ـ صحيفة «بريزيدنت» الاجتماعية والسياسية — قسم الحوارات
ألكسندرا أوتشيروفا: الذاكرة ليست حنينًا إلى الماضي، بل قوة تحفظ إنسانية الإنسان وتضمن استمرارية الحضارة.
«الذاكرةُ انكشافُ الخلود،وقوةٌ تنتصر على الموت».
لعل هذين البيتين للشاعرة ألكسندرا أوتشيروفا يحددان، على نحو أدق، نبرة الحديث عن كتابها الشعري الجديد «الذاكرة». فالذاكرة هنا ليست حنينًا إلى الماضي، بل هي السبيل الوحيد للحفاظ على الصلة بين الأزمنة، وصون الجانب الإنساني في الإنسان، والحيلولة دون أن تفقد الحضارة ذاتها.
تتحدث أوتشيروفا عن الذاكرة بصفتها شاعرة، وإنسانة تعمل منذ سنوات طويلة في مجالات الأمن الإنساني والثقافة والتفاعلات الدولية. لذلك تتجاور في كتابها الحقول والغابات والأنهار وتعاقب الفصول والكون والروح الإنسانية، لتشكّل جميعها فضاءً واحدًا لا ينفصل فيه الشخصي عن الكوني.

ويأتي الكتاب الجديد امتدادًا لسلسلة «الكونية الروسية»، التي تضم مجموعتي «الكونية الروسية» و«القَسَم». وقد تُرجم كتاب «الذاكرة» إلى العربية والإنجليزية. ويحتل إرث الفنان زوراب تسيريتيلي مكانة خاصة فيه؛ إذ أُهدي الكتاب إلى ذكرى الفنان، وتدخل أعماله في حوار مع النصوص الشعرية.
عن الذاكرة والأخلاق ومستقبل الحضارة، وعن حاجة الإنسان المعاصر إلى الشعر، دار هذا الحوار مع ألكسندرا أوتشيروفا.
الذاكرة أساس الإنسانية
— السيدة ألكسندرا فاسيلييفنا، لماذا أصبحت الذاكرة الموضوع المحوري في كتابك الجديد؟
— قبل كل شيء، لأن الذاكرة مفهوم واسع، متعدد الدلالات والأبعاد، وأرى أنها تقع في صميم الإنسانية. وقد شغلتني هذه القضية منذ شبابي، في زمن لم أكن أفكر فيه أصلًا في أن أجعل أفكاري موضوعًا يتداوله الناس.
عشت دائمًا في واقعين متزامنين: الواقع الخارجي وعالمي الداخلي الخاص، الدافئ والخفي عن الآخرين. ومن داخل ذلك العالم كنت أراقب العالم المحيط، فأراه على نحو مختلف عما يراه الآخرون؛ أعمق وأوسع، وأدرك الروابط الخفية التي تصل الأشياء بعضها ببعض.
ومع مرور السنوات، صقلت الشعرية نظرتي إلى العالم وجعلتها أكثر حدة. وكما جاء في الكتاب المقدس، يرى الإنسان بقدر ما أُتيح له أن يرى. لا أعرف مقدار ما أُتيح لي، لكنني أرى بالتأكيد بطريقة تختلف عن الآخرين؛ فحساسية الشاعر ورؤية المؤمن بالكونية تتيحان لي «التطلع إلى ما وراء الأفق»، دون أي وسائل مساعدة.
فلا حاجة إلى تلك الوسائل حين تكون لدينا الذاكرة؛ إنها المرآة التي تحتفظ إلى الأبد بكل ما انعكس فيها يومًا، حتى لو لم يلمس سطحها إلا للحظات عابرة.
وعندما نتأمل تعاقب الفصول وفضاء كل يوم، ندرك أن اللحظات لا تتكرر، وأن كل لحظة ترتبط بقيم أبدية. والذاكرة أحد مصادر تطور الحضارة، وشرط من شروط استقرارها. فهي تتيح لنا الحفاظ على الحياة فوق الأرض وتعزيزها وإطالة أمدها؛ إذ أودع الله فيها قنوات الاستمرارية البيولوجية والروحية والأخلاقية والمعنوية.

— هل يمكن، إذن، قراءة «الذاكرة» بوصفه كتابًا عن الاستمرارية والتوارث بين الأجيال؟
— بالتأكيد. لقد أدى تدمير الوعي بالذات والهوية والمعاني دائمًا إلى زوال بلدان وشعوب. واليوم لم تعد هذه القضية تخص دولًا أو ثقافات منفردة، بل أصبحت تمس البشرية جمعاء.
لا تستطيع دولة واحدة، ولا شعب واحد، مواجهة التحديات العالمية بمفرده. لكننا، حين نتحدث عن هذه التحديات، ننسى كثيرًا أهم شيء: الأخلاق.
الأخلاق بالنسبة إليّ ليست مفهومًا تجريديًا، بل قضية تتعلق بإدارة العالم. وإجابتنا عن هذا السؤال هي التي تحدد شكل مستقبلنا.
الأخلاق بوصفها مبدأً استراتيجيًا للحضارة
— تتحدثين منذ سنوات عن الأخلاق بوصفها مبدأً استراتيجيًا. وفي كتابك تتحول هذه الفكرة إلى نداء شعري ملزم. أيهما أكثر قدرة على التأثير: كلمة الشاعر أم الوثائق والمفاهيم النظرية؟
— هذان الأمران مترابطان بعمق، وهذا الترابط هو جوهر نشاطي كله، وهو ما أحرص على الحديث عنه أمام الناس، أيًّا كانت طبيعة الجمهور الذي أخاطبه.
إن الإنسان هو أكبر مشكلة تواجه الحضارة المعاصرة؛ لأن الحضارة بدأت تفقد وجهها الإنساني.
إذا عدنا إلى العصور القديمة وتأملنا مفهوم الذاكرة، فسنكتشف أن معظم القضايا التي تطورت لاحقًا، وما زالت حاضرة اليوم، قد طُرحت منذ ذلك الزمن. أما الاكتشاف الأكبر للعالم القديم فهو اعتبار الإنسان مقياسًا لكل شيء. وقال سقراط: «اعرف نفسك».
— وهذا ما عبّر عنه سقراط: اعرف نفسك، تعرف العالم كله…
— نعم، بالتأكيد. لقد الإنسان اليوم مكانته المركزية. فقد سبق التقدم العلمي والتكنولوجي سائر مسارات التطور، لكن الحفاظ على الإنسان يتطلب صون أسمى ما في طبيعته من قيم.
ماذا شهد التاريخ كله؟ عندما ضاعت المعاني وتحطمت الشخصية الإنسانية، انهارت الحضارات وسقطت الدول واشتعلت الحروب. لذلك نحن اليوم بحاجة إلى أن يستعيد الإنسان قدرته على تحديد مساره بنفسه داخل العملية التاريخية، وإلى تحديث إنساني يعيد الاعتبار للقيم الحقيقية.
— وهنا تظهر الأخلاق باعتبارها أمرًا حتميًا لبقاء الحضارة؟
— بالضبط.
يرتبط هذا الأمر، بالنسبة إليّ، قبل كل شيء بالأدب الروسي، وبالكاتب ليف نيكولايفيتش تولستوي. فقد كان يرى أن كل ما نفعله يرتبط، في نهاية المطاف، بفهم الأخلاق وتطويرها، من أجل بقاء حضارة تكشف عن الطاقات الكامنة في الإنسان، وتتيح له تحقيق إبداعه، والتخلي عن العنف.
إذا كنا نتحدث في الماضي عن الإنسان العاقل والإنسان المنتج، فإن الإنسان الأخلاقي وحده هو القادر اليوم على إنقاذ العالم.
يجب أن تصبح الأخلاق موردًا استراتيجيًا للتنمية، وأساسًا للتشريعات الوطنية والاتفاقيات الدولية والعلاقات بين الدولة والمجتمع.
لقد أتيحت لي فرصة التأمل العلمي في مفهومي «النظام الأخلاقي الجديد» و«حضارة المعنى». وأرى أن هذين المفهومين يمثلان الهدف الذي ينبغي لجميع الشعوب السعي إليه، من خلال وضع أجندة مشتركة والعمل على صون البشرية.
تحدث لومونوسوف ذات يوم عن «صون الشعب»، في رسالته المعروفة بعنوان «حول الحفاظ على الشعب الروسي»، التي كتبها في نوفمبر 1761 ووجّهها إلى الكونت إيفان إيفانوفيتش شوفالوف. أما اليوم، وقد بلغ العالم أقصى درجات التعقيد، فقد أصبح من الضروري الحديث عن صون البشرية كلها.
الطبيعة والإنسان والشعر
— في كتابك، لا تبدو هذه الأفكار بيانًا سياسيًا، بل شعرًا. والعالم الذي تصفينه ملموس للغاية: الحقول والغابات والأنهار والفصول والضوء. ماذا تمنحك صلتك بالطبيعة؟
— أعيش في وحدة تجمع ما عرفته وما رأيته، وربما ما تسللت لمشاهدته أيضًا. لا توجد ورقتان متماثلتان على الشجرة؛ فكل شيء في العالم موجود في نسخة فريدة، والإنسان كذلك فريد.
الطبيعة بالنسبة إليّ صورة متكاملة وديناميكية، تملؤني بالإعجاب. إنها تتيح لي أن أحب الطقس مهما كان، وأن أعيش وأتطلع إلى الأمل وأرى الأشياء بمنظور خاص. حتى عندما أنظر من النافذة نفسها، أراقب كيف يتغير العالم.
إن القيمة الذاتية للحياة الإنسانية هي هبة الله الحقيقية. ويمكننا أن نأمل في الخلود، رغم أننا لا نعرف كيف سيتحقق.
ولهذا لا يجوز أن نتخلى عن جوهر الإنسان: قدرته على اتخاذ القرارات، وحقه في أن يكون نفسه. لا يمكن استبدال الإنسان؛ فلا شيء ولا أحد يستطيع أن يحل محله.
— لعل هذا هو السبب في أهمية اللغة الشعرية بالنسبة إليك؟
— بالتأكيد. الشعر وعاء مكثف للذاكرة والمشاعر ولكل ما هو إنساني.
للإيقاع تأثيره الخاص والقوي، لكن المعنى الذي يحمله الشعر هو أسمى المعاني وأكثرها سحرًا. حتى ترجمات أقدم الشعراء، التي فقدت القافية، تظل شعرية؛ لأنها تتيح لنا فتح باب الدخول إلى أعماق أرواحنا.
وهذه الشعرية تحديدًا هي ما ينبغي أن ننقله إلى أطفالنا، لكي يظلوا بشرًا ويحافظوا على جمال العالم.
فالشعر يجمع بين القدرة على الإحساس والقدرة على التفكير. وإذا لم تكن قادرًا على الجمع بينهما، فمن الأفضل ألا تكتب.
الذاكرة وحق الشعوب في ماضيها
— تتحدثين عن الذاكرة بوصفها صلة بين الماضي والمستقبل. لكن الذاكرة أصبحت اليوم موضوعًا للصراع؛ إذ تدور خلافات حول التاريخ والقيم وحق الشعوب المختلفة في امتلاك ماضيها الخاص. هل يُعد كتابك «الذاكرة» مداخلة في هذا الجدل؟
— بالتأكيد. أرى أن مجرد الجدل حول ما إذا كان يحق لشعب ما أن يمتلك ذاكرته وماضيه الخاصين أمر غير أخلاقي، ومن ثم لا يجوز قبوله!
ينبغي أن يحتفظ الإنسان، في كل ما يقوم به، بمستوى الحرية الضروري لتنمية قدراته الإبداعية وتحقيق إمكاناته الشخصية.
لقد كانت الثقافة دائمًا حلقة وصل وحاملة للمعنى؛ جمعت الأمكنة والأزمنة، وحفظت ذاكرة الحضارات التي مضت. أما الشعر، فيمتلك قدرة خاصة على وصل الناس بعضهم ببعض، إنسانًا بإنسان، لأنه يخاطب الشعور والفكر في آن واحد.
— تشاركين منذ سنوات طويلة في أعمال المنظمات الدولية، وتدافعين باستمرار عن الأمن الإنساني وضرورة بناء منظومات للتفاعل والتعاون. ومع ذلك، تؤكدين أن العالم لا يخضع عمليًا لإدارة حقيقية. ما الرسالة التي تريدين توجيهها إلى العالم اليوم بصفتك شاعرة؟
— أدعو كل إنسان إلى أن يصبح شاعرًا، ولو إلى حد ما؛ فلا يكتفي بالتفكير والاستدلال، بل يتعلم أيضًا أن يشعر.
مهما اختلفنا، فإننا نشعر بالسعادة بالطريقة نفسها عندما نحقق ما سعينا إليه، ونحزن بالطريقة نفسها عندما نفقد شيئًا عزيزًا على أرواحنا.
ألا نشعر جميعًا بالشعور نفسه عندما نرى الدموع في عيني طفل، أو نودع والدينا في رحلتهما الأخيرة، أو نأمل في لقاء يتجاوز حدود الوجود الأرضي؟
إن الحالات الروحية التي نمر بها هي ما يوحدنا، وعلى هذا الأساس يقوم الشعر.
الأزمة الروحية والأخلاقية ومستقبل البشرية
— كثيرًا ما يُتحدث اليوم عن أزمة روحية وأخلاقية. أين ترين الخطر الأكبر فيها؟
— تأتي الأزمة الروحية والأخلاقية دائمًا قبل الأزمة الاقتصادية. فعندما تنهار المعاني، تنهار الحضارات. هكذا كان الأمر دائمًا.
ولا يمكن تجاوز هذه الأزمة إلا من خلال إدراك الخطر الإنساني الذي يدفع الإنسان إلى مجتمع الاستهلاك وإلى أشكال آلية من أجل البقاء. وعندما يتوقف احترام أهم الحقوق، أي الحق في الحياة والكرامة الإنسانية، تبدأ أساليب القوة في إزاحة الحوار.
لكن العالم المعقد لا يمكن إدارته بأدوات بسيطة. إن العالم متعدد الأقطاب، والتفاعل بين مكوناته هو ما يتيح إنشاء المجتمع واستمرار تماسكه.
لقد حان الوقت لتقدير الأخلاق باعتبارها موردًا استراتيجيًا لم يُستثمر على نحو كامل من قبل. وينبغي تحويل المخاطر والتحديات إلى مسار واعٍ وموجّه نحو حضارة إنسانية تكنولوجية، يظل فيها الإنسان الفاعل الرئيسي، من دون أن يفقد هويته أو سيادته على ذاته.
ولا يمكن بلوغ ذلك من دون الذاكرة.
— إذن، الذاكرة بالنسبة إليك ليست نظرة إلى الوراء، بل شرطًا للتقدم إلى الأمام؟
— هذا صحيح تمامًا.
تربط الذاكرة الإنسان بما كان قبله وبما سيأتي بعده. إنها تحفظ القدرة على التعرف إلى الأشياء والجذور، ومن ثم تتيح استمرار الحياة والتجربة.
وربما لهذا السبب أعود مرارًا إلى الفكرة ذاتها: ينبغي للإنسان أن يتذكر من هو، ومن أين جاء، ولماذا يعيش.
والشعر يساعده على الاحتفاظ بهذه الذاكرة.
«الذاكرة بكامل قامتها،
وعلى الركبتين أمام الله،
في صورة الأزمنةوالأجيال التي رحلت إلى الأبد،
وعبرت نهر الروبيكون الأبدي….
الذاكرة انكشاف الخلود،
وقوة تنتصر على الموت».
تبدو هذه الأبيات من قصيدة «الذاكرة»، التي منحت الكتاب عنوانه، بمثابة خلاصة له، وفي الوقت نفسه رسالة موجهة إلى المستقبل.
من الذاكرة إلى مستقبل الحضارة
في 23 سبتمبر، قُدّم كتاب «الكونية الروسية… الذاكرة» في القاعة البيضاء التابعة للأكاديمية الروسية للفنون.
ويحدد الكاتب المصري أشرف دالي، في حديثه عن كتاب أوتشيروفا، جوهره الأساسي على النحو الآتي: الذاكرة ليست مجرد عودة إلى الماضي، بل قوة تمكّن الإنسان من إدراك ذاته ومكانه في الكون. وهي تحافظ على هوية الشعوب، وتربط الأجيال، وتضمن استمرارية الحضارة.
ومن هذا المنظور، تتجاوز الكونية الروسية حدود تقليد فلسفي وطني واحد، لتتحول إلى حوار حول مصير البشرية، وما يمكن أن يجمع الناس الذين تفصل بينهم الأزمنة والأمكنة واللغات والثقافات.
ولعل هذا هو السبب في أن كتابًا عن الذاكرة يبدو، في نهاية المطاف، كتابًا عن المستقبل لا عن الماضي.
الطبعات المترجمة من كتاب «الكونية الروسية»، للمؤلفة ألكسندرا أوتشيروفا. الصور من أرشيفها الشخصي.
أجرى الحوار: أندريه يافني، كاتب ودكتور في العلوم الفلسفية ومستشار رئيس المجلس العام للجمعية العالمية للشعوب.




