمراً. ومن ثم، فالماضي ليس مادة ميتة؛ إنه يظل فاعلاً في الحاضر.
وتؤسس قصيدة “الذاكرة ــ في كامل قامتها” لهذه الفكرة:
“الذاكرة في كامل قامتها ــ
وعلى ركبتيها أمام الله،
في صورة كل العصور،
وفي صورة الأجيال التي مضت إلى الأبد”…
ثم تبلغ القصيدة صيغتها الحاسمة:
“الذاكرة ــ وحي الخلود،
قوة تهزم الموت”.
وتكتسب اللغة اللاهوتية هنا أهمية خاصة. فالذاكرة “على ركبتيها أمام الله”، ومن ثم فإن التذكر ليس مجرد فعل ذهني أو معرفي، بل هو أيضاً فعل أخلاقي وروحي. أن تتذكر يعني أن تعترف بأن للوجود الإنساني قيمة تتجاوز مدته الجسدية.
وتعمّق قصيدة “إرهاص بأنك تقف وحيداً” هذه الفكرة، إذ تقدم الذاكرة بوصفها ما يبقى حين تتلاشى كل الضمانات الخارجية:
“ولا تبقى إلا الذاكرة.
إنها دائماً تستخرج من الماضي
كل ما كان حقاً لك”.
ويغدو الماضي هنا مستودعاً للهوية. وتكتسب عبارة “ما كان حقاً لك” أهمية خاصة؛ فالذاكرة لا تحفظ الوقائع فحسب، وإنما تستعيد العناصر التي يستطيع الإنسان من خلالها أن يتعرف إلى ذاته.
ومن هنا نصل إلى واحدة من المفارقات الأساسية في الكتاب: الذاكرة عزاء وجرح في الوقت نفسه. إنها تنقذ ما غاب، لكنها، لأنها تنقذه، تذكّرنا بأن ما نتذكره لا يمكن أن يعود جسدياً.
ويبلغ هذا التوتر ذروته المؤلمة في قصيدة “الفقد الذي لا يُعوَّض”، التي كتبتها الشاعرة في ذكرى جدتها. تقول المتحدثة في القصيدة:
“عاد كل شيء. ومع ذلك أصبح العالم خاوياً.
والشيء الوحيد الذي لم يعد أبداً ــ هو أنا”.
هنا لا تعيد الذاكرة الشخص المفقود. إنها تستعيد الصور، والأحاسيس، والأمكنة، والآثار العاطفية، لكن الذات التي كانت موجودة قبل الفقد لا يمكن استعادتها.
وهكذا تحفظ الذاكرة الغياب بقدر ما تحفظ الحضور.
ولعل هذه إحدى أكثر بصائر الكتاب نضجاً: أن تتذكر لا يعني أن تهزم الفقد؛ بل أن تمنح الفقد شكلاً يستطيع من خلاله أن يواصل الكلام.
ثانياً: الزمن ــ ملتقى الفاني والأبدي
إذا كانت الذاكرة هي القوة المركزية في الكتاب، فإن الزمن هو إشكاليته الفلسفية الكبرى. ترفض أوشيروفا، مراراً، التصور الخطي المألوف للزمن. ففي شعرها يتداخل الماضي والحاضر والمستقبل. وقد تحتوي دقيقة واحدة على الأبدية؛ وقد تظل لحظة من الطفولة حية عبر عقود؛ كما يمكن لحدث تاريخي أن يظل حاضراً في وعي الأحفاد.
ويعلن عنوان القسم “حيث يكون الزمن أبديةً ودقيقة” هذه المفارقة منذ البداية. وفي موضع آخر تكتب الشاعرة:
“تعريف الكينونة،
وتعذّر بلوغ المطلق،
حيث تسكن الأبدية والدقيقة معاً”.
ليست هذه مجرد مفارقة زخرفية، وإنما هي المبدأ الميتافيزيقي الذي يقوم عليه الكتاب. فأصغر لحظة إنسانية يمكن أن تتحول إلى وعاء للّانهاية.
وفي قصيدة “التقت اللانهاية بدقيقة” تصبح المفارقة أكثر حميمية:
“التقت اللانهاية بدقيقة
على الطريق، عند نهايته تماماً،
حيث لا يستطيع المرء أن ينسى أو يخلط
النظرة الأبدية لوجهٍ حبيب”
إن «الوجه الحبيب» يمنح الأبدية مقياساً إنسانياً. فاللانهاية لم تعد مفهوماً كونياً مجرداً، وإنما تصبح شيئاً يُلتقى به عبر التعرّف، والحب، والذاكرة.
ويجعل القسم اللاحق المكرَّس صراحةً لـ الزمن هذه الفكرة أكثر وضوحاً. تكتب أوشيروفا:
“الزمن هو ما هو كائن، وما سيبقى.
وما كان، كان موجوداً من دوننا أيضاً”.
فالزمن، إذن، أكبر من الفرد. يدخل البشر إليه، ويقيمون فيه مؤقتاً، ثم يغادرونه. لكن الشاعرة تصل الزمن، على الفور، بالذاكرة:
“الزمن هو دقة المقياس المقيس،
ذاكرة الجميع ــ الراحلين والأحياء،
في تواريخ الحياة والموت والميلاد،
مع امتدادها في الأبدية”.
هنا يتحول الزمن إلى أرشيف. فهو يسجل الميلاد والموت، لكن الذاكرة تحول دون أن تتحول هذه السجلات إلى مجرد تسلسل زمني بلا معنى.
والطرح الأعمق لدى الشاعرة هو أن الأبدية لا تلغي الزمن؛ وإنما تتجلّى الأبدية من خلال الزمن. فالدقيقة تكتسب أهميتها لأنها الصورة التي يصبح فيها اللامتناهي قابلاً للوصول إلى الوعي الإنساني.
ولهذا ينتقل الكتاب مراراً بين الصور الفلكية ــ النجوم، والكواكب، والمجرات، والمدارات ــ وبين ذكريات شخصية شديدة الحميمية. فالمقياس الكوني لا يلغي المقياس الإنساني؛ بل إن الكوني يمنح اللحظة الإنسانية دلالة أعمق وأعظم.
ثالثاً: الأسرة ــ الأرشيف الأول للذاكرة
تتجلى أكثر أبعاد «الكونية الروسية. الذاكرة» تأثيراً حين تعود الفلسفة الكونية إلى الأسرة.
فالأسرة هي المكان الأول الذي يصبح فيه التاريخ شخصياً. وقبل أن يعرف الإنسان الأمم والحروب والحضارات والقوانين الكونية، تكون هناك أم، وأب، وجدة، وبيت طفولة. ومن ثم فإن الأسرة هي الأرشيف الأول.
وتحتل القصيدة التي تبدأ :
“أستيقظ ــ
ومع كلمتي الأولى تماماً: أمي”.
مكانة محورية في فهم هذا البعد. فالأم لا تُستعاد عبر الأحداث التاريخية الكبرى، وإنما من خلال تفاصيل الحياة اليومية العادية:
“كانت تنهض دائماً قبل الفجر،
وتُعدّ لي فطور الصباح،
وتضفّر للمدرسة
شعري”.
إن هذه البساطة مقصودة. فالشاعرة تكتشف الاستمرارية الميتافيزيقية داخل روتين الحياة المنزلية.
ويُوصَف إرث الأم بأنه:
“تلك الذاكرة الثمينة للأيام،
ولكل ما عاش
في داخلها وحدها”…
ثم تأتي اللحظة الحاسمة التي يتحول فيها هذا الإرث:
“وجوهرها الخلاصي
من الحب
يصبح تميمتي ــ
مثل الألف والياء”.
وهكذا تصبح الأم بدايةً ونهايةً في آن واحد ــ “الألف والياء”. وتكتسب ذاكرة الأسرة بُعداً مقدساً.
وتعمّق القصيدة التالية موضوع الميراث. فمن دون عيني الأم ويديها، يتعين على المتكلمة أن تدخل «دائرة أخرى» و«علوّاً آخر»، وأن تظل، مع ذلك، هي نفسها. فالطفل يواصل وجوده داخل الإنسان البالغ:
“يد طفل صغيرة
ظلت تحمل
الجينوم
لنعمة موروثة”
وهذا «الجينوم» يتجاوز، بطبيعة الحال، المعنى البيولوجي. إنه ميراث ثقافي وأخلاقي وعاطفي. فالأم تستمر في الوجود من خلال الصفات التي تنتقل منها إلى الطفل.
وهذا يجعل الأسرة في شعر أوشيروفا شيئاً يتجاوز بكثير مجرد النَّسَب. فالأسرة هي الآلية الأولى التي تعيد الحضارة من خلالها إنتاج ذاتها. فالأم لا تنقل الحياة فحسب، وإنما تنقل الذاكرة، والقيم، والإيماءات، والدعاء، والهوية.
ويكشف موت الجدة الجانب الآخر من هذه العملية. ففي قصيدة “الفقد الذي لا يُعوَّض” تتحول الذاكرة إلى محاولة لجمع «كل قوة الذاكرة والشعور»، غير أن الشاعرة تنتهي إلى الإقرار بأن شيئاً لا يمكن استرداده قد حدث.
وهكذا تصبح الأسرة هي المكان الذي يتصادم فيه الخلود والفناء بأشد الصور إيلاماً.
رابعاً: التاريخ ــ الماضي بوصفه مسؤولية أخلاقية
إذا كانت الأسرة هي الذاكرة الحميمة، فإن التاريخ هو الذاكرة وقد اتسعت لتصبح حضارة.
يتحرك الخيال التاريخي لدى أوشيروفا بحرية عبر التاريخ الروسي، والعصور القديمة الكلاسيكية، والمسيحية، والأساطير، والحروب، والأدب، والذاكرة الثقافية. فقرطاج، وروما، وهوميروس، وبروميثيوس، وأوديسيوس، وحروب روسيا، والجنود الذين سقطوا، والأجيال التي طواها النسيان، جميعها تسكن الكون الشعري نفسه. لكن الشاعرة لا تتعامل مع التاريخ بوصفه متحفاً للوقائع الميتة. فالتاريخ لديها مجال أخلاقي يُحاكَم فيه الحاضر باستمرار أمام الماضي.
في “تأويلات ــ عن الحقيقة والأسطورة”، تكتب عن:
“العصور التي أنجبت العقول”
ثم تحذّر من تزوير الذاكرة:
“السخاء القاتل للمذكرات،
الذي صلب الحقيقة ــ كما كانت تماماً”.
إنها عبارة نقدية بالغة الأهمية. فالكتاب لا يحتفي بالذاكرة احتفاءً أعمى، وإنما يدرك أن الذاكرة يمكن التلاعب بها. فالمذكرات قد تشوّه؛ والسرديات السياسية قد تخفي؛ والمجد التاريخي قد يتحول إلى مجرد مشهد استعراضي.
ومن هنا تطرح القصيدة توتراً بين التذكّر وصناعة الأسطورة. ويجعل قسم “السجل” اللاحق موقف الشاعرة أكثر وضوحاً:
“صور العالم، المرسومة بالكلمات،
حفظت كل شيء ــ المشاعر والعقول معاً”.
فالكتابة تصبح وعاءً تاريخياً. والكلمات تحفظ ما لا تستطيع الحضارة المادية أن تضمن بقاءه.
لكن القصيدة سرعان ما تسأل: أين توجد الآن آثار التاريخ؟ ويوحي هذا السؤال بأن النصب التذكارية وحدها لا تستطيع أن تحفظ المعنى. فالتاريخ لا يبقى حياً إلا حين يظل حاضراً في الوعي الفكري والأخلاقي.
ولهذا تربط أوشيروفا، مراراً، بين الذاكرة والمعرفة. وتبلغ قصيدتها البورتريهية ذروتها حين يتحول الاختبار التاريخي إلى:
“الذاكرة
والمعرفة معاً”.
وهذا التمييز جوهري. فالذاكرة من دون معرفة قد تتحول إلى حنين؛ والمعرفة من دون ذاكرة قد تصبح تجريداً عقيماً. ومشروع أوشيروفا هو أن تجمع بينهما. ومن ثم يؤدي شعرها التاريخي وظيفة أخلاقية: فهو يطلب من الأحياء أن يرثوا مسؤولية الموتى.
خامساً: الوطن ــ الجغرافيا بوصفها ذاكرة
أما الركيزة الخامسة، الوطن، فهي الموضع الذي تتحول فيه الأبعاد الشخصية والتاريخية للذاكرة إلى جغرافيا. فوطن أوشيروفا ليس مجرد إقليم سياسي؛ إنه مشهد مشبع بالطفولة، والأسلاف، والكنائس، والأجراس، والأنهار، والقرى، والجنود، والقبور، واللغة، والوعي الثقافي الموروث.
في “ظل بيتي هناك إلى الأبد” يتحول البيت إلى:
“ذاكرة حية لأجيال الأسلاف”.
والجنود الذين يغادرون إلى الحرب يحملون معهم الرغبة في العودة إلى:
“أبيهم وأمهم”
وأن يستعيدوا من جديد:
“سلام الأرض الأصيلة”…
وهكذا يوجد الوطن في الوقت نفسه بوصفه تراباً مادياً وانتماءً محفوظاً في الذاكرة. وحتى قبل أن يعود الجندي، يظل الوطن حياً في داخله بوصفه حلماً. وتنتهي القصيدة بتحول الأبناء إلى:
“ذاكرة أبدية”…
وهنا تبرز حركة شديدة الأهمية: فالوطن يتذكر أبناءه، لكن الأبناء أيضاً يستحضرون الوطن إلى الوجود من خلال تذكّرهم له.
أما القصيدة التي تحمل عنوان «الوطن» فتختزل هذه الفكرة في صورة مكثفة:
“بيتٌ انحنى منخفضاً تحت ثقل الماضي”…
فالبيت يكاد يصبح جسداً يحمل التاريخ على كتفيه. إن للماضي وزناً مادياً. ثم تتوجه المتكلمة إلى الأرض مباشرة:
“كل ما أنا عليه، أستطيع أن أمنحه لك،
يا أرضي”..
إن العلاقة هنا متبادلة. فالفرد يتلقى هويته من الأرض، ثم يعيد إليها هويتها من خلال الذاكرة، والتضحية، والتعبير الفني.
أما الحركة الختامية للقصيدة ــ حيث يستعد الناس «للموت من أجلك، / وللولادة من جديد معك» ــ فتحول الوطن إلى فضاء للاستمرارية بين الموت والبعث.
وهنا يلتقي الوطن بالكونية الروسية. فالأمة ليست الأفق النهائي. إنها مرحلة واحدة في الدورة الكونية الكبرى التي يسعى البشر من خلالها إلى الاستمرار متجاوزين فناء الفرد.
سادساً: الركائز الخمس بوصفها بنية واحدة
يكمن الإنجاز الأعمق في «“الكونية الروسية: الذاكرة” في الطريقة التي تتداخل بها هذه الموضوعات الخمسة باستمرار.
الأسرة تمنح الذاكرة وجهها الأول.
والذاكرة تمنح التاريخ معناه الإنساني.
والتاريخ يمنح الوطن عمقه.
والوطن يمنح الذاكرة مشهداً وجغرافيا.
والزمن يمنحها جميعاً الاستمرارية.
ويمكن تمثيل هذه البنية في صورة دائرة، لا خط مستقيم.
فالطفل يتذكر الأم.
والبالغ يتذكر الطفل.
والأسرة تتذكر موتاها.
والأمة تتذكر أبطالها.
والإنسانية تتذكر حضاراتها.
والشاعرة تتذكرهم جميعاً.
ثم يصبح الكون الأفق الأخير الذي تبحث الذاكرة داخله عن الديمومة.
وهذا ما يفسر قدرة الشاعرة على الانتقال بصورة طبيعية من أم تُعد الإفطار إلى النجوم، ومن موت جدة إلى الأبدية، ومن ساحات المعارك الروسية إلى الضوء الكوني.
فالمسافة الهائلة، في ظاهرها، بين هذه الموضوعات هي في الحقيقة جوهر الفكرة نفسها. إن الكون الشعري لدى أوشيروفا يصر على أن لا شيء ذا معنى يوجد معزولاً عن غيره.
فالمنزلي والكوني ليسا عالمين منفصلين، وإنما مقياسان لوجود واحد.
سابعاً: الذاكرة في مواجهة النسيان
يمكن، في نهاية المطاف، فهم الكتاب بوصفه مقاومة شعرية طويلة للنسيان.
وتكتسب هذه المقاومة قوتها بصورة خاصة من أن أوشيروفا لا تنكر الموت. فالموت حاضر في كل مكان: في الحرب، والشيخوخة، وفقد الأحبة، والدمار التاريخي، والحضارات التي اندثرت، والعبور الحتمي للأجيال.
لكنها، بدلاً من ذلك، تسأل: ماذا يستطيع الإنسان أن يفعل في مواجهة الموت؟
وجوابها هو: التذكّر.
في قصيدة “في ذكرى طيار”، يكون الطيار «قد عاد أخيراً إلى الوطن»، بينما لا يبقى منه سوى:
“مآثر ومعارك،
يتردد صداها طويلاً في ذاكرة الجبال،
وصلوات كانت تنقذ دائماً،
وإيمان قهر الخوف”.
إن كلمة «الوطن» هنا ذات دلالة خاصة. فالموت يُصوَّر، على نحو مفارق، بوصفه عودة. وهذا يعيدنا إلى الفكرة الكونية المركزية في الكتاب: فالوجود ليس مجرد حركة تبدأ بالميلاد وتنتهي بالاختفاء، وإنما هو عبور إلى صورة أخرى من صور الاستمرارية.
ومن ثم، فإن الذين سقطوا ليسوا مجرد أموات. إنهم يتحولون إلى ذاكرة.
وفي قصيدة “في ذكرى الذين سقطوا”، يتحول التذكّر صراحةً إلى طقس من خلال الشعلة الأبدية، والقبر، والمسلة، والدعاء. فالحياة الفردية تصبح جزءاً من وعي تاريخي جماعي. وهكذا يخلق خيال الشاعرة سلّماً متدرجاً للذاكرة:
الفرد الذي نتذكره ← الأسرة ← الجماعة ← الأمة ← الإنسانية ← الكون.
هذه هي الهندسة الداخلية للكتاب.
ثامناً: الأم والوطن الأم ــ تماثل مقصود
من أكثر الملاحظات النقدية إثارةً للاهتمام في الكتاب ذلك التوازي بين الأم والوطن الأم.
فالأم تمنح الفرد ميلاده، بينما يمنح الوطن الأم الهويةَ الجماعيةَ ميلادها التاريخي. والأم تحمي بالدعاء، فيما يحمي الوطن الأم بالذاكرة، والثقافة، والانتماء الموروث. وتُستعاد الأم عبر إيماءات الطفولة، بينما يُستعاد الوطن الأم عبر المشاهد الطبيعية، والأجراس، والأنهار، والقرى، وقبور الأسلاف.
وهذا التشابه ليس مصادفة. فمفهوم «الوطن الأم» نفسه يقوم على الصورة الأمومية. وتُعمّق أوشيروفا هذا الترابط اللغوي والعاطفي بوضع الشكلين من الأمومة داخل الكون الشعري نفسه.
وهكذا، حين تكتب الشاعرة عن «ميراث الأم»، فإنها تهيئ القارئ أيضاً لفهم معنى الميراث الثقافي. فالميراث الذي تمنحه الأم يصبح نموذجاً مصغراً للميراث الحضاري.
وهذا أحد الأسباب التي تجعل المقاطع السياسية والتاريخية في الكتاب غير قابلة للفصل عن شعره الحميمي. فالآلية العاطفية نفسها تعمل على المستويين معاً:
الحب يتحول إلى مسؤولية، لأن ما نحبّه ينبغي ألا نسمح له بأن يُنسى.
تاسعاً: التاريخ والحقيقة وإشكالية الذاكرة
ومع ذلك، ثمة توتر خلاق داخل الكتاب يستحق اهتماماً نقدياً خاصاً. فأوشيروفا تكتب كثيراً بلغة الذاكرة المقدسة ــ الأبطال، والتضحية، والوطن، والإيمان، والذكرى الأبدية. لكنها، في مواضع أخرى، تشكك في موثوقية السرديات التاريخية.
إن عبارتها عن المذكرات التي “صلبت الحقيقة” تُدخل الشك إلى صميم فعل التذكّر نفسه.
وهذا التوتر هو ما يجعل الكتاب أكثر إثارةً للاهتمام من الناحية الفكرية. فالذاكرة ضرورية ــ لكن الذاكرة يمكن أن تكذب. والتاريخ ينبغي الحفاظ عليه ــ لكن التاريخ يمكن التلاعب به. والوطن ينبغي أن يكون موضع حب ــ لكن الحب التاريخي يمكن أن يتحول إلى أسطورة.
ولا تحاول الشاعرة أن تحسم هذه التناقضات من خلال منهجية تاريخية صارمة، وإنما تضعها أمام الوعي الشعري. فالشعر يصبح المكان الذي يمكن فيه للذكرى أن تظل صادقة من الناحية الوجدانية، مع اعترافها في الوقت نفسه بنقص المعرفة الإنسانية وعدم اكتمالها.
وهذا يتسق مع جوهر الكونية الروسية في الكتاب. فالكون نفسه يتجاوز قدرة الإنسان على الإحاطة والفهم. ومن ثم تعود الشاعرة مراراً إلى الأسئلة بدلاً من الأجوبة النهائية.
ولهذا يبدو عنوان “لا أجد إجابات بسيطة” أشبه ما يكون ببيان منهجي للشاعرة. فعالمها الشعري ليس نسقاً فلسفياً مغلقاً، وإنما هو مجال من الأسئلة تتقاطع فيه الذاكرة، والإيمان، والعلم، والتاريخ، والشعر.
عاشراً: الشعر بوصفه تقنية للاستمرارية
يعود القسم الأخير من الكتاب إلى الكلمة ذاتها.
تكتب أوشيروفا:
“صور العالم، المرسومة بالكلمات،
حفظت كل شيء ــ المشاعر والعقول معاً”
ومن ثم، تنسب الشاعرة إلى اللغة قدرةً على الحفظ والصون. فالكلمات تصبح تقنيةً للبقاء الثقافي. ولهذا يربط الكتاب، مراراً، بين الشعر والصلاة. فالشعر ليس مجرد زخرف جمالي، وإنما هو شكل من أشكال الحفظ والإبقاء.
وفي قصيدة “الكلمة”، تكتب الشاعرة عن الميلاد، والموت، والصمود، والذاكرة، والخير، لتصل في النهاية إلى الإعلان اللاهوتي:
“وفي البدء كانت الكلمة ــ كان الله”.
وتصبح الكلمة هي النقطة التي تلامس فيها الذاكرة الإنسانية فعل الخلق الإلهي.
وهذا يفسر أيضاً أهمية البعد البصري في الكتاب. فالطبعة تتضمن رسومًا للفنان زوراب كونستانتينوفيتش تسيريتيلي، وتقدم الطبعة الصورة والشعر باعتبارهما طريقين متوازيين نحو فهم الوجود.
ومن ثم، يشارك الفن البصري في النضال نفسه ضد الاختفاء. فالفن، مثل الذاكرة، يمنح شكلاً لما يهدد الزمن بمحوِه.
الذاكرة بوصفها الصورة الإنسانية للأبدية
إن “الكونية الروسية: الذاكرة” هو، في جوهره، كتاب عن الرغبة الإنسانية لا في مجرد النجاة من الموت، وإنما في ضمان أن يكون للوجود معنى بعد أن تنتهي حياة الفرد.
وركائزه الخمس ــ الذاكرة، والزمن، والأسرة، والتاريخ، والوطن ــ تشكل متصلاً فلسفياً واحداً.
الذاكرة تحفظ.
والزمن يختبر.
والأسرة تنقل.
والتاريخ يحاكم.
والوطن يجسّد.
والشعر يمنح هذه الركائز الخمس جميعاً لغةً قادرة على عبور الأجيال.
ومن هنا، فإن الطرح الأعمق في الكتاب ليس مجرد أن الذاكرة تهزم الموت، بل إن الذاكرة تحوّل الموت إلى استمرارية.
تموت الأم، لكن إيماءاتها تبقى.
تغيب الجدة، لكن غيابها يتحول إلى ذاكرة.
يسقط الجندي، لكن اسمه يدخل في الذاكرة التاريخية.
وتنهار الحضارات، لكن آثارها تبقى في الفن واللغة.
ويرحل الفرد، لكن الوعي يبحث عن استمراره داخل الإنسانية.
أما الإنسانية نفسها، فتظهر في رحابة الكون الهائلة.
ولهذا فإن الحركة الأهم في الكتاب تتجه دائماً من الصغير إلى الهائل.
ففي يد الطفل يكمن:
“الجينوم
لنعمة موروثة”.
والبيت يحمل أجيالاً.
والوطن يحمل تاريخاً.
والدقيقة تحتوي الأبدية.
والوجه الذي تحفظه الذاكرة يمكن أن يحتوي اللانهاية.
وإنجاز أوشيروفا يكمن في أنها تجعل من هذه العناصر المتباعدة ظاهرياً تناظرات لا تناقضات. ومن ثم يمكن قراءة “الكونية الروسية. الذاكرة” بوصفه شعريةً للاستمرارية؛ محاولةً لبناء جسر، من خلال القصيدة، بين اللحظة الإنسانية الهشة وبين دوام الكون.
فالشاعرة لا تعد بأن الموتى سيعودون. إنها تقترح شيئاً أكثر دقة، وربما أكثر قوة:
إنهم يستطيعون أن يبقوا.
يبقون في الأسرة.
يبقون في التاريخ.
يبقون في الوطن.
يبقون في اللغة.
يبقون في الذاكرة.
ومن خلال الذاكرة، يكتشف الإنسان شكلاً من أشكال الأبدية.





