لوحة الكاتب وعشق الفن … ميخوش عبد الله في عيده الستين

بقلم الصحفي آيدين حسينوف

لستُ ناقدًا ولا باحثًا أدبيًا، لكنني أستطيع أن أقول، بوصفي قارئًا، إنه سيكون من المثير مقارنة ميخوش عبد الله بـ غي دي موباسان. فكما منح موباسان، خلال فترة قصيرة لا تتجاوز عشر سنوات، قيمةً رفيعة لفن القصة القصيرة الذي لم يكن الفرنسيون يولونه اهتمامًا كبيرًا، استطاع ميخوش عبد الله أيضًا أن يُثري الأدب الأذربيجاني الحديث بقصصه.

ميخوش عبد الله كاتب يمتلك بصمته الخاصة ووجهه المميز في الأدب. حين تقرأ أعماله، تشعر وكأنك تدخل بيتًا تتدلى فيه الثريات المشعة بالألوان الزاهية، وتنفتح أمامك قاعات متتابعة مزينة بذوق رفيع، فتقع في عالم مدهش من الانسجام والألوان الغنية. في هذا العالم لا يقيم سوى إنسان أصغر من الله بقليل. وميخوش عبد الله، الذي يرسم الإنسان المستمد من الطبيعة، والأسير لإبداعه الخاص، هو رسام وباحث في آن، قادر على رؤية كل شعاع رقيق ينبعث من الثريات ومن الإنسان نفسه، فيختار ألوان ذلك القوس ويمنحه صفاءه.

حتى حين لا يكون شاهدًا مباشرًا على أحداث معينة، فإنه يرسم صورتها بحدسه الفني وخياله، في خلفية تتكئ على الذهنية الشرقية، ليخلق في النهاية ذلك الأثر الذي يمس القلوب. كما أن لغة الشخصيات، وخصائصها المعجمية والتركيبية والدلالية، ومهارته في السرد واستخدام الصور الفنية، كلها تنبع من لحم الكاتب ودمه. إنه أحد ممثلي أدب المواقف النموذجية، والمونولوجات الداخلية، والتحليل الذاتي، وإثبات الذات. لا يلبس شخصياته أقنعة غريبة، بل يقدمها كما هي.

إن المحاولات التي تظهر في أعمال الكاتب لتفكيك مشكلات الحياة الروحية تُعد قضايا جادة ومهمة لعصرنا. فالرجولة، والحماسة، والشرف، والمسار التاريخي للأمة ضمن هذه القيم الأخلاقية والوطنية، تشكل الموضوع الرئيسي في أعمال ميخوش عبد الله، لكنها تبدو أكثر توهجًا وتعددًا في ألوانها المختلفة. وفي معظم أعماله نجد القضايا الوطنية والروحية بأبعاد وأشكال متعددة، بحسب الحبكة والبناء الفني. ولهذا تبدو شخصياته حقيقية، جذابة، مقنعة، وقوية.

ومن أمثلة ذلك قصصه: «الفتاة المعلقة من شعرها»، «الطفل المجنون»، «صيد الأناكوندا»، «المرأة التي طُرق بابها ليلًا»، «حذاء واحد»، «مقلع الحجارة»، «هدير الماء»، «مطر الخريف»، «طفولة الحارس»، و«حجر الجاذبية».

وقد لاقت أعمال ميخوش واسعة النطاق اهتمامًا كبيرًا من القراء. فكتابة الرواية أمر صعب ويتطلب جهدًا مكثفًا. وقد قدّم الكاتب الروسي كونستانتين فيدين تشبيهًا بليغًا حين قال: «إن كتابة الرواية تشبه بناء مدينة كبيرة بيد شخص واحد». وميخوش عبد الله يضيف دوائر جديدة إلى شجرة عملاقة، وفي الوقت نفسه يجعل أغصانها تمتد إلى طبقات عميقة. ومن الأعمال التي تحمل هذه السمات: «المرأة الأسيرة»، «ألاغوز»، و«رسائل حب من المصح العقلي».

كتب ميخوش عبد الله كثيرًا عن الحروب وإراقة الدماء، لكن التفاؤل الحياتي يبقى قويًا في أعماله، تفاؤلًا شجاعًا ومؤثرًا، كأنه صُقل في أتون الحروب، وأصبح رفيقًا لابتلاءات الأمة. ففي قلب الكاتب تحوّل التفاؤل التاريخي إلى إحساس يخص الوطني الحقيقي والمقاتل، وفي الوقت نفسه الإنسان المفتون بثروات الطبيعة والإنسان. كل خطوة في فنه هي انعكاس لذرات الوطن، وكل عمل من أعماله مرآة لتاريخنا وحياتنا وروحانيتنا ووجودنا العرقي.

إن ميخوش عبد الله يشعر دائمًا بالسعادة والفخر بنجاح أذربيجان وشعبها. وبهذا المعنى فهو ابن الوطن الأذربيجاني بحق، وقد استحق هذا اللقب بنفسه. ويبدو لي أن من يريد أن يكون مواطنًا أذربيجانيًا حقيقيًا، عليه أن يستفيد من أعمال هذا الكاتب، وأن يقرأها مرارًا، والأهم أن يفهمها.

لقد تجاوزت أعمال ميخوش عبد الله حدود بلاده، وأصبحت تُقرأ بمحبة في الخارج. وحتى الآن نُشر له 52 عملًا على البوابة الدولية المميزة Proza.ru، وقد استقطبت هذه الأعمال نحو ثلاثين ألف قارئ، وتلقت 465 مراجعة نقدية. وقد قرأت شخصيًا هناك، باللغة الروسية، قصص «الفتاة المعلقة من شعرها»، «الكذبة المقدسة»، «زوجة الصياد»، «قلب امرأة»، «المعلم نغمة»، «القبعة»، و«حلم القائد». أما عمله «ألاغوز» فقد نُشر في تركمانستان بمبادرة شخصية من المترجم أوراز مرادوف.

أتذكر هنا مقولة كاتبنا الراحل فرمان كريمزاده:
«الإنسان الذي يعيش بحب الفن لا يشيخ، بل يعيش بفنه، ويظل شابًا عبر القرون، وحتى إن غاب جسديًا فإنه يبقى حاضرًا بيننا».

وكأن هذه الكلمات كُتبت خصيصًا للكاتب ميخوش عبد الله. وأعتقد أن الستين عامًا ليست سوى لحظة شبابية في مسيرته الإبداعية، وأن خطواته القادمة في الحياة ستكون أكثر نجاحًا وتألقًا.

آيدين حسينوف
صحفي

في هذا اليوم الجميل، نحتفي بعيد ميلاد الكاتب والصحفي الكبير آيدين حسينوف، رئيس تحرير صحيفة «يني غون»، الإنسان الذي كان بالنسبة لكثيرين منا المعلّم الأول والمصحح الأمين لأول خطواتنا في عالم الكتابة.
أبعث إليه بكل المحبة والتقدير، متمنيًا له الصحة والعمر المديد والإبداع المتواصل.
دمتَ حاضرًا في قلوب تلاميذك ومحبيك، أيها الأستاذ العزيز.
ويسعدني أن أعيد نشر مقالته الرائعة التي كتبها بمناسبة عيد ميلادي الستين.
— ميخوش عبد الله

Related Posts

سلوفينيا و«أخطر فيلسوف سياسي في الغرب»

زيارة السيدة ناتاشا بيرتس موسار، رئيسة جمهورية سلوفينيا، إلى مصر، وإلقاؤها محاضرة موسعة في جامعة القاهرة، وزيارتها للمتحف المصري الكبير، ذكّرتني بالفيلسوف السلوفيني «سلافوي جيجيك»، الذي يُلقب بـ«أخطر فيلسوف سياسي…

Homer: The Timeless Models of the Hero

Epic poetry, which began to develop in the early Geometric Period (1000 BC), reached its full maturity with Homer, who lived in the 8th century BC. Through his heroic epics, the Iliad and the Odyssey, Homer celebrates and brings together two fundamental models of heroism: Achilles, distinguished by his courage, willpower and right action, and Odysseus, distinguished by his prudence, skill in action, effectiveness and altruistic intelligence, which connects the hero with himself and with nature. Homer and Philosophy: Convergences and Analogies Through Time  Achilles’ right action, that is, action free from attachment to its fruits or outcomes, would later find expression in various philosophical traditions: in Plato, in Stoic philosophy (according to which virtue has value in and of itself), in Giordano Bruno and in Kant (acting out of duty, for the sake of duty itself). Plato considered that the philosopher’s primary task was to weave together the virtues of courage and prudence, harmonising will and wisdom. Furthermore, he believed that the fundamental task of the philosopher who becomes a statesman is to ensure the harmonious coexistence of all citizens within the fabric of social life. When a single ruler governs, it is essential that he combines the virtues of courage and prudence. When several rulers govern, courageous and prudent individuals must coexist. Homer in the Renaissance: The Harmony of Strength and Wisdom  The representatives of the Renaissance spirit sought to overcome the contradictions and conflicts of their time and to create a better world. This desire for change led them to seek inspiration in the classical world. Ancient thought was revived through philosophy, while myths and symbols re-emerged through art, particularly painting. Giordano Bruno symbolically portrayed the harmony between strength and wisdom in his work On the Composition of Images, Signs and Ideas, through the figure of a man holding a sceptre in his right hand and a book in his left, symbolising power and wisdom respectively. Paolo Veronese also depicted the symbolic union of strength and wisdom in his painting Allegory of Strength and Wisdom. The painting portrays Hercules, whose gaze is directed towards the earthly world, alongside a female figure representing wisdom, whose gaze is directed towards the celestial and spiritual world. Homer in the Contemporary World: The Timeless Relevance of His Values  Courage Leads to Prudence  A courageous person follows the golden mean. They avoid extremes, both recklessness and cowardice. They maintain their inner balance and do not allow difficulties, despair, melancholy or sorrow to dominate their thoughts and behaviour. Courage helps them overcome psychological and physical difficulties, master their impulses and preserve their inner strength. Prudence, on the other hand, enables them to distinguish right from wrong and to choose the appropriate course of action. Courage without prudence can turn into recklessness, while prudence without courage can remain inactive knowledge. The true fulfilment of the human being lies in the harmonious coexistence of courage and prudence, of strength and wisdom. This is perhaps the timeless message that we can draw from Homer and carry into the contemporary world. Thank you very much for your attention. Yannis K. Fikas President of the Academy of Farsala

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *