د. أشرف أبو اليزيد
سمعتُ اسم وولي سوينكا للمرة الأولى قبل واحد وأربعين عامًا، حين كنت أؤدي الخدمة العسكرية في قسم البحوث والترجمة بأحد المواقع العسكرية في مصر. كان أحد الضباط الذين يعملون هناك يدرس دبلومًا في الترجمة بالجامعة الأمريكية بالقاهرة، وقد كلّفه أستاذه بترجمة نص أدبي للكاتب النيجيري الشهير. وهكذا دخل اسم سوينكا عالمي للمرة الأولى، على نحو عابر، من خلال ممرات الحياة العسكرية الهادئة وعالم الترجمة الشاق.
وبعد بضعة أشهر فقط، أنهيت خدمتي العسكرية، واحتفى الوسط الأدبي بفوز سوينكا بجائزة نوبل في الأدب. قبل أربعين عامًا، تسلّم كلٌّ منا شهادته، من دون أن يعلم أن رحلتيهما المنفصلتين قد تقودانهما يومًا إلى اللقاء وجهًا لوجه. كان سوينكا آنذاك صوتًا بارزًا في الأدب الأفريقي، بينما كنت لا أزال أكتشف المسارات المتعددة التي سيشكّل الأدب من خلالها حياتي.
لكن حكايتنا لم تنتهِ عند ذلك اللقاء البعيد الأول.
بعد سنوات، فزتُ بجائزة مانهي للآداب (2014)، واكتشفت صلة أخرى غير متوقعة؛ فقد سبق أن نال سوينكا الجائزة نفسها في فرع الأدب (2005). وتضم قائمة الفائزين المرموقين بالجائزة في فروع أخرى نيلسون مانديلا وشيرين عبادي، اللذين حظيا بالتكريم تقديرًا لإسهاماتهما في السلام. وهكذا، مرة أخرى، اجتمع اسمانا في كوكبة أدبية واحدة، وإن كانت طرقنا لم تتقاطع بعد على أرض الواقع.
خلال إعدادي لبرنامج (الآخر) الذي قدمت فيه على شاشة تلفزيون الكويتةحواراتي مع ستين شخصية عالمية كان سوينكا حاضرا حيث ضمنت حلقات عن جاىزة نوبل مقاطع من حواراته المسجلة بصوته المسرحي القوي ونبرته العميقة.
وثمّة جائزة أخرى جمعت اسمينا، هذه المرة ميدالية منظمة كتّاب العالم (World Organization of Writers – WOW). لكن المفارقة أنني سبقتُ معلّمنا الأكبر إلى هذا التكريم؛ فقد نلتُ الميدالية في أبوجا قبل عامين، بينما جاء دوره اليوم، بعد أن أُعلن عن منحه إياها في موسكو الشهر الماضي. وهكذا، امتدّ خيط المصادفات الأدبية بيننا إلى محطة جديدة، جمعتنا فيها الميدالية نفسها، وإن اختلف ترتيب الوصول إليها. ولعلّ في ذلك مفارقة جميلة؛ فالتلميذ الذي سمع اسم أستاذه للمرة الأولى قبل واحد وأربعين عامًا، واصل رحلته في دروب الأدب حتى وجد نفسه، مرة أخرى، يلتقي به في فضاء التكريم، لكن هذه المرة وقد سبقه بخطوة صغيرة، من دون أن يسبقه إلى مقامه في الذاكرة الأدبية.

ثم جاء موعد الرباط، المدينة التي كانت تحتفي باختيارها عاصمة عالمية للكتاب من جانب اليونسكو، حيث احتفلت أكاديمية المملكة المغربية بتأسيس دار عوالم الكتاب. وفي خضم هذا الاحتفاء بالكتب والأفكار والقوة الخالدة للأدب، كانت تنتظرني مصادفة ذات طابع أدبي خاص، مع احتفالها بمرور أربعة عقود على فوز سوينكا بجائزة نوبل في الأدب.
جئتُ للقاء مؤلف رواية The Interpreters، العمل الروائي الشهير لوولي سوينكا. وكنت أحمل معي روايتي The Interpreter.
كاتبان، وروايتان، وكلمة واحدة تربط بين عالميهما الأدبيين: المُترجِم.

كان التشابه بين عنوانَي الروايتين لافتًا، لكن الصلة الأعمق تكمن في الأسئلة التي يتيح لنا الأدب طرحها. فرواية سوينكا، المتجذرة في الواقعين الاجتماعي والسياسي لأفريقيا ما بعد الاستعمار، تستكشف التوترات بين اللغة والهوية والسلطة، والبحث عن تعبير أصيل عن الذات. وتعيش شخصياتها في عالم تتنازع فيه المعاني، وتتعارض فيه التوقعات الثقافية، ويكافح فيه الفرد لفهم مجتمع يمر بتحولات عميقة.

أما روايتي The Interpreter، التي صدرت بالإنجليزية عن دار بنبرنتس في كولكاتا بالهند، فتقترب من التجربة الإنسانية من مشهد مختلف. فمن خلال تجارب ثماني وعشرين شخصية تنتمي إلى جنسيات وخلفيات ثقافية متنوعة، تستكشف الرواية الذاكرة والفقد والحب والصدمات النفسية والحدود الهشة بين الحقيقة والتأويل. وفي قلبها قف فوز، التي تتحول رحلتها إلى صراع من أجل استعادة حريتها الشخصية وسط الحزن وأحكام الآخرين.
ومع ذلك، فإن شخصية المُترجِم في كلا العالمين الروائيين تدعونا إلى النظر إلى ما وراء المعنى الظاهر للكلمات. فالترجمة ليست مجرد نقل للغة من لسان إلى آخر؛ إنها أيضًا مراوحة بين الذاكرات، ومواجهة بين الهويات، ومحاولة لفهم إنسان آخر عبر المسافات التي صنعها التاريخ والمجتمع والتجربة بين البشر.
لقد وصل سوينكا ووصلتُ إلى هذه الكلمة المشتركة عبر جيلين وتجربتين وتقاليد أدبية مختلفة. تعكس روايته تعقيدات مجتمع أفريقي يشهد التحول، بينما تجمع روايتي مصائر فردية للإنسان خارج وطنه في مشهد إنساني أوسع، تتخلله المعاناة والقدرة على الصمود. ولا ينتقص أيٌّ من العنوانين من خصوصية الرؤية الأدبية لصاحبه؛ بل إن التشابه غير المتوقع بينهما يفتح نافذة على الأسئلة الخالدة التي يحملها الأدب من ثقافة إلى أخرى.
حين أهديتُ سوينكا نسختي من روايتي، شعرت بأن ذلك اللقاء قد أكمل دائرة بدأت قبل أربعة عقود. فالاسم الذي صادفته أثناء الخدمة العسكرية أصبح اسمًا لحائز جائزة نوبل؛ وجائزة أدبية كشفت عن صلة غير متوقعة؛ وها هي كتبنا تلتقي في الرباط، لتدخل في حوار أدبي قبل أن يستكمل مؤلفاها حوارهما.

وكان ثمة موضوع آخر أردت أن أتحدث معه عنه: نجيب محفوظ، الروائي المصري والنوبلي أيضا (1988) الذي استكشفت عالمه الأدبي في كتابي نجيب محفوظ: السارد والتشكيلي. كنت قد ألقيت ورقة بحثية عن محفوظ، مستندًا إلى الأفكار التي طورتها في كتابي، واحتفظ سوينكا بنسخة من محاضرتي. وقد أضافت تلك اللحظة خيطًا آخر إلى لقائنا، رابطًا بين التقاليد الأدبية النيجيرية والمصرية من خلال تقدير مشترك لأحد أكثر الروائيين العرب تأثيرًا.
حين أستعيد هذه اللقاءات اليوم، يصعب عليَّ أن أعدّها مجرد مصادفات. إنها أشبه بقطع متناثرة من مخطوطة أدبية لا يتضح معناها إلا حين تُجمع صفحاتها: أول سماع لاسم، ثم إعلان الفوز بجائزة نوبل، ثم رابطة أدبية غير متوقعة كشفت عنها جائزة مشتركة، وأخيرًا تبادل روايتين تحملان عنوانين متشابهين إلى حد بعيد.

لعل هذا هو أجمل ما يفعله الأدب؛ إنه يتيح للحيوات أن تتحاور عبر الزمن والمسافات، وأحيانًا قبل أن يلتقي أصحابها بوقت طويل. إنه يقيم الجسور بين اللغات والثقافات والأجيال، ويذكّرنا بأن الرحلات المختلفة قد تقودنا إلى أسئلة متشابهة على نحو مدهش.
في الرباط، قدّمتُ روايتي The Interpreter إلى وولي سوينكا، مؤلف رواية The Interpreters. أهديتُه كتابي، لكن اللحظة منحتني أنا أيضًا شيئًا أقل ملموسية، وربما أكثر بقاءً: إدراكًا لوجود صلة أدبية ظلت تتشكل في هدوء طوال واحد وأربعين عامًا.
أحيانًا، لا تُكتب أعمق التأويلات في القواميس، بل يكتبها الزمن نفسه.




